د. علي ضاهر
في هذا العالم العجيب، لم يعد فهم السياسة يحتاج إلى شرح المفاهيم، بل إلى تحليل السياسي الذي ينطق بها. الكلمات لم تعد بريئة ولا محايدة، بل تحوّلت إلى معلبات مشحونة بالتحيّز، تتلوّن بهوية المتكلّم، وتميل مع مزاجه، وتُطوَّع وفق مصالحه. تُعاد قولبتها، تُلمَّع، يُقصّ منها ما لا يناسب، ويُلصق بها ما يلزم، ثم تُقدَّم كحقائق. لذا فمن باب التسلية يمكن فتح القاموس السياسي الغربي ورصد بعض مفارقاته، لا بوصفها زلّات لغوية، بل كطريقة لإدارة الوعي. وهذه عيّنة صغيرة:
حليف وصديق مقابل ذراع وتابع
كلمتا حليف وصديق تُوزَّعان بسخاء على كل دولة تصطف في الطابور الغربي، حتى لو كانت منبطحة او " تلفون أبو حصالة" لا تنطق الا ان لقمها الغرب، او كان سجلّها في حقوق الإنسان اسود كالقطران يصلح مادةً لموسوعة التعذيب، أو يحتل جناحًا بارزًا في "متحف أدوات القمع الحديث"! أمّا من يشذّ ويخرج من الطابور الغربي، فيُعاد تعريفه فورًا: ذراع، تابع، أداة حتى لو كان يتمتع بسجل ناصع من سيادة وحرية القرار. وكأن استعمال كلمة حليف أو صديق محتكر ويحتاج ختمًا رسميًا من وزارة الخارجية الأميركية! وفي هذا السياق يصبح النظام الحليف "ركيزة استقرار"، ولو كان يحكم بالحديد والنار. أمّا النظام غير المنصاع للغرب فيتحوّل إلى "ديكتاتوري مهدِّد للاستقرار"، ولو جاء إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع وعملية ديمقراطية كاملة الاوصاف!
الدفاع عن النفس سطر صغير يشرعن الكثير
حين تُقصف غزة، يهبّ الغربي ليشرح لنا أن ما نشاهده ليس قصفًا ولا تدميرًا، بل "حق الدفاع عن النفس". هكذا، بكبسة مصطلح، تُنزَع صفة الجريمة عن الاحتلال، ويُعاد تغليف المشهد ليبدو كأنه "نزاع على أرض" بين طرفين، لا علاقة له بالاستيطان ولا بالقوة
ولا بالواقع. وحين يقوم مستوطن، محميًّا بجيش مدجّج، باقتلاع شجرة زيتون زرعها فلسطينيون قبل مئات السنين، يسارع الغرب إلى تحويل الفعل إلى "مشكلة ملكية بين جيران". كأن المستوطن ليس غريبًا جاء من قارة أخرى، بل جارًا لطيفًا يختلف مع جاره على حدود الحديقة.
لكن المفارقة تبلغ ذروتها حين يرمي طفل فلسطيني حجرًا على من يقتلع زيتون أهله. هنا تتغيّر اللغة فورًا: الطفل يصبح "إرهابيًا"، والحجر يتحوّل إلى "سلاح فتاك"، بينما البندقية التي تحمي المستوطن تُصنَّف ضمن "مواكبة أمنية للدفاع عن النفس". يبدو أن الدفاع عن النفس ليس حقًا عالميًا، بل امتيازًا سياسيًا لفئة بعينها دون الآخرين. البندقية دفاع عن النفس شرط أن تكون في اليد "الصحيحة والمعينة". أمّا حجر الطفل الفلسطيني، الذي يدافع عن شجرة أهله، فيُعاد تصنيفه فورًا: معتدٍ. بينما المستوطن المسلّح، فهو "مدني" يحتاج إلى الحماية.
ضرب يسمى دفاع واخر اعتداء
في الخطاب الغربي السائد، لا يُقال إن الغرب أو أحد أصدقائه "يعتدي". فهذه كلمة ثقيلة وغير مناسبة للذوق الدبلوماسي. هو فقط "يضرب". والضرب، في هذا القاموس، ليس عنفًا بل خدمة عامة: جلسة "تقويم سلوك" لدولة قررت فجأة أن تتصرف ككيان مستقل. هكذا تُقدَّم الغارات الإسرائيلية على لبنان أو العمليات الأميركية ضد إيران كأنها إجراءات صيانة دورية للنظام الدولي، أشبه بتغيير زيت المحرك لا أكثر.
ولضمان ألا يخطر ببال الطرف المستهدف الردّ، يسارع الغرب بقدّه وقديده إلى الطلب منه مسبقًا "ضبط النفس"، كنصيحة تُمنح إلى مختلّ لا إلى دولة تُقصف. فإذا تجرّأ وردّ، ولو رمزيًا، ينقلب المشهد فورًا: يصبح الرد "اعتداءً يهدد الأمن العالمي"، من الواجب على الدول الغربية الردّ عليه. عندها تتحول الضحية إلى متّهم يحتاج إلى محاضرة في الأخلاق الدولية.
مقاومة تُكرَّم وأخرى تُجرَّم
في الخطاب الغربي، المقاومة شريفة فقط عندما تكون أوروبية وقديمة بما يكفي لتتحول إلى ذكرى آمنة في كتاب التاريخ، تُقام لها الاحتفالات بلا إحراج، لأن أصحابها ماتوا وانتهى الأمر. أمّا الفلسطيني أو غيره الذي يواجه احتلالًا حيًّا، فملفّه محسوم قبل أن يبدأ: إرهابي. هنا لا يعود الإرهاب توصيفًا لسلوك، بل ختمًا جاهزًا يُطبع على جبين كل من يجرؤ على الدفاع عن نفسه خارج القالب المسموح به.
أمّا العنف الغربي، فلا يُصنَّف إرهابًا، بل يُعاد تغليفه دائمًا بعبارات تقنية من نوع "عملية أمنية دقيقة"، كأن الطائرات تقصف وهي ترتدي قفازات طبّية. في المقابل، يُختزل عنف الآخرين في كلمة واحدة تُغني عن أي تحليل: إرهاب، التي تصبح كلمة سحرية تُعفي المتلقي من التفكير والفاعل من المساءلة، وتحوّل الضحية إلى متهم يحتاج إلى دورة مكثفة في "طرق ضبط النفس".
بهذه الهندسة اللغوية، يصبح المعتدي صاحب "حق مشروع في الدفاع عن النفس"، بينما يُطلب من الضحية عدم رفع الصوت، وعدم المدافعة عن النفس، خوفًا من إفساد روتين حياة الغرب. فأي محاولة للبقاء تُقرأ فورًا كتهديد للنظام الدولي، لا كرفضٍ لظلمٍ يراه الجميع ويتظاهرون بأنه غير موجود. مثال على ذلك محاولة إنكارهم ما يجري في غزة!
العقوبات محاولة جرّ الى بيت الطاعة كمقرّ
الغرب يوبّخ ويفرض عقوبات مختلفة على الدول المتحدية لإرادته، كما يوبّخ معلّم ابتدائي تلاميذه المشاغبين. هو يعتبر العقوبة آلية تهذيب تُذكّر الدول بحدود لا يجوز الاقتراب منها، فضلًا عن تخطيها. لكن ما إن تجرؤ دولة على الردّ بالمثل، حتى يتحوّل الفعل فورًا إلى "تهديد للتجارة العالمية" و"خطر على استقرار الأسواق". فالتجارة، في المنطق الغربي، حرّة وشرعية فقط عندما تنطلق من بلاد أو تمرّ عبر الموانئ التي يختارها الغرب. أمّا إذا استخدم الآخرون الأدوات نفسها، فتصبح فجأة "غير شرعية" و"ممنوعة" أو "تخريبًا للنظام الدولي". إنها حرية حركة مشروطة: حرية لمن يخضع لشروط الغرب أو يملك القوة، وعقوبات لمن يجرؤ على الاعتراض أو يرفع عينه في وجهه.
قتلى موتهم يُروى وأخرى موتهم يُطوى
في القاموس الغربي، يُصنَّف الموت بالهوية. قتلى الغرب يُمنحون فورًا صفة "ضحايا"، تُكتب أسماؤهم كاملة، تُعرض صورهم على الشاشات، وتُستدعى لهم لغة الرثاء والإنسانية. تُفتح لهم سجلات ذهبية في نشرات الأخبار، وتُعلن أيام الحداد، ويُعاد سرد قصصهم كأن العالم كله فقد أحد أبنائه. أمّا قتلى الآخرين، فغالبًا ما يُختصرون في "أرقام": مجرد خانة في تقرير، أو "أضرار جانبية" في بيان عسكري مكتوب ببرود. لا أسماء، لا وجوه، لا حكايات. كأنهم لم يكونوا بشرًا! فالإنسان، بالرغم من أنه يجب أن يكون واحدًا، إلا أن قيمته عند الغرب تتبدّل حسب لون بشرته، وجواز سفره، وهوية من يضغط على الزناد. فحين يقتل الغرب، يصبح الموت "استهدافًا دقيقًا"، و"عملية جراحية نظيفة"، و"ضرورة أمنية"، و"القضاء على تهديد محتمل". وحين يُقتل الغربي، يتحوّل المشهد إلى مأساة كونية تهتزّ لها العواصم. أمّا حين يُقتل الآخرون، فالمفردات جاهزة: "اشتباكات"، "تبادل نار"، "تحييد عناصر"، وكأن الضحايا ليسوا بشرًا بل ظلالًا. بهذه اللغة، يُعاد ترتيب العالم إلى طبقات: قتلى يستحقون الحزن، وقتلى لا يستحقون حتى أسماءهم. إنها معادلة بسيطة وقاسية: الدم الغربي قصة إنسانية، والدم غير الغربي مجرد إحصاء!
نفط ابن ست ونفط ابن جارية
في الخطاب الغربي، النفط ليس مادة واحدة، بل منتج يحمل هوية سياسية. فهناك نفط ديمقراطي نظيف، يخرج من باطن الأرض مرتديًا بدلة وربطة عنق، فقط لأنه يأتي من حليف. هذا النفط يُسوَّق كمنقذ للطاقة وركن أساسي في "أمن العالم الحر". لا أحد يسأل عن الانبعاثات، ولا عن طرق الاستخراج، ولا عن حقوق العمال. يكفي أن يكون المنتج صديقًا للغرب.
أمّا في الجهة المقابلة، فهناك نفط ديكتاتوري وسخ، يولد مذنبًا لأنه خرج من فنزويلا أو إيران أو أي بلد لا يرفع القبعة للعواصم الغربية. هذا النفط يُعامل كخطر سياسي: ملوّث، مارق، غير شرعي، وكأن جزيئات الكربون فيه تحمل أفكارًا ثورية تهدد النظام الدولي. فهل يتغيّر الكربون حسب النظام السياسي؟ أم أننا أمام تصنيف جديد للطاقة: كربون ديمقراطي قابل للاستهلاك، وكربون ديكتاتوري يجب معاقبته؟ بهذه المعايير، لا تُقاس نظافة النفط بتركيبه الكيميائي، بل بولاء الدولة المنتجة. النفط الحليف يُغسل في خطاب "القيم الغربية"، بينما النفط غير المرغوب فيه تُفرض عليه العقوبات. إنها معادلة بسيطة: ليس المهم ما يخرج من باطن الأرض، بل من يقف فوقها.
انقلاب خيار واخر فقوس
في القاموس الغربي، لا تُقاس الانقلابات بالدبابات في الشوارع ولا بتعليق الدستور، بل بهوية الحكومة التي أُطيح بها. فإذا أطاح الجيش بحكومة لا تعجب الغرب، يصبح الحدث فورًا "تصحيحًا سياسيًا"، و"استعادة للاستقرار"، و"خطوة ضرورية لإعادة البلاد إلى المسار الصحيح". فتُفتح الأبواب، وتُبتسم العواصم، وتُمنح السلطة الجديدة شهادة حسن سلوك قبل أن تجفّ دماء الليلة الأولى. أمّا إذا أطاح الجيش بحكومة صديقة، فالمفردات تنقلب رأسًا على عقب: "انقلاب دموي، تهديد للديمقراطية، اعتداء على الشرعية". فجأة يصبح الصندوق الانتخابي مقدّسًا، والدستور نصًا سماويًا، والجيش وحشًا خرج من القمقم. فالشرعية هنا لا تسكن صندوق الاقتراع، بل ختم الرضا القادم من السفارات. انقلاب يمرّ عبر بوابة الغرب يصبح إصلاحًا، وانقلاب يمرّ من خارجها يصبح جريمة سياسية. إنها معادلة بسيطة: ليست المشكلة في من يقلب الطاولة، بل في من كانت الطاولة تخدم.
لاجئ بسمنة ولاجئ بزيت
في الخطاب الغربي، لا يحمل اللاجئ صفة واحدة، بل لونًا سياسيًا يحدّد مصيره قبل أن يصل إلى الحدود. فاللاجئ الأوكراني الأبيض يُستقبل بالورود، وتُفتح له البيوت والجامعات، ويُمنح فورًا صفة لاجئ إنساني يستحق التعاطف والدعم. تُروى قصته كملحمة هروب من الحرب، وتُقدَّم معاناته كواجب أخلاقي على العالم أن يتقاسمه.
أمّا اللاجئ السوري أو الفلسطيني، فالمشهد ينقلب رأسًا على عقب: الأسلاك الشائكة بدل الورود، الدوريات بدل المتطوعين، واللغة تتبدّل من إنساني وطيب إلى مُقلِق وخطر ديموغرافي وعبء على الأمن. فجأة تصبح الحرب التي هرب منها تفصيلًا ثانويًا، وتصبح بشرته ولهجته وثقافته هي القضية الحقيقية. يبدو أن الإنسانية، كما تُمارس في السياسة الغربية، تعمل بنظام فرز لوني لا بنظام قيمي. هناك لاجئ "مناسب" تُفتح له الأبواب، ولاجئ "غير مناسب" يُدفع بعيدًا عن الأنظار.
حرية تعبير إذا وافق الخبير
في الخطاب الغربي، لا تُقاس حرية التعبير بالفعل نفسه، بل بهوية الشيء الذي تُشعَل فيه النار. حرق علم دولة عربية يُصنَّف فورًا كـ"حرية تعبير"، ويدخل في خانة النقد السياسي المشروع، بل يُقدَّم أحيانًا كدليل على انفتاح المجتمع وتسامحه مع الآراء الصادمة. أمّا إذا أُحرِق علم إسرائيل، فالمشهد يتبدّل في اللحظة نفسها: يصبح الفعل "خطاب كراهية"، أو "تحريضًا"، أو "تهديدًا لأمن المجتمع"! بالرغم من أن النار واحدة، واليد التي تشعلها واحدة، لكن النيّة تُفصَّل سياسيًا. كأن اللهب نفسه يخضع لاختبار ولاء قبل أن يُسمح له بالاشتعال. في النهاية، يبدو أن حرية التعبير ليست مبدأ عامًا، بل خدمة تُقدَّم عند الطلب: تُفتح عندما تخدم الرواية، وتُغلق عندما تُحرجها.
تدخّلهم حماية وتدخّل غيرهم جناية
في القاموس الغربي، التدخل العسكري ليس فعلًا واحدًا، بل علامة تجارية تُمنح حصريًا لمن يملك القوة وحقّ تعريف الأخلاق. فإذا تدخلت دولة من خارج المنظومة الغربية، يصبح ذلك فورًا "تهديدًا للأمن العالمي"، أو "زعزعة للاستقرار"، أو "مغامرة عدوانية". تُعقد الاجتماعات الطارئة، وتُرفع الأصابع المهدِّدة، ويُستدعى القانون الدولي من سباته الطويل. أمّا التدخل العسكري الغربي، فله قاموس آخر تمامًا: "عملية إنسانية، أو حماية للمدنيين، أو إعادة بناء الدولة، أو دعم الاستقرار"! حتى القصف يُقدَّم كخدمة اجتماعية، وكأن الصواريخ تحمل معها برامج رعاية صحية!
خلاصة
المشكلة ليست في الأحداث، بل في الطريقة التي يُراد لك أن تراها بها. لذا فاللغة لم تعد أداة وصف، بل أداة لهندسة الوعي. فحين يصبح القاموس نفسه خاضعًا للنفوذ، تتحوّل الحقيقة إلى امتياز، يملكه من يملك الإعلام والقوة، فيحقّ له تعريف الكلمات، وفرض معناها. لكن يبقى السؤال المشروع: هل نحتاج إلى محلل سياسي، أم إلى مترجم يفكّ شيفرة هذا الخطاب الدولي الأعور؟
66 مشاهدة
09 فبراير, 2026
18 مشاهدة
09 فبراير, 2026
71 مشاهدة
09 فبراير, 2026