الباحثة التربوية الدكتورة وفاء مروة - مونتريال
ويبقى الحبق، تلك النبتة البسيطة التي اختزنت في أوراقها ذاكرة الأرض، وسحر البيوت القديمة، ودفء الشرفات التي كانت تستقبل الصباح بابتسامة الندى. ليس الحبق مجرد نبات يُزرع في أصيص أو حديقة، بل هو رسالة من الطبيعة إلى الإنسان، تذكّره بأن أجمل الأشياء هي تلك التي تمنح دون أن تطلب شيئًا في المقابل. يكفي أن تمرّ بقربه حتى يسبقك عبيره، وكأنه يقول إن الأثر الجميل لا يحتاج إلى ضجيج، بل يكفيه حضور صادق.
ولعلّ للروائح قدرة لا تملكها الكلمات؛ فهي تعبر الزمن في لحظة، وتعيدنا إلى أماكن ظننا أننا غادرناها إلى الأبد. فرائحة الحبق قد تفتح باب بيتٍ قديم، أو تعيد وجه أمٍّ كانت تسقي زرعها كل صباح، أو تستحضر ضحكات الأهل في أمسيات الصيف، حين كانت الحياة أكثر بساطة وأقل استعجالًا.
وحين يلتقي عبق الحبق برائحة النسكافيه في هدوء المساء، لا يكون الأمر مجرد امتزاج لرائحتين، بل لقاء بين الطبيعة والإنسان، بين الخارج والداخل، بين ذاكرة المكان وتأملات الروح. ففنجان النسكافيه ليس مجرد مشروب، بل طقس يومي يمنح الإنسان فرصة للتوقف وسط صخب الحياة، ومراجعة ذاته، والإنصات إلى ما يدور في أعماقه.
في تلك اللحظات الهادئة، يصبح المساء أكثر رحابة، ويغدو الزمن أبطأ، وكأن الدقائق تمنح القلب فرصة ليلتقط أنفاسه. ينساب بخار القهوة في الهواء، ويتسلل عطر الحبق من نافذة أو شرفة، فتتشكل لوحة لا يرسمها رسام، بل ترسمها الحواس. هناك يدرك الإنسان أن السعادة لا تكمن دائمًا في الأحداث الكبرى، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي تمر أمامنا كل يوم دون أن نلتفت إليها.
إن الروائح تمتلك قدرة فريدة على إحياء الذاكرة؛ فهي توقظ في النفس مشاعر قديمة، وتعيد إلى القلب صورًا ظننا أنها غابت. لذلك يصبح عبير الحبق أو رائحة القهوة جسرًا بين الحاضر والماضي، وبين الإنسان ووطنه، وبين اللحظة وما تختزنه من حنين.
وليس غريبًا أن يكتب الشعراء عن العطر، وأن يجعلوا من الروائح لغة للمحبة والوفاء والحنين. فالعطر لا يُرى، لكنه يُحس، والحنين كذلك؛ كلاهما يسكن القلب دون أن يكون له شكل. لذلك، عندما يتعانق عبق الحبق مع رائحة النسكافيه، فإنهما يكتبان قصيدة صامتة لا تحتاج إلى أبيات، لأن الأرواح تقرؤها قبل العيون.
إن الإنسان، وسط تسارع الحياة وضغوطها، يحتاج إلى أن يصنع لنفسه هذه اللحظات الهادئة. لحظة يجلس فيها مع فنجانه، ويترك نافذته مفتوحة لعبير الحبق، ويمنح نفسه فرصة للتأمل والشكر والسكينة. فربما كانت أعظم النعم هي تلك التي لا تُقاس بثمن: نسمة مساء، ورائحة نبات، وفنجان قهوة، وطمأنينة قلب.
ويبقى الحبق شاهدًا على أن الجمال الحقيقي لا يفرض نفسه، بل ينتشر بهدوء، كما تنتشر الأخلاق الطيبة، والكلمة الصادقة، والابتسامة المخلصة. وتبقى رائحة النسكافيه رفيقة التأمل، تحمل دفء اللحظة، وترافق الإنسان في ساعات التفكير والإبداع.
وهكذا، حين يتواطأ عبق الحبق مع رائحة النسكافيه، لا يكون المساء مجرد وقت من اليوم، بل يصبح وطنًا صغيرًا تسكنه الطمأنينة، وتُزهر فيه الذكريات، وتستريح فيه الأرواح من عناء.
ويبقى الحبق، تلك النبتة البسيطة التي اختزنت في أوراقها ذاكرة الأرض، وسحر البيوت القديمة، ودفء الشرفات التي كانت تستقبل الصباح بابتسامة الندى. ليس الحبق مجرد نبات يُزرع في أصيص أو حديقة، بل هو رسالة من الطبيعة إلى الإنسان، تذكّره بأن أجمل الأشياء هي تلك التي تمنح دون أن تطلب شيئًا في المقابل. يكفي أن تمرّ بقربه حتى يسبقك عبيره، وكأنه يقول إن الأثر الجميل لا يحتاج إلى ضجيج، بل يكفيه حضور صادق.
ولعلّ للروائح قدرة لا تملكها الكلمات؛ فهي تعبر الزمن في لحظة، وتعيدنا إلى أماكن ظننا أننا غادرناها إلى الأبد. فرائحة الحبق قد تفتح باب بيتٍ قديم، أو تعيد وجه أمٍّ كانت تسقي زرعها كل صباح، أو تستحضر ضحكات الأهل في أمسيات الصيف، حين كانت الحياة أكثر بساطة وأقل استعجالًا.
وحين يلتقي عبق الحبق برائحة النسكافيه في هدوء المساء، لا يكون الأمر مجرد امتزاج لرائحتين، بل لقاء بين الطبيعة والإنسان، بين الخارج والداخل، بين ذاكرة المكان وتأملات الروح. ففنجان النسكافيه ليس مجرد مشروب، بل طقس يومي يمنح الإنسان فرصة للتوقف وسط صخب الحياة، ومراجعة ذاته، والإنصات إلى ما يدور في أعماقه.
في تلك اللحظات الهادئة، يصبح المساء أكثر رحابة، ويغدو الزمن أبطأ، وكأن الدقائق تمنح القلب فرصة ليلتقط أنفاسه. ينساب بخار القهوة في الهواء، ويتسلل عطر الحبق من نافذة أو شرفة، فتتشكل لوحة لا يرسمها رسام، بل ترسمها الحواس. هناك يدرك الإنسان أن السعادة لا تكمن دائمًا في الأحداث الكبرى، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي تمر أمامنا كل يوم دون أن نلتفت إليها.
إن الروائح تمتلك قدرة فريدة على إحياء الذاكرة؛ فهي توقظ في النفس مشاعر قديمة، وتعيد إلى القلب صورًا ظننا أنها غابت. لذلك يصبح عبير الحبق أو رائحة القهوة جسرًا بين الحاضر والماضي، وبين الإنسان ووطنه، وبين اللحظة وما تختزنه من حنين.
وليس غريبًا أن يكتب الشعراء عن العطر، وأن يجعلوا من الروائح لغة للمحبة والوفاء والحنين. فالعطر لا يُرى، لكنه يُحس، والحنين كذلك؛ كلاهما يسكن القلب دون أن يكون له شكل. لذلك، عندما يتعانق عبق الحبق مع رائحة النسكافيه، فإنهما يكتبان قصيدة صامتة لا تحتاج إلى أبيات، لأن الأرواح تقرؤها قبل العيون.
إن الإنسان، وسط تسارع الحياة وضغوطها، يحتاج إلى أن يصنع لنفسه هذه اللحظات الهادئة. لحظة يجلس فيها مع فنجانه، ويترك نافذته مفتوحة لعبير الحبق، ويمنح نفسه فرصة للتأمل والشكر والسكينة. فربما كانت أعظم النعم هي تلك التي لا تُقاس بثمن: نسمة مساء، ورائحة نبات، وفنجان قهوة، وطمأنينة قلب.
ويبقى الحبق شاهدًا على أن الجمال الحقيقي لا يفرض نفسه، بل ينتشر بهدوء، كما تنتشر الأخلاق الطيبة، والكلمة الصادقة، والابتسامة المخلصة. وتبقى رائحة النسكافيه رفيقة التأمل، تحمل دفء اللحظة، وترافق الإنسان في ساعات التفكير والإبداع.
وهكذا، حين يتواطأ عبق الحبق مع رائحة النسكافيه، لا يكون المساء مجرد وقت من اليوم، بل يصبح وطنًا صغيرًا تسكنه الطمأنينة، وتُزهر فيه الذكريات، وتستريح فيه الأرواح من عناء.
50 مشاهدة
18 يوليو, 2026
44 مشاهدة
18 يوليو, 2026
90 مشاهدة
18 يوليو, 2026