Sadaonline

بدلة مكوية، وسيادة مجعدة

الأقنعة البيضاء لا تحجب سواد التبعية، والنسيج الأوروبي لا يستر عُري السيادة

د. علي ضاهر - مونتريال
لفهم علاقة كثير من نخب العالم الثالث بـ"السيد الأبيض"، لا نحتاج الا إلى استحضار أطروحة فرانتز فانون في كتابه الشهير "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، ثم تخيّل ما يدور خلف الأبواب المغلقة في البيت الأبيض، حين يجلس دونالد ترامب في مواجهة ملك أو رئيس جمهورية أو رئيس وزراء أو أي "فخامة" قادمة من عالمنا العربي المنكوب بعقدة الخواجة. لا فرق هنا إن كانت هذه "الفخامة" لبنانية أو عراقية أو أردنية أو من أي بقعة أخرى. فالمصابون بهذا الداء أكثر من الهمّ على القلب!
لنتخيّل مشهد دخول فخامته مرتدياً بدلة رسمية مكوية بعناية، حوافها حادة كحد الموس، و"مُنشّاة" إلى درجة يستطيع غراب أن يحطّ عليها دون أن تهتز. بدلة تبدو وكأنها خرجت لتوّها من غرفة تجميل سياسية، بعد أن استبدلت على عجل البزة العسكرية، ظناً من صاحبها أن القماش الأوروبي قادر على إخفاء رائحة التبعية، وأن ربطة العنق قد تمنحه ما عجزت عنه سدة الحكم: اعترافاً بالندية من رجل لا يرى في الخريطة العربية سوى آبار نفط، وصفقات سلاح، وفنادق، وساحات رماية.
يبدأ فخامته الحديث بابتسامةٍ مصقولة بورق الزجاج، مُدشنًا لغته الإنجليزية التي تدرّب على مخارج حروفها أمام المرآة أكثر مما تدرّب على الإنصات لنبض الشارع، ليقول بنبرةٍ تجمع بين التزلّف والادعاء: "عزيزي دونالد، جئت بصفتي شريكاً لبحث مصالح بلدينا والاتفاقيات الاستراتيجية"!
لكن ترامب، الذي يدير العالم بعقلية "مدير كازينو" لا يؤمن إلا بقاعدة "البيت يربح دائماً"، لا يكلف نفسه عناء رفع رأسه. ينكبّ بإمعان على تصفح مجلة "بلاي بوي" مستمتعاً برشفات من عبوة "دايت كوك"، قبل أن يقول ببرودٍ كفيل بتبخير ما تبقى من هيبة البدلة المُنشّاة: "ذكّرني؟ من أنت؟ رئيس لبنان؟ آه نعم! بلد التبولة، وعمليات التجميل، وأبو الزلف! اسمع يا جو، صديقي بيبي لديه بضعة مطالب، نفذها أولاً ثم نرى"!
في تلك اللحظة، يتجاوز المشهد حدود "النكتة السياسية" السخيفة ليتحول إلى درس في سيرة الاستعمار، في تجسيد حي لما سمّاه فرانتز فانون بـ"استجداء الاعتراف". فحين تعجز السلطة عن انتزاع شرعيتها من الميادين، تذهب لتستوردها من مكاتب واشنطن كما تستورد العطور والسيارات.
أما ترامب، فلا يرى أمامه رئيس دولة "ذات سيادة"، بل مجرد مدير فرع محلي لشركة "الشرق الأوسط للمقاولات"، مهمته تنفيذ جدول المهام بدقة: ضبط الحدود، إدارة السلاح، حراسة أمن الجيران، مقابل بضع فتات من المساعدات بالكاد تبقي جثة السلطة على أجهزة الإنعاش، حتى إشعار آخر.
أما الكوميديا الحقيقية، فتبدأ بمجرد أن تطأ قدم فخامته أرض الوطن. هناك، بقدرة قادر، يتحول كل تنازل مُهين إلى "أفضل الممكن"، وتُصنّف كل انحناءة قسرية على أنها "حنكة ومناورة"، وتُدرج كل صفعة سياسية تحت بند "الاختراق الدبلوماسي غير المسبوق"! وهنا تنبري ماكينة الإعلام الرسمي لا لتشرح للجمهور ما جرى، بل لتمارس هوايتها الأزلية في "تجميل الجثث السياسية". فتنطلق العناوين العريضة بـ"الخط العريض": "ترامب يخصّ فخامته بلقاء قمة تاريخي، واشنطن تعمد فخامته قائدًا إقليميًا"، ولم تنسَ الصحف بالطبع الإشادة بالهندام: البدلة الأنيقة تفرض هيبتها وتجبر سيد البيت الأبيض على التراجع! تليها تسريبات حصرية عن مصادر مطلعة: الرئيس الأمريكي ذهل من صلابة فخامته ولم ينم الليل إعجاباً برؤيته الجيوسياسية!
وكي تكتمل فصول المسرحية، يطل علينا عبر الشاشات أحد أولئك "الخبراء الاستراتيجيين" الذين يفهمون في كل شيء من علم الفلك إلى علم الذرة، ليفكك للمشاهدين المذهولين شفرات "لغة الجسد"، قائلاً بنبرة الواثق: هل لاحظتم كيف ربت الرئيس ترامب بعنف على كتف فخامته؟ ثم يجيب نفسه بابتسامة نصر قبل أن يرد عليه: في البروتوكول الأنجلو-ساكسوني القديم، هذه الربتة القوية ليست مجرد سلام، بل هي عملية ضخ مكثف للسيادة الأمريكية مباشرة في كتف فخامته، وإعلان رسمي عن شراكة ندّية لإدارة الكوكب!
وبطبيعة الحال، لو طال اللقاء خمس دقائق أخرى، لخرج علينا الخبير ذاته ببحث معمق يثبت فيه أن طريقة تقديم عبوة (الدايت كوك) لفخامته كانت مشحونة بالرسائل الجيواستراتيجية العميقة، وأن عدد رمشات عين ترامب اليمنى أثناء الحديث كانت شفرة مورس سرية تعلن ولادة شرق أوسط جديد، مع شراكة فخامته طبعاً!
الحقيقة العارية من كل مساحيق التجميل، هي أن الأقنعة البيضاء لا تحجب سواد التبعية، والنسيج الأوروبي لا يستر عُري السيادة، وصور الصالونات البيضاوية ليست صكوكاً للاستقلال. "السيد الأبيض" لا يفتش عن حلفاء بل عن أجراء محليين، وظيفتهم تسلّم "دفتر الشروط"، ثم العودة إلى الديار لبيع الخنوع للجمهور بوصفه "انتصاراً استراتيجياً مؤزراً. 
وتبقى اللقطة الأكثر إثارة للشفقة والسخرية معاً، هي مشهد فخامته وهو يلوّح بالبشاشة أمام الكاميرات، منتشياً باللقاء، بينما الحقيقة أنه قضى فترة الزيارة وهو يستجدي صكّ "الغفران السياسي"، محاولاً إثبات جدارته كـ"مطيع برتبة امتياز"، متوهماً أن مباركة واشنطن هي العصا السحرية التي ستُركع له شعبه وتمنحه شرعية عجز عن انتزاعها من ميادين الكرامة.