إسماعيل الحاج علي - غاتينو
في ظهيرة السادس عشر من يوليو 2026، لم يكن الإعلان عن صفقة الملياري دولار لشركة "جنرال ديناميكس" مجرد حدثٍ عابرٍ في أجندة الحكومة الكندية، بل كان لحظةً كاشفةً تتجاوز في دلالتها أرقام الميزانية لتصل إلى جوهر "الفكرة الكندية" في نسختها الراهنة. إننا نقف اليوم أمام مشهدٍ يختزل التناقضات الكبرى التي تعيشها الدولة؛ حيث تسعى الحكومة، بقيادة مارك كارني، إلى صياغة سيادةٍ تعتمد على "القوة الصلبة" والمصالح الصناعية التقليدية كأدواتٍ للحفاظ على الاستقرار في عالمٍ يمور بالتحولات. ولكن، في خضم هذا السعي نحو "القلعة المنيعة"، يبرز سؤالٌ وجوديٌ مؤرق: لمن هذه السيادة؟ وأي "نحن" تقصد الحكومة حين تتحدث عن الأمن القومي؟ هذا التساؤل يقودنا بالضرورة إلى مراجعةٍ نقديةٍ لموقع الجالية المسلمة في كندا، تلك الجالية التي تتجاوز في حجمها النصاب العددي للتمثيل، لكنها لا تزال تراوح مكانها في دهاليز التهميش، ليس فقط بفعل "الاستبعاد الهيكلي" من صالونات القرار، بل أيضاً نتيجةً لانكفاءٍ داخليٍ وصراعاتٍ هويةٍ تعيق تحولها إلى قوةٍ فاعلة. إن هذا الطرح ليس مجرد قراءةٍ في قرارٍ سياسي، بل هو دعوةٌ لمكاشفةٍ شجاعةٍ ومفصلية؛ محاولةٌ لفهم كيف يمكن لجاليةٍ تعاني من "نزيف التمييز" أن تستعيد زمام المبادرة، وتنتقل من "موضوعٍ للسياسة" يُدار ويُحتوى، إلى "صانعٍ للسياسة" يفرض حضوره كجزءٍ لا يتجزأ من هوية كندا ومستقبل سيادتها.
الخاتمة
إن كندا الغد لن تُكتب فصولها بقرارات القاعات المغلقة فحسب، بل ستُصاغ في ميادين المواطنة الحقيقية التي نختارها نحن. إننا لا ندعو إلى استجداء مقعدٍ في قطار السياسة، بل إلى بناءِ مسارٍ يفرضُ نفسه كقوةٍ معرفيةٍ وأخلاقيةٍ لا غنى عنها في صلب الهوية الوطنية. سيأتي يومٌ—قريبٌ إن أحسنا التنظيم—تصبح فيه "سيادة التعايش" هي العقيدة السياسية الحقيقية، حيث لا يُسأل المواطن عن خلفيته ليُحدد مستوى أمنه، بل يُقاس بعطائه لوطنٍ أصبح بيتاً للجميع بالحق لا بالمنحة. المهمة ليست سهلة، والتاريخ لا يرحم المترددين؛ فإما أن نكون اليوم شركاء في كتابة "العقد الكندي الجديد"، أو نظل رهائن لسردياتٍ لا تضعنا في حساباتها. القوة تكمن في البصيرة، والمستقبل يترقب من يمتلك الشجاعة ليحوله من "حلمٍ مؤجل" إلى "واقعٍ معاش".
ننتقل في الجزء القادم من خانة "الملفات التي تُدار" ومادة "الاستهلاك السياسي"، لنضع حجر الأساس لمرحلة النضج الاستراتيجي.
سنكشف عن استراتيجية الانتقال من موقع "المفعول به" الذي يُرسم له المسار، إلى موقع "صنّاع السياسة" ومديري ملفاتها من داخل المطبخ الاستراتيجي للدولة.
انتظرونا في هذه المحطة الفاصلة، حيث نحول طموحنا إلى خارطة طريق عملية تفرض حضورنا كشركاء أصلاء في صناعة القرار.
49 مشاهدة
18 يوليو, 2026
187 مشاهدة
12 يوليو, 2026
275 مشاهدة
11 يوليو, 2026