سامر مجذوب
مع إطلالة شهر رمضان المبارك من كل عام، تتجه القلوب قبل الأبصار إلى السماء، رجاءً ووحدةً وطمأنينة. غير أنّ مسألة تحديد بداية الشهر الكريم تعود لتثير نقاشًا متجددًا بين أبناء الجالية الواحدة، بين من يعتمد الرؤية البصرية للهلال، ومن يأخذ بالحسابات الفلكية، أو يجمع بينهما وفق اجتهادات فقهية معتبرة.
إنّ الاختلاف في ذاته ليس أمرًا مستحدثًا ولا شاذًا عن تاريخ الأمة؛ فقد عرف المسلمون و غيرهم عبر العصور تنوّعًا في الاجتهادات الفقهية، واختلافًا في مناهج الاستدلال، وكل ذلك داخل إطارٍ من الاحترام المتبادل وسعة الشريعة. لكنّ الإشكال لا يكمن في وجود الاختلاف، بل في طريقة إدارته، وفي أثره الاجتماعي، خاصة في وطنٍ تمثل فيه الجالية المسلمة نسبةً قليلة من عدد السكان.
في مجتمعات "الأقليات"، تصبح صورة الوحدة أكثر حساسية، لأنّها لا تؤثر فقط في الداخل، بل تنعكس أيضًا على نظرة المجتمع الأوسع إلينا. وعندما يعلن مسجدٌ بداية رمضان يومًا، ويعلن آخر يومًا مختلفًا، لا يقتصر الأمر على مسألة فقهية؛ بل يتحول، في أعين البعض ، إلى علامة على التشتت أو التنازع، حتى وإن كان الواقع أعمق وأغنى من ذلك بكثير.
والأثر الأهم، وربما الأخطر، يظهر في نفوس الشباب. فالشاب الذي ينظر إلى علمائه وقياداته الدينية باعتبارهم مرجعيته الأخلاقية والروحية، ينتظر منهم نموذجًا في الحكمة، والرشد، وتقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الجزئية. وعندما يرى الخلاف يطفو إلى السطح دون خطابٍ جامعٍ يشرح أسبابه ويؤطره في سياقه العلمي، قد يتسلل إلى قلبه شيء من الحيرة، أو يفقد شيئًا من الثقة، أو يفتح الباب أمام تساؤلاتٍ كان يمكن احتواؤها بالحكمة والشفافية.
ليس المطلوب إلغاء الاجتهاد، ولا مصادرة الرأي، ولا توحيد الناس قسرًا على قولٍ واحد؛ فذلك مما لا يتفق مع طبيعة الفقه الإسلامي نفسه. ولكن المطلوب هو استحضار الواقع الذي نعيشه، وحساسية المرحلة، وحجم المسؤولية. إنّ القرار في مثل هذه القضايا لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط من زاوية “الصواب الفقهي” المجرد، بل كذلك من زاوية “الأثر الاجتماعي” و”المآل التربوي”.
كما أنّ التباين غير المنضبط يفتح المجال أمام بعض الأصوات التي تتربص بالجالية، فتجد في هذا الاختلاف فرصةً لإثارة الضغينة، أو التشكيك في الثوابت، أو تأجيج خطاب السخرية والانقسام. وهنا يتحول الخلاف من مساحةٍ للرحمة والسعة، إلى ثغرةٍ يتسلل منها من يريد الاصطياد في الماء العكر.
إنّ شبابنا اليوم يعيشون في عالمٍ سريعٍ، مفتوحٍ، يتعرضون فيه لخطاباتٍ متعددة، بعضها ناقدٌ، وبعضها مشككٌ، وبعضها مستهزئ. لذلك فإنّ مسؤولية القيادات الدينية والاجتماعية مضاعفة: أن تُدير الخلاف بعلمٍ وأدب، وأن تُقدّم خطابًا موحدًا في المقاصد، حتى وإن اختلفت الوسائل، وأن تشرح للناس ،خصوصًا للشباب، أنّ الاختلاف الفقهي ليس صراعًا، بل تنوعٌ في الاجتهاد داخل دائرة الثوابت.
إنّنا في هذا الشهر الفضيل أحوج ما نكون إلى كلمةٍ سواء، وإلى روحٍ جامعة، وإلى تغليب الحكمة على العاطفة، والمصلحة العامة على الاعتبارات الفردية. فالوحدة لا تعني التطابق، لكنها تعني الانسجام. والاختلاف لا يفسد للود قضية، إذا أحسنّا إدارته.
فلنجعل من رمضان فرصةً لتعزيز الثقة، وترسيخ الاحترام، وبناء جسور الحوار، حتى يبقى شبابنا مطمئنين إلى مرجعياتهم، معتزين بدينهم، واثقين بأنّ اختلاف علمائهم رحمة، لا مدعاة فرقة.
والله وليّ التوفيق.
46 مشاهدة
18 فبراير, 2026
171 مشاهدة
11 فبراير, 2026
220 مشاهدة
09 فبراير, 2026