Sadaonline

مدارس على الرأس وأخرى تُداس

ماذا لو كان الخبر عن شاب فلسطيني لا علاقة له بالمقاومة، جاء إلى مدرسة إسلامية ليتحدث عن فقدان عائلته ومعاناته الحياتية؟

د. علي ضاهر

في 26 شباط - فبراير 2026، استيقظت كيبيك على خبر من العيار الثقيل: مدارس يهودية خاصة، ممولة من جيوب دافعي الضرائب، يعني مني ومنك، أخي المواطن، استضافت جنودًا إسرائيليين خلال الحرب على غزة. جنودٌ حقيقيون، بزيّهم الحقيقي، كانت الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت مذكرات اعتقال بحق قادتهم بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. هؤلاء الجنود حقيقيون دخلوا الصفوف، تحدثوا إلى الطلاب، التقطوا الصور، ثم خرجوا، وخرج معهم الخبر من التداول بعد 48 ساعة فقط، ليحط على رفوف النسيان.

خبرٌ كان يجب أن يملأ الدنيا ويشغل بال أولئك الذين يقضون الليل والنهار في تلاوة الصلوات لحماية العلمانية من "خطر داهم" سوف يهز أركانها. خبرٌ ظنّ المتابع المحايد لمجريات الاحداث أن الدولة بقضّها وقضيضها، ومعها الإعلام وجهابذته، ستتحرك للضرب بيدٍ علمانية قوية على من حاول استغلالها. لكن سرعان ما سُحب الخبر بقدرة قادر، وساد صمت يشبه صمت القبور، فاختفت القضية بسرعة البرق لدرجة تجعلنا نتساءل: هل كان الخبر حلمًا؟ هل كانت الجريدة تمزح؟ لا أحد يعرف. لكن يبدو أن أمرًا صدر بطيّ الصفحة.

لكن ماذا لو قلبنا المشهد؟ ماذا لو كان الخبر عن مدارس إسلامية في مونتريال تستضيف مقاومين من بلد عربي؟ أو لنخفف الصورة: ماذا لو كان الخبر عن شاب فلسطيني لا علاقة له بالمقاومة، جاء إلى مدرسة إسلامية ليتحدث عن فقدان عائلته ومعاناته الحياتية؟ هل كان النقاش سيبقى إداريًا وتقنيًا ويمرّ كسحابة صيف كما مرّ الخبر المتعلّق بالمدارس اليهودية؟ التجربة تقول العكس. ففي كل مرة يرتبط فيها أي حدث بالإسلام أو بالعرب، تتحول بعض وسائل الإعلام إلى محاكم تفتيش. يكفي أن تُذكر كلمة إسلام أو عرب في عنوان خبر حتى تُفتح صفحات كاملة للتحليل والتخويف والتأويل، وتتحول الحادثة، مهما كانت صغيرة، إلى قضية رأي عام مصيرية.

وهذا تمامًا ما جرى في تشرين الأول -أكتوبر 2024، حين تحولت مدرسة في منطقة كوت دي نيج إلى قضية مصيرية لأهل كيبيك، رغم أنه لم يكن هناك لا جنود، ولا حرب، ولا جيش أجنبي، بل مشاكل داخلية. ومع ذلك، تحوّلت المدرسة إلى "قضية وطنية كيبيكية" أثارت غبارًا أكثر مما أثارته حرب داحس والغبراء: المحطات ناقشت، السياسيون صرخوا، الصحف وكتّاب أعمدتها قفزوا على الخبر كما يقفز الفقير الجائع على رغيف خبز خارجٍ حديثًا من الفرن. أما الوزارات، من تربية وعدل وهجرة، فتحركت وكأنها أمام تهديد وجودي أكبر من تهديد ترامب بضمّ كندا. فتم تعليق أساتذة، وفتحت تحقيقات، وأصدرت توجيهات جديدة حول العلمانية والحياد، وكأن المدرسة كانت على وشك إعلان نفسها "جمهورية كوت دي نيج الإسلامية المستقلة"!

والأجمل أن القضية بقيت حيّة تتصدر الإعلام المكتوب والمسموع، ثم تسكت لفترة وجيزة، ثم تعود إلى الحياة لتخرج من ذاكرة الرماد كطائر الفينيق او كعنقاء تجدد نفسها، كلما دق الكوز بالجرة او احتاج أحدهم مثالًا على "الفوضى" أو "التوترات الثقافية" أو الادعاء بأن "المسلمين يكرهون العلمانية". فأصبحت المدرسة مثل أغنية قديمة يصرّ الراديو على تشغيلها كلما شعر بالملل. أما قضية الجنود الإسرائيليين؟ فكانت أغنية من سطر واحد، بُثّت مرة واحدة، ثم سُحبت من التداول.

هنا تظهر المفارقة التي لا تحتاج إلى عدسة مكبّرة: عندما يتعلق الأمر بمدرسة جرى فيها حدث يرتبط اسمها بالإسلام، تُفتح كل الأدراج، وتُشغَّل كل الصفارات، وتتحرك الوزارة بسرعة الضوء. أما عندما تستضيف مدرسة جنودًا من جيش أجنبي في حالة حرب، فالموضوع يصبح مسألة تقنيًة وقابلة للمعالجة الهادئة، والأفضل المرور عليها بخفة كي لا ينزعج أحد. وكأن في كيبيك، مدارس مرفوع عنها العتب، ومدارس يُصب عليها الغضب، الاولى تُحمَل على الرأس، والثانية تُداس!

لا أحد يطلب من الإعلام أن يصرخ، لكن من حق الناس أن يتساءلوا: لماذا يصرخ في وجه مدرسة، ويهمس في وجه أخرى؟ ولماذا تتحرك الوزارة كقوة تدخل سريع في حالة، بينما تتحول إلى سلحفاة تتهادى بخطىً وئيدة في حالة أخرى؟ ولماذا يصبح الحياد في مدرسةٍ كُفراً بالعلمانية وخروجاً عن ملتها، وفي مدرسةٍ أخرى وجهة نظرٍ لا تُفسد للود قضية؟ الجواب لا يحتاج إلى عبقرية: في كيبيك، لا يُقاس حجم الضجيج بحجم الحدث، بل بهوية الفاعل، ووفق موازين ازدواجية المعايير المتأصلة في النفوس.

* تم توليد الصورة بالذكاء الاصطناعي