وليام خربوطلي*
في كل مرة تندلع فيها الحرب في لبنان، لا تقتصر مآسيها على الدمار الذي يصيب الحجر، بل تمتد لتصيب ما هو أخطر: قلوب الناس. فالحرب لا تهدم البيوت فقط، بل تهدم الجسور التي تربط أبناء الوطن الواحد، وتزرع في النفوس خوفاً وغضباً وحقداً قد يبقى لسنوات طويلة بعد أن تسكت المدافع.
لقد عرف لبنان عبر تاريخه محطات كثيرة من العنف والانقسام، وغالباً ما كانت الخلافات السياسية تتحول إلى خصومات بين الناس أنفسهم. فيتحول الجار إلى خصم، والصديق إلى غريب، فقط لأنهما يختلفان في الانتماء السياسي أو الديني أو المذهبي. ومع مرور الوقت، يصبح الخطاب القاسي والاتهامات المتبادلة جزءاً من الحياة اليومية، وكأن الانقسام قدر لا مفر منه.
لكن الحقيقة التي يذكرنا بها التاريخ دائماً هي أن الحروب لا تنتصر فيها الشعوب، بل تخسر فيها جميعاً. لا يوجد منتصر حقيقي عندما يُقتل الأبرياء، أو يُهجّر الناس من بيوتهم، أو يكبر الأطفال وهم يحملون ذكريات الخوف والدمار.
في مثل هذه اللحظات، يصبح من الضروري العودة إلى القيم الإنسانية التي تشكل جوهر الأديان والتقاليد الروحية في هذا البلد. فالمسيح عليه السلام دعا إلى المحبة والغفران حتى في وجه العداء، وقال: «أحبوا أعداءكم». هذه الدعوة لم تكن ضعفاً، بل كانت تعبيراً عن قوة أخلاقية ترى في الإنسان قيمة تتجاوز الانتماءات الضيقة.
وكذلك كان النبي محمد ﷺ مثالاً في الرحمة والتسامح، إذ وصفه القرآن الكريم بقوله: «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين». فجوهر رسالته كان بناء مجتمع يقوم على العدل والرحمة واحترام كرامة الإنسان، لا على الانتقام والكراهية.
من هنا، فإن الاختلاف السياسي أو الديني لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة إنسانية. يمكن للناس أن يختلفوا في الرأي والموقف، بل إن الاختلاف أمر طبيعي في أي مجتمع حيّ، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا الاختلاف إلى كراهية أو إلى نزع للإنسانية عن الآخر.
لبنان ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو تجربة إنسانية فريدة تقوم على التعدد. وقد عبّر عن هذه الحقيقة بوضوح الإمام موسى الصدر عندما قال كلمته الشهيرة: «الطائفية نقمة، والطوائف نعمة». فالتنوع الديني والثقافي في لبنان يمكن أن يكون مصدر غنى وقوة، لكن تحويله إلى صراع سياسي وطائفي يجعله نقمة تهدد المجتمع بأكمله.
إن التحدي الحقيقي أمام اللبنانيين اليوم ليس فقط إيقاف الحروب، بل إعادة بناء الثقة بينهم. وهذا يبدأ بالاعتراف بأن الخصم السياسي ليس عدواً وجودياً، وأن الإنسان لا يُقاس بطائفته أو حزبه، بل بإنسانيته.
فحين يرى اللبناني في الآخر أولاً إنساناً مثله، له عائلة وأحلام ومخاوف، يصبح من الصعب أن يقبل أن يتحول هذا الآخر إلى هدف للكراهية أو العنف. عندها فقط يمكن أن تبدأ عملية شفاء المجتمع من جراحه.
لبنان يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ثقافة إنسانية تتجاوز الاصطفافات الضيقة. ثقافة تعترف بالاختلاف، لكنها ترفض أن يتحول هذا الاختلاف إلى حرب دائمة بين أبناء الوطن الواحد.
لأن الوطن في النهاية ليس ملكاً لفئة دون أخرى، بل هو بيت مشترك للجميع. وإذا احترق هذا البيت، فلن ينجو أحد من ناره.
ولعل الرسالة الأعمق التي يمكن أن نتعلمها من كل ما مرّ به لبنان هي أن السلام الحقيقي لا يُبنى فقط بالاتفاقات السياسية، بل يُبنى أولاً في القلوب، عندما يقرر الناس أن إنسانيتهم المشتركة أهم من كل الانقسامات.
فعندها فقط يصبح التنوع نعمة كما أراده الإمام موسى الصدر، لا نقمة كما تصنعه الحروب.
* محام، محكم ووسيط
125 مشاهدة
11 مارس, 2026
40 مشاهدة
11 مارس, 2026
111 مشاهدة
09 مارس, 2026