Sadaonline

دولة تتوضأ بالسلام وتصلي بالقذائف

فعلا مشهد نفاق فج، يذكر بمسرحية أخلاقية رديئة الإخراج


د. علي ضاهر

في كل مرة تهتز الولايات المتحدة على وقع حادثة عنف داخلي، يهرع ساستها إلى ارتداء ثياب الحمامة البيضاء، وتتحول تصريحاتهم إلى مستحضرات تجميل سياسية تحاول تغطية وجه يعرف الجميع ملامحه الحقيقية. فجأة تتدفق كلمات الحنان، وتُشحَن الجمل بفضائل لم يسمعها أحد منهم قبل يوم فقط، حين كانت أفواههم نفسها تزمجر وتهدد. آخر هذه التجليات ظهر عقب محاولة اغتيال دونالد ترامب، حين انفجرت خطاباتهم بقدسية الديمقراطية وحرمة الدماء ونبذ العنف، وكأننا أمام رهبان لم يخدشوا يوماً إصبعاً، لا أمام قادة أشرفوا بدم بارد على حروب أبادت شعوباً ودمّرت أوطاناً.
إنه فعلا مشهد نفاق فج، يذكر بمسرحية أخلاقية رديئة الإخراج. فهل نبذ العنف وقدسية الحوار بضاعة تُباع حصراً في السوق الداخلي، بينما يُباح خارج الحدود إطلاق أعتى الترسانات العسكرية، وكأن الدم الأجنبي لا يساوي حتى ماء غسل الأيدي بعد الخطابات؟ في الداخل يرفعون رايات الحوار كأنهم رهبان دير، وفي الخارج ينسجون المؤامرات ويشعلون الحروب ضد كل من يجرؤ على رفع حاجبه لا على رفع سلاحه. وحين تصغي إلى خطابات هؤلاء "الملائكة الأرضيين"، تضطر للتأكد أنك لم تخطئ القناة: أَهُم حقاً قادة الدولة التي لا تفرض السلام إلا عبر فوهات القاذفات، أم أنهم اعتنقوا فجأة طريق غاندي؟ أم لعلهم استلهموا نموذج السلام من مدرسة محمود عباس وجوزيف عون ونواف سلام، حيث ترفرف رايات الاستسلام فوق رؤوسهم بفعل بهلواناتهم الخائبة! 
وتكتمل المسرحية حين تدرك أن هذه اللغة الناعمة تصدر عن إمبراطورية تمتلك من أدوات الفناء ما يكفي لإعادة تشكيل العالم بالقوة، بعد أن ملّت حتى من كذبها القديم حين كانت تروّج لإعادة تشكيله "لمصلحته" بأساليب أكثر نعومة. نحن أمام دولة تنتشر قواعدها العسكرية بأعداد تفوق فروع ماكدونالدز، لكنها تتقمّص فجأة دور جمعية خيرية توزّع البطانيات، أو منظمة «غرينبيس» تخشى دهس نملة وهي تعظ عن فضائل الحوار. وإذا تجاوزنا سجلّها الطويل الملطّخ بالإبادة والحروب، يبقى السؤال: لماذا تتحول قيم السلم والمحبة إلى نصوص مقدسة في الداخل، بينما تتبخر بمجرد عبورها الحدود؟ هل الديمقراطية لديهم مزوّدة بنظام توجيه أخلاقي لا يلتقط الإشارة إلا داخل نطاق معيّن؟ أم أن العنف السياسي يصبح خطيئة كبرى فقط إذا هدد صالونات واشنطن، بينما يتحول إلى عمل مشروع ومفهوم ما دام يحصد أرواح الآخرين ويفتح شهية مصانع السلاح؟ 
والأطرف أن خطابهم الأخلاقي يشبه تلك المنتجات التي يُكتب عليها: "للاستخدام المنزلي فقط". نسخة داخلية ناعمة من الحوار واحترام القانون، ونسخة خارجية لا تحتاج إلى دليل استعمال: قوة ضاربة، تدخلات دائمة، وصراعات تُدار عن بُعد. في الخارج، تتحول دعوات الحوار إلى لغة واحدة يترجمها أزيز الرصاص وقصف المدافع. وهكذا تتجلى المعضلة لتفصح عن دولة تتوضأ بالسلام لتصلي بالقذائف، تتقمص دور الملاك في الداخل، وتصدّر للخارج سما لا يحتاج إلى كلمات، بل إلى فوهة مدفع تكتب بها الجملة الأخيرة!