سامر المجذوب ـ مونتريال
لم تكن رسالة النبي محمد ﷺ مجرد دعوة إلى العبادة، بل كانت مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان والمجتمع والأمة. فقد جاء ليحرر الإنسان من عبودية الأهواء والنزوات والمصالح الضيقة، ويربطه بالله، ويمنحه غاية ومعنى ومسؤولية في الحياة. فانتقل الإنسان من كائن تحركه العصبية والمصلحة إلى إنسان يؤمن بالخير والبر والعدل، ويشعر بمسؤوليته تجاه نفسه والآخرين.
ولهذا جعل النبي ﷺ بناء الإنسان أساسًا لكل إصلاح؛ فالإيمان لم يكن اعتقادًا مجردًا، بل أخلاقًا وسلوكًا وعطاءً وتكافلًا، حتى أصبح الضعيف والفقير واليتيم والجار جزءًا من دائرة المسؤولية.
ثم انتقل هذا البناء من الفرد إلى المجتمع، فوحّد النبي ﷺ القلوب، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ونقل الناس من الولاءات المتصارعة والعصبيات القبلية إلى رابطة أوسع تقوم على الإيمان والأخوة والعدل والوفاء بالعهد. وفي المدينة المنورة لم يعد ابناؤها أفرادًا متفرقين، بل أصبحوا أمة تحمل رسالة، ومجتمعًا منظمًا له حقوق وواجبات ومسؤولية مشتركة. ومن هنا نشأ الكيان السياسي الذي قاده النبي ﷺ، وقامت إدارته على العدل والأمانة والشورى وحفظ الحقوق ورعاية مصالح الناس.
وهكذا تكشف السيرة النبوية أن بناء الأمة والدولة يبدأ قبل كل شيء ببناء الإنسان؛ فالأنظمة والمؤسسات لا تكفي إذا لم يحملها إنسان صالح يشعر بأن السلطة أمانة، وأن القوة مسؤولية، وأن الغاية من الاجتماع البشري هي تحقيق الخير والعدل. لقد بدأ النبي محمد ﷺ بتغيير الإنسان من داخله، ثم بنى به الأسرة والمجتمع، ثم أقام به الأمة والدولة، فحوّل جماعات متفرقة تحكمها النزوات والعصبيات والمصالح إلى أمة تحمل رسالة وغاية. وهذه من أعظم معاني رسالة الإسلام : أنها لم تغيّر ما يؤمن به الإنسان فحسب، بل أعادت بناء شخصيته، وعلاقته بربه وبالناس، ودوره في المجتمع، حتى أصبح قادرًا على حمل مسؤولية الخير والإصلاح في الأرض.
32 مشاهدة
23 أغسطس, 2026
59 مشاهدة
23 أغسطس, 2026
130 مشاهدة
20 أغسطس, 2026