د. علي ضاهر
يُطلقون عليّ، دلعاً، اسم الحليفة والشريكة والصديقة. يقولون تحبّباً إنني الديمقراطية الوحيدة في الشرق، وإنني موئل الحرية في منطقة لا ينبت فيها العشب إلا ليلاً، خوفاً من أن يُعتقل. ويصفونني بالدولة السيدة الوحيدة في منطقة تُفرض عليها الأوامر فرضاً. لكنني، في الحقيقة، أبسط من كل هذه التعابير. أنا الحبيبة المغناج، المدللة والمتطلبة التي تعرف تماماً خبايا وخفايا العلاقات الغرامية! بهذه الجملة يمكن اختصار أبعاد علاقتي بالولايات المتحدة: علاقة تختلط فيها حسابات الأمن، والمصالح الاستراتيجية، ونفوذ جماعات الضغط، حتى أصبحت "الحبيبة المدللة" القادرة، في أحيان كثيرة، على وضع شروط اللعبة، لا مجرد تنفيذ ما يريده الحبيب الأمريكي!
عام 1948، يوم قرر هاري ترومان أن يوقّع شهادة ميلادي، فهمت ان قلوب رؤساء أمريكا رهيفة أمام صناديق الاقتراع، وجيوبهم أرقّ أمام جماعات الضغط. كان وزير خارجيته جورج مارشال يحذّره من أن الاعتراف بي قد يكون مغامرة مكلفة، لكن ترومان اختارني حبيبته الأبدية. ومنذ ذلك اليوم بدأت قصتي مع ساكن البيت الأبيض: أنا أطلب، أتدلل، أفتعل المشاكل، وهو يهرول لإرضائي، ثم يدفع الفاتورة بابتسامة!
ثم جاء جيرالد فورد، العاشق الفاشل الذي حاول أن يضع سقفاً لطلباتي! أراد المسكين أن يتصرف "كراجل قدّ هدومه ولا كل الرجالة"، كما يقول المصريون. حاول أن يخشّن صوته قائلاً: اسمعي يا ولية، لا يجوز الاستمرار في هذا الدلع. علينا أن نرتّب العلاقة ونضع لها حدوداً. توقفي عن التوسع، وردّي بعض الأراضي التي أخذتها من جارتك! لم أغضب. فقط ضحكت. تركت الأمر لعزوتي، أهل بيتي النيويوركي. في اليوم التالي وصلته رسالة زاجرة، موقّعة من أعضاء مجلس الشيوخ، تقول له: اهدأ يا جيرالد، واقعد عاقل، أمريكا تقف مع إسرائيل ونقطة على السطر! اشتعل فورد غيظاً، واحمرّ وجهه، لكنه اضطر في النهاية إلى التراجع. الرجل الذي أراد أن يضع حدوداً للحب اكتشف أن للحب في واشنطن مجلس شيوخ أيضاً! خسر فورد الانتخابات لاحقاً، فخرج من البيت الأبيض وهو يحمل درساً لا يُدرّس في الكليات: لا تحاول أن تربي الحبيبة المدللة في بيتها، خصوصاً إذا كانت تعرف أين تخبئ مفاتيح الانتخابات!
ثم جاء جيمي كارتر، الرومانسي الذي حاول أن يفتح نافذة في بيتنا المشترك لينظر منها إلى الجارة. يا للمصيبة! تخيّلوا أنه تجرأ ذات يوم على الحديث عن حق جارتي الفلسطينية في وطن! ذعرت! أي حب هذا الذي يقبل الشراكة؟ أنا أحب العلاقات الحصرية، أريدها خالصة لي وحدي، بلا مساومة ولا استثناء. أرسلت إليه الرسالة بالوسائل المناسبة، وفهم أن وراء الحبيبة المدللة عائلة كبيرة تعرف جيداً كيف تتحدث في موسم الانتخابات! وهكذا انتهت الرومانسية إلى كامب ديفيد: سلام مصري، إسرائيلي تاريخي، لكنه سلام منفرد أبعَدَ أكبر دولة عربية مُواجهة عن الصراع، بينما بقيت القضية الفلسطينية تنتظر دورها في غرفة الانتظار! فهمت حينها إن أفضل طريقة لإدارة الجيران هي تفتيتهم، واحد تلو الآخر.
ثم التقيت بجورج بوش الأب، كان هذا الرجل مختلفاً. حاول أن يستخدم لغة الضغط، ولوّح بوقف بعض ضمانات القروض، أو لنسمي الأشياء بأسمائها: حاول أن يقلّص مصروفي! هنا ارتفعت الأصوات في واشنطن وتكفّلت عزوتي بالمهمة. خرج الرجل في لحظة شهيرة يشكو من أنه يواجه قوة سياسية هائلة، وأنه يقف في معركة يبدو فيها كأنه رجل واحد أمام جيش من جماعات الضغط. فيا عزيزي جورج، ألم تفهم بعد؟ العلاقة معي ليست قصة حب كلاسيكية، إنها علاقة بيني وبين مؤسسة أمريكية كاملة: كونغرس، لوبي ومصالح انتخابية لا تعرف كيف تفصل بين الحب والمصلحة، رغم انهم يقولون إنه ليس في الحب مصالح. صحيح هذا القول، لكن حبنا نحن استثناء!
ثم جاء أوباما. أسمر، بليغ. اعتقد أن بإمكانه أن يتحدث معي بلهجة مختلفة. حاول الضغط لوقف قضم أراضي جارتي. تصوّروا! الرجل أراد أن يضع حدوداً لملكيتي! كم أحب أولئك الرجال الذين يبدأون العلاقة بشجاعة مفرطة، ثم يكتشفون بعد أول مشادة أن للحبيبة عائلة أكبر من قدرتهم على الاحتمال! لم يكن هناك حاجة إلى الصراخ. يكفي أن أعبس قليلاً! يكفي أن أرفع حاجبي، لتصل رسالة من العزوة إلى المكان المناسب! وسرعان ما أصبحت الضغوط على جارتي الفلسطينية تُمارس أكثر مما تُمارس عليّ. فتعلم أوباما درساً من دروس الحب الأمريكي ـ الإسرائيلي: حين تعجز عن إقناع الحبيبة، أقنع الجار بأنها السبب!
ثم جاء ترامب، رجل يعتقد أن البشرية كلها تقع في غرامه من نظرة وأن العالم مجرد مسرح كبير يحتاج إلى شخص مثله. يعشق استعراض القوة، ويحب الأضواء، ولا يتردد في الذهاب بعيداً في الصراع مع غريمتي، إيران، وإمكانية الانزلاق إلى حرب واسعة، كرمى لعيوني! أما أنا، فكنت أقف في الخلف وأبتسم لأنه مجرد عاشق آخر يبالغ في إثبات رجولته أمام حبيبته!
وأخيراً جاء جو بايدن، العاشق العجوز الذي تربّى سياسياً على قاعدة غرامية مقدسة، لا تسمح بمرور أي ضوء بين واشنطن وتل أبيب. اليس هو القائل: لو لم تكن حبيتي موجودة لوجدتها! وبالرغم من دعوة البعض، بعد السابع من أكتوبر، إلى ممارسة الضغط عليّ، وإلى إظهار العين الحمراء، وإلى كبح اندفاعي، اختار الصمت أولاً، ثم التبرير، ثم الدفاع، ثم إغداق الهدايا. وهل هناك هدايا أغلى على قلبي من القذائف، الذخائر، الصواريخ! كل ذلك كان يصلني تحت عنوان الدفاع عن النفس وعنى حبنا! وعندما تأخر مرة في إرسال بعض هذه الهدايا، ذكّرته أن الحبيبة المدللة لا تحب الانتظار. فما كان منه إلا أن عاد إلى عادته القديمة: يعتذر، ويبرر، ثم يفتح الخزائن. ففي قاموس علاقتنا، حتى تأخير الهدية يحتاج إلى اعتذار رسمي.
غير أنني، في الآونة الأخيرة، بدأت أشعر بأن شيئاً ما قد تغيّر. شيء يسري في أوصالي كالقشعريرة. المشكلة هذه المرة ليست في الرؤساء. المشكلة في الذين يملكون مفاتيح وصولهم إلى موئل حبي في البيت الأبيض، أعني الناخبين.وهذه هي المفارقة التي لم أكن أتوقعها: أفعالي هي التي بدأت تقلب المزاج الناخبين ضدي!
الحرب في غزة، والمشاهد القادمة منها، والدمار، والضحايا، والفظائع الممارسة على لبنان وإيران، كلها جعلت قطاعات متزايدة منهم تنظر إليّ بطريقة مختلفة. لم تعد صورتي القديمة، تلك الحبيبة الصغيرة المحاصرة وسط بحر من الأعداء، تكفي وحدها للإقناع. بدأ بعضهم يسألون السؤال الذي لم يكن مسموحاً بطرحه بسهولة: إلى متى؟ إلى متى تبقى العلاقة بلا شروط؟ وإلى متى يدفع الأمريكي ثمن علاقة حب يبدو أن له فيها رأياً؟ وهنا بدأت أشعر بشيء لم أعتده. الناس لم يعودوا يصفقون لي بالحرارة نفسها. حتى بعض الذين يحبونني بدأوا يتذمرون من تصرفاتي. وهذا أمر خطير جداً بالنسبة إلى امرأة مثلي. أنا لا أخشى غضب الرئيس. الرئيس يأتي ويذهب. أنا أخشى غضب الناخب. فالناخب لا يوقّع على اتفاقيات استراتيجية، ولا يحمل حقيبة نووية، ولا يملك مكتباً في البيت الأبيض. انه يملك شيئاً أخطر: ورقة الاقتراع.
ومع ذلك، لا يساورني القلق كثيراً.، فأنا أعرف من أين تؤكل الكتف، أعرف كيف أعيد صياغة الرواية، وأعرف كيف أجعل أمريكا تشعر بأنني الحبيبة التي لا يمكن التخلي عنها! فأمريكا وبالرغم من انها دولة، فيها مؤسسات، وصحافة، ونقاش عام لا ينتهي، لكن حين يتعلق الأمر بي، يحدث شيء عجيب. تذوب الكبرياء، وتتداخل المصالح مع المبادئ، ويتحوّل الرئيس ومؤسساته إلى طرف في علاقة غرامية غير متكافئة: أنا أطلب، وهو يبرر. أنا أغضب وهو يهدئني، أنا أشتكي، وهو يرسل الأسلحة، أنا أهدد بالرحيل، وهو يتوسل إلى أين تريدين أن نذهب معاً؟ أما الطرف الثالث في هذه العلاقة، فهو دائماً الجيران: غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وإيران واليمن! هؤلاء هم الذين يدفعون ثمن الحب من لحمهم الحي، كي يبقى الغرام بيني وبين واشنطن مشتعلاً!
أجمل ما في حكايتي ان محبوبي يعيش في مدينة واشنطن، التي تحمل اسم مؤسس الجمهورية وأول رؤسائها. فجورج واشنطن وجّه في عام 1796، تحذيره الشهير من التعلق العاطفي والشغوف بالدول الأجنبية، ومن أن تتحول العاطفة إلى سياسة، والسياسة إلى تبعية! فيا للسخرية! جورج واشنطن حذّرهم من التعلق بدولة أجنبية. لكن واشنطن، المدينة التي تحمل اسمه اليوم، لم تقرأ وصيته، بل فعلت العكس تماماً. فواشنطن اليوم مرتبطة بي حتى النخاع، مشغولة بالدفاع عني، وتقاتل سياسياً وإعلامياً واستراتيجياً للحفاظ على قصة حبها معي. وهكذا مات جورج واشنطن، لكن تحذيره بقي حياً. فقط لم يجد أحداً في واشنطن يقرأه. أما أنا، فما زلت هنا، في انتظار الحبيب الأمريكي المقبل. وسأتصرف معه مثلما تصرفت مع الذين سبقوه: ابتسامة ثم طلب، ثم غضب، ثم أرسل له الفاتورة! ألا يقال: الحب أعمى! لكن يبدو ان حب ساكن واشنطن لي قد أفقده ليس البصر فقط بل والبصيرة أيضا.
يُطلقون عليّ، دلعاً، اسم الحليفة والشريكة والصديقة. يقولون تحبّباً إنني الديمقراطية الوحيدة في الشرق، وإنني موئل الحرية في منطقة لا ينبت فيها العشب إلا ليلاً، خوفاً من أن يُعتقل. ويصفونني بالدولة السيدة الوحيدة في منطقة تُفرض عليها الأوامر فرضاً. لكنني، في الحقيقة، أبسط من كل هذه التعابير. أنا الحبيبة المغناج، المدللة والمتطلبة التي تعرف تماماً خبايا وخفايا العلاقات الغرامية! بهذه الجملة يمكن اختصار أبعاد علاقتي بالولايات المتحدة: علاقة تختلط فيها حسابات الأمن، والمصالح الاستراتيجية، ونفوذ جماعات الضغط، حتى أصبحت "الحبيبة المدللة" القادرة، في أحيان كثيرة، على وضع شروط اللعبة، لا مجرد تنفيذ ما يريده الحبيب الأمريكي!
عام 1948، يوم قرر هاري ترومان أن يوقّع شهادة ميلادي، فهمت ان قلوب رؤساء أمريكا رهيفة أمام صناديق الاقتراع، وجيوبهم أرقّ أمام جماعات الضغط. كان وزير خارجيته جورج مارشال يحذّره من أن الاعتراف بي قد يكون مغامرة مكلفة، لكن ترومان اختارني حبيبته الأبدية. ومنذ ذلك اليوم بدأت قصتي مع ساكن البيت الأبيض: أنا أطلب، أتدلل، أفتعل المشاكل، وهو يهرول لإرضائي، ثم يدفع الفاتورة بابتسامة!
ثم جاء جيرالد فورد، العاشق الفاشل الذي حاول أن يضع سقفاً لطلباتي! أراد المسكين أن يتصرف "كراجل قدّ هدومه ولا كل الرجالة"، كما يقول المصريون. حاول أن يخشّن صوته قائلاً: اسمعي يا ولية، لا يجوز الاستمرار في هذا الدلع. علينا أن نرتّب العلاقة ونضع لها حدوداً. توقفي عن التوسع، وردّي بعض الأراضي التي أخذتها من جارتك! لم أغضب. فقط ضحكت. تركت الأمر لعزوتي، أهل بيتي النيويوركي. في اليوم التالي وصلته رسالة زاجرة، موقّعة من أعضاء مجلس الشيوخ، تقول له: اهدأ يا جيرالد، واقعد عاقل، أمريكا تقف مع إسرائيل ونقطة على السطر! اشتعل فورد غيظاً، واحمرّ وجهه، لكنه اضطر في النهاية إلى التراجع. الرجل الذي أراد أن يضع حدوداً للحب اكتشف أن للحب في واشنطن مجلس شيوخ أيضاً! خسر فورد الانتخابات لاحقاً، فخرج من البيت الأبيض وهو يحمل درساً لا يُدرّس في الكليات: لا تحاول أن تربي الحبيبة المدللة في بيتها، خصوصاً إذا كانت تعرف أين تخبئ مفاتيح الانتخابات!
ثم جاء جيمي كارتر، الرومانسي الذي حاول أن يفتح نافذة في بيتنا المشترك لينظر منها إلى الجارة. يا للمصيبة! تخيّلوا أنه تجرأ ذات يوم على الحديث عن حق جارتي الفلسطينية في وطن! ذعرت! أي حب هذا الذي يقبل الشراكة؟ أنا أحب العلاقات الحصرية، أريدها خالصة لي وحدي، بلا مساومة ولا استثناء. أرسلت إليه الرسالة بالوسائل المناسبة، وفهم أن وراء الحبيبة المدللة عائلة كبيرة تعرف جيداً كيف تتحدث في موسم الانتخابات! وهكذا انتهت الرومانسية إلى كامب ديفيد: سلام مصري، إسرائيلي تاريخي، لكنه سلام منفرد أبعَدَ أكبر دولة عربية مُواجهة عن الصراع، بينما بقيت القضية الفلسطينية تنتظر دورها في غرفة الانتظار! فهمت حينها إن أفضل طريقة لإدارة الجيران هي تفتيتهم، واحد تلو الآخر.
ثم التقيت بجورج بوش الأب، كان هذا الرجل مختلفاً. حاول أن يستخدم لغة الضغط، ولوّح بوقف بعض ضمانات القروض، أو لنسمي الأشياء بأسمائها: حاول أن يقلّص مصروفي! هنا ارتفعت الأصوات في واشنطن وتكفّلت عزوتي بالمهمة. خرج الرجل في لحظة شهيرة يشكو من أنه يواجه قوة سياسية هائلة، وأنه يقف في معركة يبدو فيها كأنه رجل واحد أمام جيش من جماعات الضغط. فيا عزيزي جورج، ألم تفهم بعد؟ العلاقة معي ليست قصة حب كلاسيكية، إنها علاقة بيني وبين مؤسسة أمريكية كاملة: كونغرس، لوبي ومصالح انتخابية لا تعرف كيف تفصل بين الحب والمصلحة، رغم انهم يقولون إنه ليس في الحب مصالح. صحيح هذا القول، لكن حبنا نحن استثناء!
ثم جاء أوباما. أسمر، بليغ. اعتقد أن بإمكانه أن يتحدث معي بلهجة مختلفة. حاول الضغط لوقف قضم أراضي جارتي. تصوّروا! الرجل أراد أن يضع حدوداً لملكيتي! كم أحب أولئك الرجال الذين يبدأون العلاقة بشجاعة مفرطة، ثم يكتشفون بعد أول مشادة أن للحبيبة عائلة أكبر من قدرتهم على الاحتمال! لم يكن هناك حاجة إلى الصراخ. يكفي أن أعبس قليلاً! يكفي أن أرفع حاجبي، لتصل رسالة من العزوة إلى المكان المناسب! وسرعان ما أصبحت الضغوط على جارتي الفلسطينية تُمارس أكثر مما تُمارس عليّ. فتعلم أوباما درساً من دروس الحب الأمريكي ـ الإسرائيلي: حين تعجز عن إقناع الحبيبة، أقنع الجار بأنها السبب!
ثم جاء ترامب، رجل يعتقد أن البشرية كلها تقع في غرامه من نظرة وأن العالم مجرد مسرح كبير يحتاج إلى شخص مثله. يعشق استعراض القوة، ويحب الأضواء، ولا يتردد في الذهاب بعيداً في الصراع مع غريمتي، إيران، وإمكانية الانزلاق إلى حرب واسعة، كرمى لعيوني! أما أنا، فكنت أقف في الخلف وأبتسم لأنه مجرد عاشق آخر يبالغ في إثبات رجولته أمام حبيبته!
وأخيراً جاء جو بايدن، العاشق العجوز الذي تربّى سياسياً على قاعدة غرامية مقدسة، لا تسمح بمرور أي ضوء بين واشنطن وتل أبيب. اليس هو القائل: لو لم تكن حبيتي موجودة لوجدتها! وبالرغم من دعوة البعض، بعد السابع من أكتوبر، إلى ممارسة الضغط عليّ، وإلى إظهار العين الحمراء، وإلى كبح اندفاعي، اختار الصمت أولاً، ثم التبرير، ثم الدفاع، ثم إغداق الهدايا. وهل هناك هدايا أغلى على قلبي من القذائف، الذخائر، الصواريخ! كل ذلك كان يصلني تحت عنوان الدفاع عن النفس وعنى حبنا! وعندما تأخر مرة في إرسال بعض هذه الهدايا، ذكّرته أن الحبيبة المدللة لا تحب الانتظار. فما كان منه إلا أن عاد إلى عادته القديمة: يعتذر، ويبرر، ثم يفتح الخزائن. ففي قاموس علاقتنا، حتى تأخير الهدية يحتاج إلى اعتذار رسمي.
غير أنني، في الآونة الأخيرة، بدأت أشعر بأن شيئاً ما قد تغيّر. شيء يسري في أوصالي كالقشعريرة. المشكلة هذه المرة ليست في الرؤساء. المشكلة في الذين يملكون مفاتيح وصولهم إلى موئل حبي في البيت الأبيض، أعني الناخبين.وهذه هي المفارقة التي لم أكن أتوقعها: أفعالي هي التي بدأت تقلب المزاج الناخبين ضدي!
الحرب في غزة، والمشاهد القادمة منها، والدمار، والضحايا، والفظائع الممارسة على لبنان وإيران، كلها جعلت قطاعات متزايدة منهم تنظر إليّ بطريقة مختلفة. لم تعد صورتي القديمة، تلك الحبيبة الصغيرة المحاصرة وسط بحر من الأعداء، تكفي وحدها للإقناع. بدأ بعضهم يسألون السؤال الذي لم يكن مسموحاً بطرحه بسهولة: إلى متى؟ إلى متى تبقى العلاقة بلا شروط؟ وإلى متى يدفع الأمريكي ثمن علاقة حب يبدو أن له فيها رأياً؟ وهنا بدأت أشعر بشيء لم أعتده. الناس لم يعودوا يصفقون لي بالحرارة نفسها. حتى بعض الذين يحبونني بدأوا يتذمرون من تصرفاتي. وهذا أمر خطير جداً بالنسبة إلى امرأة مثلي. أنا لا أخشى غضب الرئيس. الرئيس يأتي ويذهب. أنا أخشى غضب الناخب. فالناخب لا يوقّع على اتفاقيات استراتيجية، ولا يحمل حقيبة نووية، ولا يملك مكتباً في البيت الأبيض. انه يملك شيئاً أخطر: ورقة الاقتراع.
ومع ذلك، لا يساورني القلق كثيراً.، فأنا أعرف من أين تؤكل الكتف، أعرف كيف أعيد صياغة الرواية، وأعرف كيف أجعل أمريكا تشعر بأنني الحبيبة التي لا يمكن التخلي عنها! فأمريكا وبالرغم من انها دولة، فيها مؤسسات، وصحافة، ونقاش عام لا ينتهي، لكن حين يتعلق الأمر بي، يحدث شيء عجيب. تذوب الكبرياء، وتتداخل المصالح مع المبادئ، ويتحوّل الرئيس ومؤسساته إلى طرف في علاقة غرامية غير متكافئة: أنا أطلب، وهو يبرر. أنا أغضب وهو يهدئني، أنا أشتكي، وهو يرسل الأسلحة، أنا أهدد بالرحيل، وهو يتوسل إلى أين تريدين أن نذهب معاً؟ أما الطرف الثالث في هذه العلاقة، فهو دائماً الجيران: غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وإيران واليمن! هؤلاء هم الذين يدفعون ثمن الحب من لحمهم الحي، كي يبقى الغرام بيني وبين واشنطن مشتعلاً!
أجمل ما في حكايتي ان محبوبي يعيش في مدينة واشنطن، التي تحمل اسم مؤسس الجمهورية وأول رؤسائها. فجورج واشنطن وجّه في عام 1796، تحذيره الشهير من التعلق العاطفي والشغوف بالدول الأجنبية، ومن أن تتحول العاطفة إلى سياسة، والسياسة إلى تبعية! فيا للسخرية! جورج واشنطن حذّرهم من التعلق بدولة أجنبية. لكن واشنطن، المدينة التي تحمل اسمه اليوم، لم تقرأ وصيته، بل فعلت العكس تماماً. فواشنطن اليوم مرتبطة بي حتى النخاع، مشغولة بالدفاع عني، وتقاتل سياسياً وإعلامياً واستراتيجياً للحفاظ على قصة حبها معي. وهكذا مات جورج واشنطن، لكن تحذيره بقي حياً. فقط لم يجد أحداً في واشنطن يقرأه. أما أنا، فما زلت هنا، في انتظار الحبيب الأمريكي المقبل. وسأتصرف معه مثلما تصرفت مع الذين سبقوه: ابتسامة ثم طلب، ثم غضب، ثم أرسل له الفاتورة! ألا يقال: الحب أعمى! لكن يبدو ان حب ساكن واشنطن لي قد أفقده ليس البصر فقط بل والبصيرة أيضا.
5 مشاهدة
20 أغسطس, 2026
46 مشاهدة
20 أغسطس, 2026
12 مشاهدة
20 أغسطس, 2026