دارين حوماني ـ مونتريال
عرفتُ زينب باكرًا، منذ مقاعد الدراسة. كانت بالنسبة لي ابنة المشرف في المدرسة مهدي ناصر الدين الذي يحبه كل الطلاب، إذ كان يصلهم دفق ثقافته وحنان عينيه؛ وابنة معلمة اللغة الفرنسية نورا شمس الدين التي يبتسم وجهها لنا دائمًا، وكنا نخالها فرنسية الأصل بلغتها الفرنسية المتمكنة الأنيقة وعينيها الخضراوين وبشرتها الشقراء؛ وكانت بالنسبة لي أخت محمد الذي أصبح فيما بعد شاعرًا ومترجمًا وصديقًا في بيروت الثقافة والصحافة والشعر. وفيما بعد عرفت أن أخاها الآخر حسين قد أصبح فنانًا تشكيليًا وشاعرًا أيضًا. طلابًا كنا جميعنا في المدرسة نفسها، نحلم بالشعر وبالحياة، قبل أن تفرّقنا الحياة. وها هي تفرّقنا اليوم على عجل بصاروخ إسرائيلي واحد اخترق منزل النزوح التي لجأت إليه زينب مع أسرتها. قتلتها إسرائيل وهي نائمة مع أبنائها الأربعة، ومع زوجها، دفعة واحدة، يوم السبت الفائت بتاريخ 15-8-2026.
حين كتبتُ ذات يوم عن الشاعر محمد ناصر الدين أنه "وُلد من مكتبتين"، مكتبة والده الأستاذ والباحث مهدي ناصر الدين ومكتبة قريبه الشاعر محمد علي شمس الدين (زوج خالته)، كان ذلك ينطبق أيضًا على أخته زينب. إننا أمام عائلة استثنائية، أنصتت بشكل جماعي إلى الشعر منذ الطفولة. عائلة كانت الكتب فيها ركنًا أساسيًا في بناء الذات والوجدان والذائقة. فها هو محمد يخبرني في حواري معه: "كان أبي ملهمًا بإصراره على أن تكون المكتبة الكبيرة في بيتنا جزءًا من تكويننا الثقافي والحسيّ".
كتبت زينب (1979) في "نهار الشباب"، الملحق الذي كان يصقل الشعر فينا، في طبقاتنا الجوانية، طبقة فوق طبقة، كحجر فوق حجر، يعمّرنا على مهل وبحنان مفرط. وكان شعرها محط إعجاب لدى أسرة الصحيفة، إذ وصفها جبران تويني بأنها من الشاعرات الواعدات في الشرق.
لكن الشاعرة لم تستعجل النشر.
تخصصت زينب في الترجمة ودرّست اللغة الفرنسية في مدرسة طفولتها، وبقي الشعر حبيس جواريرها، كانت زينب أمًا لأربعة أبناء. وكانت تنتظر، كما يبدو، ذلك الوقت الذي يسمح لها بأن تعود إلى قصائدها وتنشرها. ظلت تؤجل النشر، ربما لأن الحياة كانت دائمًا أكثر إلحاحًا من القصيدة، وربما لأن الشعر، في عائلة تعرفه جيدًا، لم يكن يحتاج إلى إثبات.
لكن الموت لم يمهلها.
ولعل أكثر ما يوجع في قصيدة الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين "كي تنام زينب" أن الزمن أعاد قراءتها بعد اثنين وأربعين عامًا. كتبها الشاعر عام 1984 عن طفلة اسمها زينب قتلتها إسرائيل، من دون أن يعلم أنه يكتب القصيدة نفسها، بعد عقود، في عام 2026 عن زينب ناصر الدين التي ربّاها على الشعر: "لو أنَّ الفجرَ تأخّرَ ثانيةً عن موعدِهِ لنجونا/ لكنّ الموت.../ زينب جرس المدرسة ـ الخوف الأزهار- الخوف، الكتب ـ الخوف، القلمُ المكسور، الممحاة... لماذا؟".
أكثرت زينب من تأجيل نشر قصائدها حتى نفد الوقت، لكنها بموازاة ذلك اتخذت قرارًا بالسير في حقل الترجمة، فانطلقت مع دار الرافدين بترجمة رواية "أحدب نوتردام" لفيكتور هوغو، ورواية "الفرسان الثلاثة" لألكسندر دوما. وكانت لديها مشاريع وأحلام كثيرة. كأنها كانت تؤجل حياتها دائمًا إلى الغد: قصائدها إلى وقت لاحق، ومشاريعها إلى كتاب مقبل، وأحلامها إلى حياة أكثر اتساعًا.
| ها هو محمد يخبرني في حواري معه: "كان أبي ملهمًا بإصراره على أن تكون المكتبة الكبيرة في بيتنا جزءًا من تكويننا الثقافي والحسيّ (الصور: محمد وزينب في طفولتهما والوالد) |
كتبت زينب خلال نزوحها نصًا بعنوان "عن الحب… في الحرب"، وهو، في ظاهره، نص عن الاقتلاع من البيت، لكنه في عمقه نص عن محاولة الإنسان أن يحمل بيته معه حين يُجبر على تركه. عن المكان حين يتحوّل من جغرافيا إلى ذاكرة وإلى حياة كاملة. نص تصرّ فيه زينب على الياسمين كمحاولة لاستعادة شيء في البيت البديل من حياتها السابقة قبل الحرب. تظهر زينب كإنسانة عالقة بين مكانين، وكأن المكان نفسه، برائحته وشرفاته وأزهاره، خزان لذاكرتها وهويتها.
قبل استشهادها بيوم نشر أخوها محمد على صفحته في فيسبوك: "ياسمينة تشق طريقها بين الركام"، بدون أن يعلم أن هذه الياسمينة نفسها ستكون أخته التي شقت طريقها إلى الضوء بعد رحيلها، إذ كان قد غاب عنا أنها شاعرة ومترجمة.
تكتب زينب في نصّها هذا "عن الحب... في الحرب":
"أجلس هنا، على هذه الشرفة الغريبة عني. أحاول أن أعتادها بنباتاتها الغريبة التي لا تحمل الورود، وأن آلف الحي الرتيب…وسكانه الغرباء عن كلّ ما اعتدنا.
أتأمل بقايا ضاحيتنا في صور ومقاطع مصورة أُرسلت على الهواتف…. الشوارع التي كانت تعج بالحياة، أصبحت الآن أشبه بمدن أشباح. جدران بيوتنا، التي شهدت أفراحنا وأتراحنا، صارت صورًا للدمار والخراب.
أتذكر في هذه اللحظات، ويتردّد في رأسي كصدًى، صوت فيروز يصحّي فيَّ حنينًا دفينًا: "بشتقلك ما بقدر شوفك ولا بقدر أحكيك، بندهلك خلف الطرقات وخلف الشبابيك"... "وبفتكر لاقَيْتَك"…، لكنّك لا تعرف هذه الطرقات هنا، ولا الشبابيك في أبنية الشارع أطلّ منها فأراك… علّها الطرقات الوحيدة التي ليس لنا فيها ذكريات.
أغمض عينيّ عن هذه ‘التغريبة‘ قليلًا.
أخالني خلف نافذتي، في بيتنا هناك، أتأمل وَلَدَيّ من خلف أصيص ‘الخبيزة‘ الذي كان بوروده، جنتي الصغيرة في الديار، يسيران إلى مدرستهما القريبة ورائحة القهوة من ‘الاكسبرس‘ القريب تملأ المكان، أشتاق لفنجان الاسبريسو ‘كبسة وحدة‘ الذي صار يؤرقني غيابُه ليلًا أكثر مما كانت تؤرقني كمية الكافيين المركزة فيه.
أنتظر قرب النباتات التي لا تحمل الورود، أَعُدُّ فناجين القهوة، أخفي وهن أصابعي، وأجمعها، فناجين للزمن.
أتأمل الشرفات، أبحث عن ‘ياسمينة‘ وحيدة، أشم منها نسمة من عبق ياسمين كثير في حيّنا، أنتبه الآن أني كنت أتقصد أن أختار أطول طريق، وأجمع بين أصابعي ما استطعت منها أخبئها لأيام كهذه، ليس فيها شيء من الياسمين.
سأحضر واحدةً، للشرفة في المنزل البديل؛ بيتٌ جميل، اختار حسين تفاصيله ليكون فيه الكثير من الدفء في بيت طفولتنا ومن أشيائنا القديمة. لكنه نسي الياسمين. سأزرع واحدة تنبت ورودًا في كل هذه النباتات التي لا تحمل الورود علّني بين أطباقها أستعيد شيئًا من فتات قلبي المتصدّع تمامًا كجدران بيتي الذي أرسلوا لي صوره وما استطعت أن أزوره وأراه. أمرر يديّ على تلك الجدران، افتراضيًا، وأمسح بمخيلتي الغبار عن الصور، وعن مكتبتي الصغيرة، وعن أوراق ‘خبيزتي‘ ولا أحبس، كعادتي، دمعي هذه المرة، أغمض عيني، وأتركه يحفر طريقه على خدي وأتذوق ملوحته الحارقة كالعقاب.
تصيبني رائحة البارود القادم من الضاحية بنوبات بكاء، لكني صرت أحب هذه الرائحة، تحمل لي معها رائحة الدفء والبيت وكلّ ما أحبّ هناك.
أتأمل الشرفات، في الحيّ المؤقت، لعلّي أجمع ذاكرة جديدة.
تغريني الطريق ذات الاتجاه الواحد بالمضي عكس السير وبالعودة من حيث أتيت، فأنا عالقة هناك، بين الماضي والحاضر، والذكريات المتناثرة بين رماد الأبنية في تلك الطرقات".
وقد كتب أخوها محمد في رثائها: "كانت زينب مترجمة وشاعرة، كنا نكتب في ‘نهار الشباب‘ في تسعينيات القرن الماضي، ويضع الراحل جبران تويني قصائدها على أولى صفحات الملحق، ويضع قصائدي في الصفحة الثالثة ويقول لي: ‘زينب شاعرة يا محمد، مش كتار يلي بيكتبوا هيك‘. كسرت قلبي يا أختي كما انكسرت وردة الغاردينيا عند مدخل الدار".
ثم كتب لها شعرًا:
"لست حزينًا
فكلما انحنوا إلى الأرض
ردّهم عبّاد الشمس إلى الشمس
في اكتمال الدائرة
وأوقدتهم القناديل
إذ أطفأتهم الطائرة
ثم ردوا عباد الشمس
إلى الشمس
وعادوا
نبعًا في ربيع".
وكما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي برثائها، كتب الشاعر عباس بيضون على صفحته موجهًا حديثه إلى أخيها محمد:
"هل أنت وحدك الخال، كيف نكون من هذا البلد، من هذا الشعب إذا تركناك وحدك في هذا الرعب الذي لا يصدق. سنكون آباء وأخوالًا وأمهات. سنكون جميعا ثكالى وفاقدين، بل سنكون أيتامًا لهذه المحنة التي لا تصدق".
وكتب في اليوم التالي: "هذا يوم ثان بعد (.....) لا أعرف اسمًا لها، لنسمها قدرًا، هذا أيضًا ليس اسمًا. لنقل أن ليس من كلمة، ما حدث لا يمكن قوله، ما حدث ليس له وقت، وليس له عنوان. إنه أكبر من أن يكون حقيقيًا، من أن يكون موجودًا. لا نصدقه، لا بد من أنه فوق الوجود، لا نصدقه، لا بد من أننا نحن الراحلون لا بد من أنه موتنا نحن، لا بد أنها ليست حياة تلك التي حوته، ليست حياة وليست أي شيء سوى غيابنا. عزيزي إنه يوم ثانٍ لما بعد الحياة".
كما كتب الشاعر السوري الطيب الحصني قصيدة أهداها إلى زينب وأبنائها:
جننت، ولم يكن عهدي،
لجمعِ الضدِّ والضدِّ
وهتك الحدِّ بالحدِّ
وخلطِ الحرِّ بالوغدِ
وخزي القبل والبعد
فأيُّ الشعر يكفينا؟
دماءُ بنيهمُ كثُرت فكيفَ تميزُ من دمّي؟
ثكالى القوم آلافٌ ولست أرى سوى أمي
تبسُّمهنَّ معجزةٌ:
هزمنَ الهمَّ بالهمِّ
وعائلة كغصن الياسمين تنيرُ في العتْمِ
فمنه زهرةٌ كمُلت بطِيبِ الشِّعرِ والرّسْمِ
ومنه أربع قطفت براعمَ لم تزل تُنمي
إلى لعبٍ ومدرسة وجامعة... إلى الحلمِ
وددت لو أنني بدلٌ
لكل شهيد مدرسةٍ
لأصبحَ بسمةً في وجه أم لا تُفارقها
دموعُ الفقد والغمِّ
ولكنّي بلا سيف
بلا رمحٍ بلا سهمِ
بلا ورقٍ
بلا رقمٍ
بلا وطنٍ
بلا اسمِ...
* نشرت في موقع العربي
8 مشاهدة
20 أغسطس, 2026
64 مشاهدة
17 أغسطس, 2026
179 مشاهدة
16 أغسطس, 2026