Sadaonline

قرار بلدية مونتريال للتضامن مع فلسطين: هل هو إنجاز حقيقي؟

كان هناك تخوف كبير من أن تؤدي الصيغة الأصلية إلى انقسام حاد في الشارع أو إلى توترات ومشاكل على الأرض

مونتريال-دارين حوماني

 

في جلسة مجلس بلدية مونتريال يوم الاثنين 24-8-2026، أُقرّ بأغلبية كبيرة، بلغت 54 صوتًا مقابل 6، قرار تضامن مع الشعب الفلسطيني، بعد إدخال تعديلات على النص الأصلي الذي تقدّم به حزب المعارضة الرسمي Project Montréal. وبينما حُذفت العبارات الأكثر تحريضًا وإثارةً للانقسام، بقيت عبارات أخرى تتعلق بالتضامن مع الشعب الفلسطيني ودعم التحقيقات في مزاعم الإبادة الجماعية، ومذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، والعقوبات الكندية. ورغم التعديلات فقد أصدرت سفارة إسرائيل تعليقًا على صفحتها تدين فيه القرار معتبرة أنه "يمثل محاولة أخرى لتفكيك دولة إسرائيل وعزلها"، وأن "استهداف الدولة اليهودية، وما يتبعه من تمييز وتشويه لسمعة الجالية اليهودية الكندية، التي تتمسك بقيم صهيونية راسخة وتربطها علاقة وثيقة بإسرائيل، يُعدّ، بحكم تعريفه، عملًا معاديًا للسامية".

وفي ظلّ تصاعد الخطابات الحادة والاتهامات بالتواطؤ، اتخذت عمدة مونتريال، ثريا مارتينيز-فيرادا، موقفًا رصينًا، معربةً عن تعاطفها مع أهالي غزة وجميع الضحايا المدنيين وضحايا الحرب، ومؤكدةً في الوقت نفسه أن دورها لا يتعلّق بالسياسة الخارجية.

في حديث لموقع صدى أونلاين مع مصدر مسؤول حول القرار، أجاب المصدر:

عندما طُرح مشروع القرار لأول مرة في شهر حزيران. في ذلك الوقت، كان موقف عدد كبير من الأعضاء داخل مختلف الأحزاب يتجه بوضوح نحو التصويت ضد القرار المطروح. كان الاتجاه العام يميل إلى رفضه، ودار نقاش واسع داخل مختلف الأحزاب. ومع ذلك، كان هناك أعضاء قد حسموا موقفهم مسبقًا وأعلنوا تأييدهم لمشروع القرار بصيغته الأصلية.

وعن كيفية التوصل لتعديل القرار، رأى المصدر أن التطورات خلال الشهرين التاليين لطرح مشروع القرار أدّت إلى دخول منظمات من جهات مختلفة على خط النقاش. وأضاف أن هذه الضغوط دفعت إلى بدء مفاوضات جدية بهدف التوصل إلى صيغة تحظى بأوسع تأييد ممكن. ومع بدء المفاوضات، طالبت الأطراف بتعديل النص وحذف بعض البنود، ولا سيما تلك التي أثارت اعتراضات. وشهدت المفاوضات طرح صيغ متعددة للنص.

ورغم التعديلات، فإن النص النهائي أبقى على جوهر موقفه تجاه القضية الفلسطينية وإسرائيل، بما في ذلك التضامن مع الفلسطينيين وانتقاد إسرائيل والإشارة إلى مسألة الإبادة الجماعية، ولكن بصياغة أكثر حذرًا وغير مباشرة.

كما بقيت في النص إشارات إلى الانتهاكات التي تنسب إلى إسرائيل، وإلى بنيامين نتنياهو، بما في ذلك الإشارة إلى اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، لكن بصياغة أكثر حذرًا.

أما أبرز ما أُسقط من النص الأصلي، فكان الدعوة إلى قطع العلاقات مع إسرائيل. في الصيغة النهائية، استُبدلت هذه النقطة بدعوة الحكومة الكندية إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة، بما يتوافق مع ما تقرره المنظمات والمحاكم الدولية، بما في ذلك فرض عقوبات أكثر صرامة على مرتكبي جرائم الحرب وغيرها من الانتهاكات. وكان الهدف الوصول إلى صيغة ترضي أكبر عدد ممكن من الجهات. 

وهذا ما جعل مشروع القرار المعدّل يحصل في النهاية على عدد كبير من الأصوات. مشروع القرار بصيغته الأولى، كان هناك احتمال حقيقي ألّا يمر، لكن بعد التعديلات أصبح هناك عدد كبير من الأطراف قادرًا على التصويت معها.

ورغم أن التعديلات كانت كثيرة، فإن النص النهائي أبقى على عناصر أساسية: التضامن مع فلسطين، والإشارة إلى ما يحدث فيها، وانتقاد إسرائيل، والإشارة إلى نتنياهو والمنظمات والمحاكم الدولية. وهذا في حد ذاته يوجّه رسالة سياسية مهمة.

ورغم تعديل النص، فإن بعض أعضاء البلدية لم يصوّتوا مع القرار، وذلك لاعتبارات خاصة بهم. ولم يكن موقف بعضهم بالضرورة نابعًا من رفض مضمون القرار، وإنما من حسابات سياسية وانتخابية وشخصية، أو من قناعة بأن أصواتهم لن تغيّر نتيجة التصويت. علمًا أن التصويت النهائي كان حرًا، وكان بإمكان كل شخص أن يسجل موقفه وفقًا لقناعته وضميره.

وعن موقف Project Montréal بعد التصويت، قال المصدر إن هذا الحزب وافق على النص المعدّل. لكنهم، رغم التعديلات، وصفوا القرار بأنه "تاريخي"، وقالوا إنها المرة الأولى التي تصل فيها القضية الفلسطينية إلى داخل مجلس بلدية مونتريال، وإن هذا الموقف سيستمرون فيه.

ثريا ماريتينيز خلال جلسة التصويت على مشروع القرار في 24-8-2026

حول الناحية السياسية، يرى المصدر أنه يُطرح سؤال عن توقيت إعلان Project Montréal  عن مشروع القرار معتبرًا أنه كان لعبة سياسية. على الرغم من أن هناك أشخاصًا داخل هذا الحزب يؤمنون فعلًا بهذا الموقف ويتعاملون معه بضمير، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل البعد السياسي وتوقيت طرح القرار. فقد ظلّ Project Montréal في الحكم لسنوات، وخلال تلك الفترة كانت الحرب في غزة مستمرة، وكان بإمكانهم طرح مثل هذا القرار وتمريره، لكنهم لم يفعلوا ذلك. لذلك يطرح السؤال نفسه: لماذا طُرح مشروع القرار الآن، وبعد دخول ثريا مارتينيز إلى المجلس بفترة قصيرة؟ هل لإحداث خلاف أو انقسام داخل حزب Ensemble Montréal.

وعن تخوّفه من حدوث انقسام في الشارع، يقول المصدر لموقعنا: لقد انتشر فيديو لشخص أدلى بتصريحات اعتُبرت تهديدية ومسيئة تجاه العرب، وتمت إحالته إلى الشرطة للتحقيق. وبالفعل، أصدرت الشرطة لاحقًا بيانًا قالت فيه إنها تحقق في الواقعة.

وهذا يعكس حجم الانقسام ووجود حالة من الإنكار لدى بعض الأشخاص تجاه ما يحدث في غزة، إلى درجة أن بعضهم ينكر أصلًا وصف ما يحدث بأنه إبادة، أو يعيد تفسير الوقائع بطريقة مختلفة تمامًا.

حتى أن السفارة الإسرائيلية في كندا أعلنت أمس أن هذا القرار يعني أن مونتريال تقوم بعزل إسرائيل. وفي الوقت نفسه، هناك حديث عن معاداة السامية، في الوقت الذي ينص القرار نفسه بوضوح ضد معاداة السامية وضد الإسلاموفوبيا وضد التمييز.

وفعلًا كان هناك تخوف كبير من أن تؤدي الصيغة الأصلية إلى انقسام حاد في الشارع أو إلى توترات ومشاكل على الأرض. لذلك لم يكن من السهل تمرير القرار كما كان بصيغته الأصلية.

لكن رغم ذلك، لم يختفِ الانقسام. فهناك من رحّب بالقرار، وهناك من انتقده من الجهتين. بعض الجهات اعتبرت حذف بند قطع العلاقات مكسبًا، بينما رأت جهات أخرى أن مجرد تمرير قرار يتضمن موقفًا واضحًا من القضية الفلسطينية يمثل مكسبًا مهمًا.

وإذا ما كان القرار انتصارًا أم هزيمة لمؤيدي القضية الفلسطينية؟

يرى المصدر أن الأمر يعتمد على الزاوية التي ننظر منها. هناك من ركّز على حذف بعض البنود، وخصوصًا قطع العلاقات، قد يعتبره تراجعًا أو خسارة. وفي المقابل، من ينظر إلى ما بقي في النص وإلى كونه أول قرار من هذا النوع يصل إلى مستوى مجلس المدينة، يمكن أن يعتبره مكسبًا، حتى لو كان مكسبًا جزئيًا.

مثلًا، المجلس الوطني للمسلمين الكنديين National Canadian Muslim Council  كان لديهم موقف مهم من القرار. اعتبروه انتصارًا، لأنهم يعملون وفق استراتيجية سياسية. فرغم وجود انتقادات لديهم على التعديلات، إلا أنهم قالوا إن التعديلات، رغم ما أزيل منها، لا تغيّر النتيجة النهائية المهمة: أن مجلسًا بلديًا صوّت على قرار يتضمن التضامن مع فلسطين

في النهاية، كل طرف ركّز على الجزء الذي يخدم قراءته للقرار، ولهذا هناك من الجهتين من يعتبره انتصارًا ومن يعتبره هزيمة. لكن إذا قرأنا النص كاملًا، سنجد أنه، رغم التعديلات، حقق مكسبًا سياسيًا ورمزيًا مهمًا لمؤيدي القضية الفلسطينية.

المشكلة أن الناس ركزوا بشكل أساسي على حذف بند قطع العلاقات، ولذلك شعروا أن النص فقد مضمونه. لكن إذا نظرنا إلى الهدف الأساسي من القرار، وهو التضامن مع الشعب الفلسطيني والتعبير عن الموقف تجاه ما يحدث في غزة، فإن هذا المضمون بقي موجودًا في النسخة النهائية.

مثلًا، قبل بضعة أشهر، عندما حصل التضامن مع لبنان، صدر قرار يُظهر ما يحدث من ضحايا ودمار في لبنان

الآن جاء نص للتضامن مع فلسطين، ويتحدث عن أن إسرائيل ترتكب جرائم، وأن نتنياهو مطلوب. هذه النقطة يجب ألّا ينساها داعمو القضية الفلسطينية.

أي إن الشخص الذي يقرأ النص بوعي يفهم أن هذا النص يتضمن تضامنًا. وليس أنهم، مثلًا، قدموا نصًا للتضامن مع إسرائيل؛ فهذا أمر قد لا يجرؤون على فعله.

ويدافع المصدر بالقول أن النص ما زال يتحدث عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، ويشير إلى الجرائم التي ترتكبها إسرائيل وإلى نتنياهو، وبالتالي فإن من يقرأه بوعي يدرك أنه يتضمن موقفًا واضحًا، حتى لو لم يتضمن كل الإجراءات التي كنا نطالب بها في البداية.

الناس لا يدركون حجم الخطوة التي حدثت. من كان يتوقع، في ظل كل هذا الجدل والضغوط، أن يصل إلى مجلس مدينة مثل مونتريال نص يتضمن رسميًا موقفًا من القضية الفلسطينية وتضامنًا مع الشعب الفلسطيني؟ 

لكن الناس لا يجب أن تنتظر أن تنقلب الموازين 180 درجة فجأة. هناك تيار موجود في هذا البلد منذ نحو مئة عام، وكان يعمل بقوة أيضًا ضد الفلسطينيين. نعم، لكن بصراحة، ما حدث يُعد إنجازًا حقيقيًا لهم.

الأمر ليس، مثلًا، كما حدث في أميركا بين يوم وليلة. باراك أوباما أصبح رئيسًا أسود للولايات المتحدة، أو بدأت الجاليات المختلفة تُؤخذ مصالحها في الاعتبار، بين يوم وآخر. هذه التحولات تحتاج إلى وقت، وتحدث تدريجيًا.

السياسة لا تتغير بين ليلة وضحاها. هناك قضايا وتوجهات متجذرة منذ عقود، وتغيير موازين القوى يحتاج إلى وقت وعمل مستمر وتضامن واستراتيجية.

إن ردود الفعل نفسها تؤكد أن شيئًا مهمًا حدث. عندما تصدر السفارة الإسرائيلية بيانًا تنتقد فيه القرار، وفي المقابل ترى جهات أخرى تعتبره انتصارًا لأن بند قطع العلاقات أُزيل، فهذا يعني أن القرار كان له أثر حقيقي وأثار نقاشًا واسعًا.

في النهاية، نعم، كان يمكن أن يتضمن النص إجراءات عملية أكثر، لكن ما بقي فيه مهم: هناك موقف رسمي بالتضامن مع الشعب الفلسطيني. والأهم بالنسبة لمؤيدي فلسطين أن الأغلبية صوّتت لصالح هذا الموقف، رغم كل الضغوط التي كانت تدعو إلى إسقاط القرار بالكامل.

القرار يطلب من الدولة الكندية اتخاذ إجراءات معينة، ويعبّر رسميًا عن موقف بشأن ما تفعله إسرائيل بالشعب الفلسطيني، ويتضمن تضامنًا مع الشعب الفلسطيني. أي إن هناك موقفًا واضحًا في النهاية. ولذلك يجب أيضًا، تدريجيًا، أن يبدأ الناس في تقدير الاتجاه الذي تسير فيه السياسة.

وشدّد المصدر: "لا أقول إنه تم تحقيق الهدف الأساسي، لكن هناك مكسب حقيقي، والأهم أن هذه الخطوة يمكن أن تكون بداية لخطوات أخرى".

وعن  الرسالة التي يود توجيهها إلى أفراد الجالية الذين يعتبرون أن ما حدث لا يمكن تسميته انتصارًا.

أقول لهم إن عليهم أن ينظروا إلى ما حدث باعتباره مكسبًا، حتى لو لم يحققوا كل ما كنا يريدونه. الهزيمة الحقيقية هي الدخول في معركة وعدم تحقيق شيء.

لأول مرة يصل قرار هذا الوضوح إلى مجلس بلدي كبير، ويتضمن التضامن مع الشعب الفلسطيني، ويصوّت عليه عدد كبير من الأعضاء، بمن فيهم أشخاص من خارج الجالية العربية وكيبيكيون، ويحصل على أغلبية قوية، مع الإشارة فيه إلى نتنياهو وإسرائيل وما يحدث في غزة. هذا نتيجة إيجابية ومكسب مهم للجالية العربية، حتى لو كانت الصيغة النهائية أقل مما كانوا يطمحون إليه.

وإذا نظروا إلى الأنبياء أو الأئمة، كم صبروا وتعرضوا للأذى حتى استطاعوا إيصال رسالتهم. أحيانًا يحتاج الإنسان إلى المزيد من الوقت حتى يتجاوز عاصفة معينة، أو يعمل وفق استراتيجية معينة، إلى أن يصل إلى النتيجة التي يريدها.

السياسة تحتاج إلى وقت واستراتيجية وتدرّج. لا يمكن أن يتوقعوا أن يتغير كل شيء بين يوم وليلة. فحتى أمس كان من الممكن أن يُسقط القرار بالكامل، وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا، ولم يكن هناك أي تضامن.

والجالية بدأت تُؤخذ في الاعتبار، وبدأت تمتلك أدوات أكبر للتأثير والضغط السياسي

هناك اليوم جمعيات ومجموعات مسلمة وعربية أصبحت أكثر حضورًا وتنظيمًا، وبدأت تمارس دورًا أكبر في النقاش العام والـlobbying (الضغط السياسي) وأصبح هناك أيضًا أشخاص داخل السياسة يتحدثون عن هذه القضايا ويمثلون هذه الأصوات.

وفي النهاية، الجالية العربية مع التعايش والانسجام المجتمعي، لكن التعايش لا يعني أن يتخلى الإنسان عن مواقفه الإنسانية. يمكن أن نكون جميعًا مع living together  وcohésion sociale، وفي الوقت نفسه نطالب بموقف واضح تجاه ما نراه من ظلم وانتهاكات.

لذلك، نعم، لم تحصل الجالية العربية على كل ما تمت المطالبة به، لكن عليهم أن ينظروا إلى ما تحقق في سياقه. في مدينة مثل مونتريال، ولا نعتقد أن مثل هذا القرار قد صدر في مدينة كبيرة في كندا، وحتى في معظم أميركا الشمالية.

وفي ظل كل الضغوط من قبل العديد من الجهات، التي مورست لمنع تمرير القرار، فإن وصوله إلى هذه المرحلة والتصويت عليه بأغلبية يمثل خطوة مهمة. لم يكن الأمر سهلًا على الإطلاق. وربما الأهم أنه يفتح الباب أمام خطوات أخرى مستقبلًا.