د. علي ضاهر - مونتريال
في زمنٍ تلاشت فيه الهيبة وحلّ محلها الخنوع، يتسابق الساسة إلى حجز مقاعدهم في قطار التنازلات، تاركين شعوباً تتساءل بمرارة: كيف تحوّل قادة الساحات، وخطباء المنصات، وعباقرة المهن إلى أقزام خلف طاولات المفاوضات؟ ما بالُ ساسة هذا الزمان؟ هل أصاب ركبَهم وهنُ الانبطاح، أم ضرب خلاياهم "واغش" التراخي كما يضرب فيروس الشلل قن الدجاج؟ وهل لدغتهم بعوضة "التسي تسي"، فأبقتهم في حالة "روبصة" مستديمة، يتحركون بلا بوصلة ولا اتجاه؟
هذا ليس مجرد تهكمٍ عابر، بل مشهدٌ قاتم يراه قطاع واسع من المراقبين والمواطنين، فيجدون ساسةً برعوا في فن الانحناء، واتخذوا التنازل عقيدة، والخنوع راية، والابتسامة الهزيلة وسيلةً لاسترضاء داعميهم، فيما لم يبقَ لهم عند الشدائد سوى البكاء ومسح الجوخ!
لا حاجة للمرور بطابور الرؤساء وعمالقة العالم. يكفي النظرُ إلى مَثَلَيْنِ كان يُفترض بهما أن يكونا مفخرةً في الصمود والجسارة، والحكمة والمعرفة. فالمأساة تكمن في أن كليهما كان يُنظر إليه بوصفه نبراساً يُهتدى به في مجاله، فإذا به يتحول، في غمضة عين، إلى مجرد دُمية تُحرّكها الخيوط، لا أكثر.
الأول هو "العِقْر" الاقتصادي مارك كارني، داهية المال الذي تنقّل بزهو بين قيادة أعتى بنوك العالم ومؤسساته، كبنك إنجلترا وبنك كندا، حتى ظننا أن عوده لا ينكسر أمام لغة الأرقام. فإذا به يذعن سريعاً لتهديدات ترامب. ولعل ملحمة افتتاح جسر "غوردي هاو" تختصر هذا المشهد المهين. فبعد أن أنفقت كندا وحدها ميزانية ضخمة بلغت 6.4 مليار دولار لبناء الجسر، وقّع كارني على اتفاق يقضي بتقاسم 50% من عائدات رسوم العبور مع واشنطن لمدة خمسة عشر عاماً، مقابل السماح بفتح البوابات.
ولم يتوقف هذا التراجع عند ذلك، بل سارع إلى إلغاء ضريبة الخدمات الرقمية الكندية التي كانت تستهدف عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، وأخذ يسحب تدريجياً الرسوم الجمركية المضادة التي فرضتها كندا سابقاً لحماية صناعاتها، مقدماً اعتذاراً مبطناً عن الحملات الإعلانية الوطنية السابقة، خشية تعكير مزاج الإدارة الأمريكية. فجاء وصف بعض الخبراء لاذعاً: "أمام ترامب، ينطوي كارني ككرسي حدائق رخيص بقيمة خمسة دولارات من متجر كنديان تاير". هذا من دون التوقف عند اندفاعه العسكري، الذي يريد من خلاله تحويل كندا من دولة عُرفت تاريخياً بدورها في دعم مهمات حفظ السلام والمساهمة في تأسيس مفهوم القبعات الزرق، إلى إسبرطة العصر الحديث.
أما الثاني، فهو "عبقري زمانه" اللبناني نواف سلام، سليل بيروت "أم الشرائع"، ورئيس محكمة العدل الدولية، الذي انتظر كثيرون منه أن يكون صلب العود، لا يغمض له جفن ما دامت في العالم مظلمة، والمدافع الشرس عن الحق. فإذا به، وفي ليلةٍ "ما فيها ضو قمر"، يرمي بدلة القضاء جانباً، ويوافق على اتفاقية إطار صيغت بنودها، بحسب منتقديها، بصورة توفر حماية للمسؤولين الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم حرب، وتمنع المتضررين اللبنانيين من سلوك مسارات قانونية للمطالبة بحقوقهم أو تعويضاتهم. وهكذا، في نظر منتقديه، تحولت "أم الشرائع" من رمز للعدالة إلى مظلة تحمي الجلّاد، وتجرّد الضحية حتى من حق الصراخ.
في نهاية المطاف، يتضح أن مأساة هذا الجيل من الساسة ليست في قلة علمهم، بل في وفرة انحنائهم. فبين "عِقْر" مالي يرى في التفريط بعرق بلاده "حكمةً اقتصادية" لتهدئة متنمر البيت الأبيض، وقاضٍ يرى في حرمان المظلومين من حق الشكوى "واقعيةً قانونية" ومساومةً سياسية، تسقط الأقنعة وتنكشف العورات. لقد علمتنا هذه الشواهد أن العبقرية الأكاديمية والشهادات الدولية البراقة لا تصنع بالضرورة ظهراً مستقيماً، وأن "الباش كاتب" قد يأتي أحياناً ببدلات أنيقة وشهادات من "أكسفورد" أو "هارفارد".
لقد تغيّر الزمن. قديماً كانوا يوصون أبناءهم: "ارفع رأسك"، أما اليوم، فيبدو أن النصيحة الأكثر رواجاً هي: "اخفضه، فقد تحصل على ترقية!" وعندها، لن يكون مستغرباً أن تُنشأ كلياتٌ لتدريس فنون الركوع، وأن تُمنح أعلى الشهادات مع مرتبة شرف في طأطأة الرؤوس!
في زمنٍ تلاشت فيه الهيبة وحلّ محلها الخنوع، يتسابق الساسة إلى حجز مقاعدهم في قطار التنازلات، تاركين شعوباً تتساءل بمرارة: كيف تحوّل قادة الساحات، وخطباء المنصات، وعباقرة المهن إلى أقزام خلف طاولات المفاوضات؟ ما بالُ ساسة هذا الزمان؟ هل أصاب ركبَهم وهنُ الانبطاح، أم ضرب خلاياهم "واغش" التراخي كما يضرب فيروس الشلل قن الدجاج؟ وهل لدغتهم بعوضة "التسي تسي"، فأبقتهم في حالة "روبصة" مستديمة، يتحركون بلا بوصلة ولا اتجاه؟
هذا ليس مجرد تهكمٍ عابر، بل مشهدٌ قاتم يراه قطاع واسع من المراقبين والمواطنين، فيجدون ساسةً برعوا في فن الانحناء، واتخذوا التنازل عقيدة، والخنوع راية، والابتسامة الهزيلة وسيلةً لاسترضاء داعميهم، فيما لم يبقَ لهم عند الشدائد سوى البكاء ومسح الجوخ!
لا حاجة للمرور بطابور الرؤساء وعمالقة العالم. يكفي النظرُ إلى مَثَلَيْنِ كان يُفترض بهما أن يكونا مفخرةً في الصمود والجسارة، والحكمة والمعرفة. فالمأساة تكمن في أن كليهما كان يُنظر إليه بوصفه نبراساً يُهتدى به في مجاله، فإذا به يتحول، في غمضة عين، إلى مجرد دُمية تُحرّكها الخيوط، لا أكثر.
الأول هو "العِقْر" الاقتصادي مارك كارني، داهية المال الذي تنقّل بزهو بين قيادة أعتى بنوك العالم ومؤسساته، كبنك إنجلترا وبنك كندا، حتى ظننا أن عوده لا ينكسر أمام لغة الأرقام. فإذا به يذعن سريعاً لتهديدات ترامب. ولعل ملحمة افتتاح جسر "غوردي هاو" تختصر هذا المشهد المهين. فبعد أن أنفقت كندا وحدها ميزانية ضخمة بلغت 6.4 مليار دولار لبناء الجسر، وقّع كارني على اتفاق يقضي بتقاسم 50% من عائدات رسوم العبور مع واشنطن لمدة خمسة عشر عاماً، مقابل السماح بفتح البوابات.
ولم يتوقف هذا التراجع عند ذلك، بل سارع إلى إلغاء ضريبة الخدمات الرقمية الكندية التي كانت تستهدف عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، وأخذ يسحب تدريجياً الرسوم الجمركية المضادة التي فرضتها كندا سابقاً لحماية صناعاتها، مقدماً اعتذاراً مبطناً عن الحملات الإعلانية الوطنية السابقة، خشية تعكير مزاج الإدارة الأمريكية. فجاء وصف بعض الخبراء لاذعاً: "أمام ترامب، ينطوي كارني ككرسي حدائق رخيص بقيمة خمسة دولارات من متجر كنديان تاير". هذا من دون التوقف عند اندفاعه العسكري، الذي يريد من خلاله تحويل كندا من دولة عُرفت تاريخياً بدورها في دعم مهمات حفظ السلام والمساهمة في تأسيس مفهوم القبعات الزرق، إلى إسبرطة العصر الحديث.
أما الثاني، فهو "عبقري زمانه" اللبناني نواف سلام، سليل بيروت "أم الشرائع"، ورئيس محكمة العدل الدولية، الذي انتظر كثيرون منه أن يكون صلب العود، لا يغمض له جفن ما دامت في العالم مظلمة، والمدافع الشرس عن الحق. فإذا به، وفي ليلةٍ "ما فيها ضو قمر"، يرمي بدلة القضاء جانباً، ويوافق على اتفاقية إطار صيغت بنودها، بحسب منتقديها، بصورة توفر حماية للمسؤولين الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم حرب، وتمنع المتضررين اللبنانيين من سلوك مسارات قانونية للمطالبة بحقوقهم أو تعويضاتهم. وهكذا، في نظر منتقديه، تحولت "أم الشرائع" من رمز للعدالة إلى مظلة تحمي الجلّاد، وتجرّد الضحية حتى من حق الصراخ.
في نهاية المطاف، يتضح أن مأساة هذا الجيل من الساسة ليست في قلة علمهم، بل في وفرة انحنائهم. فبين "عِقْر" مالي يرى في التفريط بعرق بلاده "حكمةً اقتصادية" لتهدئة متنمر البيت الأبيض، وقاضٍ يرى في حرمان المظلومين من حق الشكوى "واقعيةً قانونية" ومساومةً سياسية، تسقط الأقنعة وتنكشف العورات. لقد علمتنا هذه الشواهد أن العبقرية الأكاديمية والشهادات الدولية البراقة لا تصنع بالضرورة ظهراً مستقيماً، وأن "الباش كاتب" قد يأتي أحياناً ببدلات أنيقة وشهادات من "أكسفورد" أو "هارفارد".
لقد تغيّر الزمن. قديماً كانوا يوصون أبناءهم: "ارفع رأسك"، أما اليوم، فيبدو أن النصيحة الأكثر رواجاً هي: "اخفضه، فقد تحصل على ترقية!" وعندها، لن يكون مستغرباً أن تُنشأ كلياتٌ لتدريس فنون الركوع، وأن تُمنح أعلى الشهادات مع مرتبة شرف في طأطأة الرؤوس!
19 مشاهدة
02 أغسطس, 2026
38 مشاهدة
02 أغسطس, 2026
82 مشاهدة
02 أغسطس, 2026