Sadaonline

دورات مدفوعة في إعادة تدوير الأعداء

فاجأنا فخامته بإعلان امتلاك لبنان "رغبة عميقة في تكوين الصداقات"! يا لها من عبارة شاعرية! عبارة تكاد تفوح منها رائحة الورد والياسمين


د. علي ضاهر

كنت قد اتخذت قراراً تاريخياً لا رجعة فيه: سأصوم عن الكتابة، تفادياً لتعكير مزاج فخامة الرئيس جوزيف عون. قلت لنفسي إن الرجل يحتاج إلى بعض الخصوصية ليستوعب، على مهل، تلك الصدمة المتمثلة في كونه أصبح رئيساً للجمهورية. دعوه يتذوق لذة الاستيقاظ صباحاً، لينظر إلى وجهه في المرآة هامساً بنشوة، على طريقة السادات: "والله وصرت رئيس يا ود يا... يا أبو الزوز!" دعوه يغرق في سكرة هذا الانتصار، دون أن تُنغّص عليه مقالة من هنا أو عبارة من هناك!

وأقسمت بيني وبين نفسي قسماً مغلظاً لا تكسره إلا الكوارث: زلزال مدمر، إعصار جارف، أو، وهو الاحتمال الأكثر ترجيحاً، تصريح جديد من فخامته يدفعني قسراً للعودة إلى كشف عورات الخطابات السياسية. ولكي أثبت لنفسي أنني جاد، فرضت عليها عقوبة تليق بحجم الخطيئة، إن حدثت: إذا ضعفت وعدت إلى الكتابة عنه، فسأمشي حافياً. لكنني لن أكرر طقوسا، كنا نمارسها في النبطية حين كنا نصعد إلى حرج "علي الطاهر"، بل سأقطع المسافة حافياً هنا في كندا، صعوداً إلى "أوراتوار سان جوزيف"، في يوم صيفي حارق، بلا قبعة ولا جرعة ماء، كحاج تائه يبحث عن الغفران. ففي النهاية، يبدو أن كل المرجعيات، أياً كان نوعها، تصب في البحر نفسه. والمفارقة أنني سأهرب من فخامته لأجد نفسي أمام سان جوزيف آخر. يبدو أن اسم جوزيف قرر أن يلاحقني حتى في طقوس التكفير عن ذنبي!

لكن المشكلة أن فخامته لا يساعد أحداً على الوفاء بنذوره. فهو من الذين لا يسمحون للقلم بالتقاعد. كلما قررت أن أشيح بوجهي عن السيرك السياسي، خرج علينا بتصريح جديد يستفز قلمي ويقول له: عد إلى عملك يا شاطر، فما زالت الكوميديا مستمرة. وهكذا وجدت نفسي، مكرهاً لا بطلاً، أكسر قسمي، بسبب تصريح هذه المرة يصلح عنواناً لقصة غرامية من روايات "عبير" أكثر مما يصلح بياناً سياسياً. فقد فاجأنا فخامته بإعلان امتلاك لبنان "رغبة عميقة في تكوين الصداقات"! يا لها من عبارة شاعرية! عبارة تكاد تفوح منها رائحة الورد والياسمين. تسمعها فتظن أنك أمام قيس يكاتب ليلى بعد فراق طويل، لا أمام حديث قد يتناول علاقة بين بلدين يفصل بينهما تاريخ من الاحتلال والاجتياحات والدمار والدماء. وهنا قفز إلى ذهني الشاعر زهير بن أبي سلمى، وهو يصف عبث الحرب والصلح المغشوش بين قبيلتي عبس وذبيان بعد أن "دقّوا بينهم عطر مَنْشِمِ". للحظة، فركت عيني وظننت أنني أصبت بعمى القراءة، أو أن فخامته يفتتح مؤتمراً دولياً للتنمية البشرية، أو ربما يلقي محاضرة عن "كيفية كسب الأصدقاء والتأثير في الأعداء".

لكن الصدمة الحقيقية تجلت عندما اكتشفتُ أن "الحبيب المستهدف" بهذه الرغبة الجياشة لا ينطبق على شخص عاتب، ولا زميل مقاطع ولا صديق غضبان، بل قد ينطبق أيضا، وهذه هي المصيبة، على ذات الدولة نفسها التي ما زالت تقضم الأرض اللبنانية، وتمارس هوايتها المفضلة في الاعتداءات والانتهاكات متى تشاء، وتتعامل مع لبنان منذ عقود بلغة الحديد والنار، لا بلغة الغرام والبطاقات العاطفية!

فبعض سياسيينا "العباقرة" اكتشفوا أخيراً أن أزمة الشرق الأوسط لم تكن يوماً احتلالا ولا حروبا ولا اختلالا في موازين القوى، بل مجرد ضعف في مهارات التواصل! وحسب رأيهم "السديد" كل ما كان ينقص المنطقة، دورة مجانية في التواصل الإيجابي، والمصارحة، وكوب قهوة، وجلسة حول صحن تبولة وربما بعض تمارين التنفس العميق. لقد دخل هؤلاء الساسة، على ما يبدو، عصراً جديداً يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية التنموية"، حيث، حسب منطقهم، تُدار الصراعات كما تُدار دورات التنمية البشرية. لذا فهم سيصدرون كتابا جماعيا بعنوان: "كيف تكسب صديقاً، ولو كان يحتل أرضك". وربما تلحق به طبعة منقحة بعنوان: "فن الاعتذار للمعتدي لأنه أرهق نفسه في الاعتداء عليك"! يقال إن الدول، في السياسة، تبحث عن القوة والمصالح والسيادة. أما هؤلاء فيبدو أنهم يسعون إلى افتتاح أول دورة مجانية في تكوين الصداقات مع الأعداء وفي إعادة تدويرهم!

أما أنا، فقد خسرت الرهان، وسأضطر إلى الوفاء بقسمي، والمشي حافياً إلى أوراتوار سان جوزيف. لكنني سأمشي مطمئن الضمير، لأن ذنبي انني ما زلت اعتقد ان للتاريخ ذاكرة، وأن الاحتلال لا يتحول إلى صديق بمجرد تغيير مفردات البيان. وربما، وأنا أصعد درجات أوراتوار سان جوزيف حافياً، سأطلب معجزة صغيرة: لا أن يصبح الأعداء أصدقاء، بل أن يستعيد بعض السياسيين القدرة على التمييز بين السلام والاستسلام، وبين الواقعية السياسية وفقدان البوصلة الوطنية!