Sadaonline

السفير الكندي في سوريا ولبنان في حوار شامل مع الكونغرس السوري الكندي: رفع العقوبات، مستقبل السفارة بدمشق، ودعم النازحين اللبنانيين

السفير غاليغان اشاد بالدور الإيجابي الذي تلعبه الجالية السورية في كندا

مونتريال - صدى اونلاين
في لقاء افتراضي استثنائي نظّمه "الكونغرس السوري الكندي"، استضافت الجالية السورية واللبنانية في كندا السفير الكندي لدى سوريا ولبنان، غريغوري غاليغان، في حوار مفتوح أداره الدكتور أيمن الياسيني، رئيس الكونغرس. وتناول اللقاء، الذي شهد حضوراً لافتاً من شخصيات أكاديمية وإعلامية وناشطين، جملة من القضايا المحورية التي تهم الكنديين من أصول سورية ولبنانية، بدءاً من مستقبل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين كندا وسوريا، مروراً بملف المساعدات الإنسانية، وصولاً إلى التطورات الإقليمية الراهنة وتأثيرها على المنطقة.
وقد تميز اللقاء بصراحة السفير غاليغان في مقاربته للملفات الشائكة، حيث كشف عن تفاصيل التحولات الأخيرة في السياسة الكندية تجاه سوريا، بما في ذلك رفع العقوبات الاقتصادية الواسعة، والجهود المبذولة لدعم الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية. كما أفرد السفير مساحة هامة للحديث عن الأزمة الإنسانية في لبنان.
"صدى اونلاين " شارك في اللقاء الذي استمر من الساعة الحادية عشر حتى الثانية عشر من صباح اليوم الاحد التاسع والعشرين من شهر آذار وسجّل ابرز ما جاء فيه..

الجالية السورية الكندية: جسر حيوي لإعادة البناء
استهل السفير غاليغان حديثه بالإشادة العميقة بالدور الإيجابي الذي تلعبه الجالية السورية في كندا. وأشار إلى أن كندا استقبلت منذ عام 2015 أكثر من 100 ألف لاجئ سوري، أصبحوا اليوم نسيجاً حيوياً وديناميكياً في المجتمع الكندي، محققين مستويات عالية من النجاح والاندماج.
ولفت السفير إلى ظاهرة ملهمة تتمثل في عودة العديد من الشباب الكنديين من أصل سوري إلى دمشق للمساهمة في إعادة بناء بلدهم. وقال: "من أكثر الأمور التي تمنحني الرضا في عملي هو لقائي بهؤلاء الشباب في دمشق. شباب تتراوح أعمارهم بين 25 و35 عاماً، غادروا سوريا في سن مبكرة، وبنوا حياتهم في كندا، والآن يعودون محملين بأفضل ما تعلموه في كندا، وبحب وحماس كبيرين لسوريا، ليؤسسوا جمعيات خيرية، ويعملوا في مجال الدعم النفسي للأطفال، ويساهموا في مؤسسات المجتمع المدني". واعتبر السفير هؤلاء الشباب "سفراء حقيقيين لكندا في سوريا".
التحولات في السياسة الكندية: رفع العقوبات وفتح آفاق اقتصادية
تطرق اللقاء إلى التغييرات الجوهرية التي طرأت على السياسة الكندية تجاه سوريا في الأشهر الأخيرة. وأوضح السفير أن كندا اتخذت سلسلة من القرارات الاستراتيجية، بدأت العام الماضي بالسماح بمزيد من التبادلات التجارية عبر التصاريح العامة، تلاها في نوفمبر وديسمبر قرار شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو قرار وصفه السفير بـ "الصائب" نظراً لتغير المعطيات الإقليمية. كما تم شطب "هيئة تحرير الشام" (HTS) من القوائم التي تعيق العمل التنموي، وصولاً إلى الخطوة الأهم المتمثلة في رفع العقوبات الاقتصادية الواسعة عن سوريا في ديسمبر الماضي.
وأكد غاليغان أن هذه الخطوات تهدف إلى خلق فرص جديدة للشركات السورية وأعضاء الجالية السورية الكندية، ودعم انتقال سوريا من مرحلة الاعتماد على المساعدات الإنسانية إلى مرحلة التعافي الاقتصادي والتنمية. وأشار إلى أن الحكومة السورية تدرك ضرورة هذا التحول وتسعى لإعادة الاندماج في الأسواق والأنظمة المالية العالمية.
ورداً على سؤال حول القطاعات الاقتصادية التي قد تحظى باهتمام كندا، أوضح السفير أنه رغم التردد الحالي للشركات الكندية الكبرى بسبب المخاطر الإقليمية، إلا أن هناك تاريخاً طويلاً من الاستثمار الكندي في سوريا، خاصة في قطاع النفط والغاز (مثل شركة صنكور). وتوقع أن تتركز الفرص المستقبلية في قطاعات الطاقة، التعدين (خاصة الفوسفات الذي تمتلك فيه الشركات الكندية خبرة واسعة)، الزراعة، والتكنولوجيا الخضراء وإدارة المياه.
مستقبل السفارة الكندية في دمشق
شكل موضوع إعادة فتح السفارة الكندية في دمشق أحد أبرز محاور النقاش. وفي رده على سؤال حول أسباب عدم استئناف السفارة لعملها بكامل طاقتها، أوضح السفير غاليغان أن كندا تتبنى نهجاً تدريجياً في إعادة الانخراط الدبلوماسي.
وكشف أن السفارة الكندية في بيروت باتت تسيّر رحلات أسبوعية لفرقها إلى دمشق، تشمل فرقا سياسية، تجارية، تنموية، وفرق دعم الاستقرار. وقال: "نحن نعمل على تعزيز وجودنا تدريجياً، وانتقلنا من الزيارات النهارية القصيرة إلى زيارات تتضمن المبيت في دمشق. لكن في الوقت الحالي، الخطة هي الاستمرار في إدارة العمليات من بيروت".
وأشار السفير إلى تحديات مالية تواجه وزارة الخارجية الكندية، حيث تشهد ميزانيتها تخفيضاً بنسبة تقارب 13.5%، مما يجعل قرار فتح سفارة جديدة أمراً يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالموارد والظروف الأمنية على الأرض. وأكد أن كندا تراقب الوضع عن كثب، وأن قرار إعادة فتح السفارة سيُتخذ في الوقت المناسب بناءً على تطورات الأوضاع السياسية والأمنية وحجم التبادل التجاري.
المساعدات الإنسانية والشفافية
فيما يخص المساعدات الإنسانية، أوضح السفير أن كندا قدمت حوالي 108 ملايين دولار كدعم إنساني لسوريا في العام الماضي، ليصل إجمالي المساعدات منذ عام 2015 إلى نحو 842 مليون دولار. ورداً على مخاوف بشأن تحويل مسار المساعدات أو الفساد، أكد غاليغان أن كندا تعتمد بشكل أساسي على شركاء موثوقين في الأمم المتحدة، مثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، الذين يمتلكون آليات رقابة وتدقيق صارمة.
كما كشف السفير عن إطلاق برنامج "صندوق كندا للمبادرات المحلية" (CFLI) الأسبوع الماضي، والذي يقدم منحاً صغيرة تتراوح بين 30 و50 ألف دولار لمنظمات المجتمع المدني السورية العاملة على الأرض، مثل "رابطة المحامين السوريين الأحرار" ومنظمات نسائية وإعلامية. ويهدف هذا البرنامج إلى بناء قدرات هذه المنظمات المحلية وتدريبها على معايير الشفافية والتدقيق الكندية، لتتمكن مستقبلاً من استقطاب تمويل دولي أكبر.
حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية
لم يغب ملف حقوق الإنسان عن النقاش، حيث أكد السفير الكندي استمرار قلق بلاده إزاء قضايا تمثيل الأقليات وحقوق الإنسان في سوريا. وأشار إلى التقرير الأخير للأمم المتحدة حول الأحداث في السويداء، معتبراً أن قبول الحكومة السورية للتقرير هو خطوة إيجابية، لكن "التحدي الحقيقي يكمن في المتابعة وإجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين".
وشدد غاليغان على أن التعافي في سوريا لن يكون مسألة سنوات قليلة، بل هو "التزام يمتد لجيل كامل"، يتطلب عملاً دؤوباً في مجالات العدالة الانتقالية، التماسك الاجتماعي، والإصلاح الدستوري. وأكد استعداد كندا لدعم مسارات الحوار المجتمعي والعدالة الانتقالية، مشيراً إلى التعاون الكندي-الألماني في هذا المجال.
التأشيرات والخدمات القنصلية
وفيما يتعلق بالخدمات القنصلية والتأشيرات، أوضح السفير أن كندا تسعى لإيجاد توازن بين تسهيل حركة الأفراد لأغراض التجارة والسياحة ولم الشمل العائلي، وبين الحفاظ على متطلبات الأمن القومي. وأكد بوضوح: "نحن لا نريد أن يأتي إلى كندا كبار المسؤولين في النظام المتورطين في انتهاكات، أو أشخاص متورطون في جرائم حرب أو استخدام أسلحة كيميائية. لذلك، ستبقى هناك إجراءات تدقيق أمني صارمة". ومع ذلك، أكد حرص السفارة على تسهيل سفر الطلاب والكفاءات السورية الراغبة في الدراسة أو العمل في كندا.
ملف المساعدات الكندية للبنان في ظل أزمة النزوح
في رده على سؤال لموقع "صدى اونلاين" يتعلق بالأزمة الإنسانية المتفاقمة في لبنان نتيجة التطورات الإقليمية الأخيرة و تقديم مساعدات إنسانية بقيمة 37.7 مليون دولار للبنان لدعم النازحين، و عن الآليات المحددة لتوزيع هذه الأموال، والمنظمات التي ستتولى إدارتها على الأرض، والضمانات الموضوعة لضمان وصولها إلى الفئات الأكثر ضعفاً وما إذا كانت كندا تعتزم زيادة هذا الالتزام المالي أو التنسيق مع الدول المانحة الأخرى لسد الفجوة الكبيرة بين التمويل المتاح والاحتياجات الفعلية الهائلة على الأرض، قال السفير أنه من الصعب حالياً تقديم تفصيل دقيق لتوزيع المبالغ نظراً لأن الشركاء لم يُبلغوا بعد بالحصص النهائية. ومع ذلك، كشف أن 10 ملايين دولار من أصل 37.7 مليون دولار تم تخصيصها كاستجابة مباشرة للنداء العاجل (Flash Appeal) الذي أطلقته الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة، والذي يسعى لجمع 320 مليون دولار على مدى الأشهر الثلاثة المقبلة للتعامل مع أزمة النزوح.
وأكد السفير أن الجزء الأكبر من مبلغ الـ 27.7 مليون دولار المتبقي سيتم توجيهه عبر شركاء كندا الموثوقين في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى منظمات دولية كبرى مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، مع وجود بعض الشركاء الكنديين. وشدد على أن كندا تعمل ضمن لجان ومجموعات الدول المانحة بالتنسيق المستمر مع الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي لتحديد الاحتياجات بدقة وضمان وصول التمويل لمستحقيه.
وفي سياق متصل، أشاد السفير غاليغان بالجهود الاستثنائية التي تبذلها وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية في إدارة الأزمة الحالية، منوهاً بكفاءة الوزيرة حنين سيد، المسؤولة السابقة في البنك الدولي. وأشار إلى أن شبكة الإيواء التي تديرها الوزارة تضم الآن أكثر من 600 مركز تستجيب لاحتياجات أكثر من 100 ألف شخص يعيشون حالياً في مراكز النزوح، من أصل حوالي 1.2 مليون نازح في البلاد. وأكد السفير أن الحكومة اللبنانية تبذل قصارى جهدها في ظروف بالغة الصعوبة، مشدداً على أهمية أن تقود الحكومة اللبنانية جهود الاستجابة بدعم من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
ختام اللقاء
في ختام اللقاء، شكر الدكتور أيمن الياسيني السفير غاليغان على سعة صدره ووقته الثمين، مؤكداً أن الجالية السورية الكندية تتطلع إلى استمرار هذا التواصل البناء. من جانبه، عبر السفير عن امتنانه للكونغرس السوري الكندي، مؤكداً أن جهود الجالية وخبراتها ستكون حاسمة في عملية الانتقال في سوريا، وفي عودة كندا للعب دور فاعل وإيجابي في المنطقة.
يُعد هذا اللقاء خطوة هامة في تعزيز جسور التواصل بين صانعي القرار الكنديين والجالية العربية، ويعكس اهتماماً كندياً متجدداً بالملف السوري واللبناني في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وسط آمال بأن تترجم هذه الحوارات إلى سياسات عملية تدعم الاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط.