Sadaonline

أمال خليل… وجعٌ مرّ بي ولم يمرّ

لم تكوني صحافية فقط، كنتِ وجعًا يمشي على قدمين، وصوتًا مبلّلًا بالحقيقة، وقلبًا مثقلًا بالناس… حتى التعب.

د. وفاء مروة

لم أعرفكِ طويلًا…
لكن بعض الوجوه لا تعبر حياتنا، بل تترك فيها شقوقًا لا تُرمَّم.

في ساحل العاج،
بعيدًا حدّ الغربة عن لبنان،
التقينا…
لا كغرباء،
بل كحنينٍ وجد طريقه أخيرًا إلى قلبٍ يشبهه.

كأن الجنوب لم يحتمل البعد،
فجاءكِ…
وجئتِ به إليّ.

لم تكوني صحافية فقط،
كنتِ وجعًا يمشي على قدمين،
وصوتًا مبلّلًا بالحقيقة،
وقلبًا مثقلًا بالناس… حتى التعب.

يوم دخلتِ حياتي،
لم يكن لقاءً عابرًا…
كان ارتطام روحٍ بروح،
وكان دفئًا مفاجئًا
في عزّ برد الغربة.

في المدرسة،
لم تكوني أمام طلاب…
كنتِ أمام وطنٍ صغير،
تحاولين أن تُبقيه حيًا بالكلمات.

لم تشرحي اللغة العربية…
بل بكيتِها بين السطور،
حدّثتِهم عن هويةٍ تُنزف،
عن انتماءٍ يُقاوم،
عن جنوبٍ لا يُشفى… فقط يتعلّم كيف يخفي وجعه.

ومن بين كل الأماكن،
اخترتِ بيتي…
وكأنكِ كنتِ تعرفين
أن القلوب المتعبة
تدلّ على بعضها دون موعد.

تلك الليلة…
لم تكوني ضيفة،
كنتِ شيئًا أعمق من ذلك بكثير…
كنتِ دفئًا قديمًا عاد فجأة،
كنتِ ذاكرةً تولد في لحظتها،
ثم تُكتب علينا للأبد.

أمال…
كنتِ تشبهين النساء اللواتي لا ينكسرن أمام الحياة،
لكنهنّ يتشققن بصمت.

كنتِ قوية…
نعم،
لكنني اليوم أفهم
أن القوة كانت غطاءً لوجعٍ لا يُقال.

خرجتِ من أبيدجان،
تحملين ملفاتٍ عن المرأة،
عن الغربة،
عن التعب الذي لا يراه أحد…
لكن يبدو أنكِ كنتِ تحملين نفسكِ أيضًا،
بكل ذلك الثقل… وحدكِ.

واليوم…
حين جاء خبركِ،
لم أشعر أنه حقيقي…

كيف لامرأةٍ مثلكِ
أن تتحوّل إلى خبر؟

كيف لصوتٍ كان يملأ المكان
أن يصبح صمتًا بهذا الاتساع؟

أمال…
غيابكِ ليس غيابًا،
إنه فراغٌ يؤلم،
شيءٌ ناقص في العالم
ولا يُعوَّض.

لم تكوني لقاءً…
كنتِ أثرًا،
والأثر الحقيقي
لا يختفي…
بل يوجع أكثر مع الوقت.

وداعًا…
يا التي لم تمكث طويلًا
لكنها تركت ما يكفي من الحنين
ليؤلم عمرًا كاملًا.