د. علي ضاهر
في كندا، لا تأتي الرقابة دائمًا فجة. أحيانًا تأتي بهدوء مصحوبة بابتسامة. تبدأ من أوتاوا، حيث تُنظَّم بياناتك، وتمرّ عبر كيبيك، حيث يُعاد ترتيب سلوكك وشعورك،
لتكتشف، في النهاية، أن الدولة لا تكتفي بأن تحميك، بل قررت، بدافع المحبة، أن تقترب منك. لذلك فقد بدأت كندا اكتشاف فضيلة جديدة: الاقتراب الشديد من مواطنيها. ليس اقتراب الحبيب من حبيبه، ولا قرب الجار من جاره، بل قرب قانوني، أمني، دافئ أكثر مما ينبغي. قرب يجعل الدولة تجلس إلى جانبك على الكنبة، تراقبك، لا بدافع الشك، ما عاذ الله، بل بدافع الاطمئنان! اطمئنان يفوق، أحيانًا، حرص أم مهووسة على طفلها الوحيد.
فبينما يناقش البرلمان الكندي مشروع القانون C-2، الذي يفتح الباب أمام الشرطة للوصول إلى بياناتك دون إذن قضائي في حالات معينة، تمضي كيبيك في الاتجاه نفسه عبر مشروع القانون 13! هكذا، وبهدوء ولا ضجيج، تتقدّم الحكومتان نحو نموذج جديد من الرقابة: رقابة لا تكتفي بتنظيم السلوك، بل تقترب أكثر، لتنظّم المسافة نفسها بينك وبينهما. الجزء الأول يتناول مشروع القانون C-2، على ان يتم التطرق في الجزء الثاني الى مشروع القانون 13 الذي تدرسه كيبيك.
لنبدأ بالمشروع الفيدرالي C2. تخيّل أنك في قلعةٍ محصّنة لا تُفتح الا من الداخل. الجدران عالية، المتاريس متينة، والخنادق عميقة. كل شيء يوحي بالأمان، إلى أن تكتشف أن الخطر ليس خارج الأسوار، بل في اليد التي تمسك بالمفتاح. هذا في الخيال. أمّا في الواقع، فأنت مواطن في دولة تُسوّق نفسها بوصفها جنة الحقوق وملاذ الحريات و"قطعة سلام عاجقة الكون". يفترض أنك محميّ بسواتر قانونية: الدستور، القضاء، المؤسسات الرقابية، المجتمع المدني. حواجز وُجدت لتقف بينك وبين الدولة ولتحميك من تعسفها.
لكن الدولة، كل دولة، كائن قَلِق. القلق جزء من حمضها النووي كما وهو مكتوب على جبينها. و"المكتوب على الجبين، لازم تشوفه العين". وهي، أي الدولة، كما لخّص ماكس فيبر، تحتكر الحق الشرعي في استخدام العنف. وأضاف بيار بورديو أن هذا الاحتكار لا يقتصر على العنف المادي، بل يشمل أيضًا "العنف الرمزي"، ذلك العنف الهادئ الذي يُمارَس بالقانون، وباللغة، وبالتعميمات الرسمية، ومصحوب عادة بابتسامة ماكرة. هو عنف لا يحتاج إلى هراوة. يكفيه نص قانوني، وموافقة ضمنية من المواطنين على أن ما يجري إنما هو لمصلحتهم، طبعًا.
ولأن الدولة الحديثة لم تعد قادرة على احتكار العنف ولا سيما العنف الرمزي، نظرا لولوجنا عصر دمقرطة المعلومات الذي سحب البساط من تحت أقدامها في مجال السيطرة على السردية والقيم والتوجيه الأيديولوجي وفرض المعايير الأخلاقية والاجتماعية، اخترعت، بهدوء، احتكارًا جديدًا: القلق المشروع. تريدك أن تعتقد أنها تقلق عليك، أكثر مما تقلق أنت على نفسك. تحميك من الجريمة، ومن الإرهاب، وأحيانًا من نفسك!
من كان يتخيّل أن كندا، النموذج العالمي في الحقوق، ستناقش قانونًا يجعل المواطن يشعر وكأن القلعة التي احتمى بها تُفتح من الداخل؟ فجأة يصبح "العمل الأمني المعقّد" ذريعة لمدّ يد السلطة مباشرة إلى المواطن، بلا قاضٍ ولا إذن ولا حتى طرق خفيف على الباب. هذا، باختصار، ما يطرحه القانونC‑2. قانون يروج لخطاب مطمئن عن "تعزيز الأمن" لكنه يخفي وراءه توسيعًا لصلاحيات الشرطة والاستخبارات للحصول على معلوماتك الشخصية دون إذن قضائي مسبق. فالدولة تقول لك: لماذا نُرهق الشرطة بإذن في كل مرة؟ أليست نيتها حسنة؟ ألسنا جميعًا في القارب نفسه؟ وهكذا يصبح "السبب المعقول"، الذي تتحجج به الدولة، عبارة مطّاطة تكفي لجعل أي مواطن احتمالًا قائمًا للشك فيه. يمكن فتح الطرود باسم الوقاية، وتبادل البيانات مع دول أخرى، وإلزام شركات التكنولوجيا والبنوك والاتصالات والمؤسسات الصحية بتسليم ما لديها عنك عند الطلب. بمعنى آخر: كل من يعرف عنك شيئًا قد يُستدعى ليشارك الدولة في الاطمئنان عليك. المفارقة أن كل ذلك يحدث باسم القلق المشروع والحماية. طبقة فوق طبقة من "الأمان" تُضاف إلى حياتك حتى لا تُصاب بنزلة برد ديمقراطية، لكن كلما زادت الطبقات صار الهواء أندر. ففي زمن القوانين الوقائية، لست مذنبًا ولا مشتبهًا به، لكنك، احتياطًا، احتمال. والاحتمال في عالم البيروقراطية كافٍ لفتح ملف صغير لك.
الدولة لا تقول إنها لا تثق بك. على العكس، تثق بك لدرجة أنها تريد أن تكون معك في كل لحظة. تراقبك من باب العاطفة، تجمع بياناتك من باب الفضول، وتحتفظ بها من باب الذكرى. خطوة بعد خطوة، تُقضم الحقوق بلا صوت، بلا ضجيج، بلا حتى اعتذار. إلى أن تجلس الدولة إلى جانبك، أو في حضنك، تنظر إلى هاتفك وتربّت على كتفك قائلة: لا تقلق، نحن هنا. سلّم أمرك لنا، ودعنا نقلق عليك حتى نكتم انفاسك!
في كندا، لا تأتي الرقابة دائمًا فجة. أحيانًا تأتي بهدوء مصحوبة بابتسامة. تبدأ من أوتاوا، حيث تُنظَّم بياناتك، وتمرّ عبر كيبيك، حيث يُعاد ترتيب سلوكك وشعورك،
لتكتشف، في النهاية، أن الدولة لا تكتفي بأن تحميك، بل قررت، بدافع المحبة، أن تقترب منك. لذلك فقد بدأت كندا اكتشاف فضيلة جديدة: الاقتراب الشديد من مواطنيها. ليس اقتراب الحبيب من حبيبه، ولا قرب الجار من جاره، بل قرب قانوني، أمني، دافئ أكثر مما ينبغي. قرب يجعل الدولة تجلس إلى جانبك على الكنبة، تراقبك، لا بدافع الشك، ما عاذ الله، بل بدافع الاطمئنان! اطمئنان يفوق، أحيانًا، حرص أم مهووسة على طفلها الوحيد.
فبينما يناقش البرلمان الكندي مشروع القانون C-2، الذي يفتح الباب أمام الشرطة للوصول إلى بياناتك دون إذن قضائي في حالات معينة، تمضي كيبيك في الاتجاه نفسه عبر مشروع القانون 13! هكذا، وبهدوء ولا ضجيج، تتقدّم الحكومتان نحو نموذج جديد من الرقابة: رقابة لا تكتفي بتنظيم السلوك، بل تقترب أكثر، لتنظّم المسافة نفسها بينك وبينهما. الجزء الأول يتناول مشروع القانون C-2، على ان يتم التطرق في الجزء الثاني الى مشروع القانون 13 الذي تدرسه كيبيك.
لنبدأ بالمشروع الفيدرالي C2. تخيّل أنك في قلعةٍ محصّنة لا تُفتح الا من الداخل. الجدران عالية، المتاريس متينة، والخنادق عميقة. كل شيء يوحي بالأمان، إلى أن تكتشف أن الخطر ليس خارج الأسوار، بل في اليد التي تمسك بالمفتاح. هذا في الخيال. أمّا في الواقع، فأنت مواطن في دولة تُسوّق نفسها بوصفها جنة الحقوق وملاذ الحريات و"قطعة سلام عاجقة الكون". يفترض أنك محميّ بسواتر قانونية: الدستور، القضاء، المؤسسات الرقابية، المجتمع المدني. حواجز وُجدت لتقف بينك وبين الدولة ولتحميك من تعسفها.
لكن الدولة، كل دولة، كائن قَلِق. القلق جزء من حمضها النووي كما وهو مكتوب على جبينها. و"المكتوب على الجبين، لازم تشوفه العين". وهي، أي الدولة، كما لخّص ماكس فيبر، تحتكر الحق الشرعي في استخدام العنف. وأضاف بيار بورديو أن هذا الاحتكار لا يقتصر على العنف المادي، بل يشمل أيضًا "العنف الرمزي"، ذلك العنف الهادئ الذي يُمارَس بالقانون، وباللغة، وبالتعميمات الرسمية، ومصحوب عادة بابتسامة ماكرة. هو عنف لا يحتاج إلى هراوة. يكفيه نص قانوني، وموافقة ضمنية من المواطنين على أن ما يجري إنما هو لمصلحتهم، طبعًا.
ولأن الدولة الحديثة لم تعد قادرة على احتكار العنف ولا سيما العنف الرمزي، نظرا لولوجنا عصر دمقرطة المعلومات الذي سحب البساط من تحت أقدامها في مجال السيطرة على السردية والقيم والتوجيه الأيديولوجي وفرض المعايير الأخلاقية والاجتماعية، اخترعت، بهدوء، احتكارًا جديدًا: القلق المشروع. تريدك أن تعتقد أنها تقلق عليك، أكثر مما تقلق أنت على نفسك. تحميك من الجريمة، ومن الإرهاب، وأحيانًا من نفسك!
من كان يتخيّل أن كندا، النموذج العالمي في الحقوق، ستناقش قانونًا يجعل المواطن يشعر وكأن القلعة التي احتمى بها تُفتح من الداخل؟ فجأة يصبح "العمل الأمني المعقّد" ذريعة لمدّ يد السلطة مباشرة إلى المواطن، بلا قاضٍ ولا إذن ولا حتى طرق خفيف على الباب. هذا، باختصار، ما يطرحه القانونC‑2. قانون يروج لخطاب مطمئن عن "تعزيز الأمن" لكنه يخفي وراءه توسيعًا لصلاحيات الشرطة والاستخبارات للحصول على معلوماتك الشخصية دون إذن قضائي مسبق. فالدولة تقول لك: لماذا نُرهق الشرطة بإذن في كل مرة؟ أليست نيتها حسنة؟ ألسنا جميعًا في القارب نفسه؟ وهكذا يصبح "السبب المعقول"، الذي تتحجج به الدولة، عبارة مطّاطة تكفي لجعل أي مواطن احتمالًا قائمًا للشك فيه. يمكن فتح الطرود باسم الوقاية، وتبادل البيانات مع دول أخرى، وإلزام شركات التكنولوجيا والبنوك والاتصالات والمؤسسات الصحية بتسليم ما لديها عنك عند الطلب. بمعنى آخر: كل من يعرف عنك شيئًا قد يُستدعى ليشارك الدولة في الاطمئنان عليك. المفارقة أن كل ذلك يحدث باسم القلق المشروع والحماية. طبقة فوق طبقة من "الأمان" تُضاف إلى حياتك حتى لا تُصاب بنزلة برد ديمقراطية، لكن كلما زادت الطبقات صار الهواء أندر. ففي زمن القوانين الوقائية، لست مذنبًا ولا مشتبهًا به، لكنك، احتياطًا، احتمال. والاحتمال في عالم البيروقراطية كافٍ لفتح ملف صغير لك.
الدولة لا تقول إنها لا تثق بك. على العكس، تثق بك لدرجة أنها تريد أن تكون معك في كل لحظة. تراقبك من باب العاطفة، تجمع بياناتك من باب الفضول، وتحتفظ بها من باب الذكرى. خطوة بعد خطوة، تُقضم الحقوق بلا صوت، بلا ضجيج، بلا حتى اعتذار. إلى أن تجلس الدولة إلى جانبك، أو في حضنك، تنظر إلى هاتفك وتربّت على كتفك قائلة: لا تقلق، نحن هنا. سلّم أمرك لنا، ودعنا نقلق عليك حتى نكتم انفاسك!
188 مشاهدة
24 أبريل, 2026
189 مشاهدة
24 أبريل, 2026
108 مشاهدة
23 أبريل, 2026