د. علي ضاهر
تجري فوق رمال مدن الملح الخليجية مسرحية عبثية أبطالها "الوافدون"، وما أكثرهم! كائنات عمّالية بشرية بخصائص خارقة: تتبخر عند أول دعسة ناقصة، وتُرحَّل عند أول هفوة، وتُجلد بيروقراطياً عند أول عطسة أقوى من المعتاد. أي كوكب آخر يملك هذه "الخصوصية" غير ممالك الملح الحارقة التي تتعامل كما يتعامل المخرج مع الكومبارس: يظهرون عند الحاجة ويُمحون عند أول خطأ!؟
ولأن العرض العبثي يحتاج ديكوراً يليق به، شُيّدت مدن الزجاج والصلب، بأبراجٍ تطاول ما بناه النمرود، لتكون خلفية مثالية لمعجزة اقتصادية يتبجح بها قادة خليجيون ومن يدور في فلكهم من نخب محلية ووافدة. معجزة قوامها ريع نفطي، لا يد لهم فيه، يتدفق من باطن الأرض، وملايين العمال العرب والآسيويين الذين دفعت دولهم الفقيرة ثمن تأهيلهم، ليأتوا إلى الخليج ويُستهلكوا بالتقسيط، مستنزفين أعمارهم وصحتهم لتجسيد تلك المعجزة على أرض الواقع.
ولكي تصبح هذه النهضة حقيقة ملموسة، جرى طحن جهد بشري هائل بإذلاله هؤلاء الوافدون، دون أن يجرؤ أحدهم على الحلم بـ"المواطنة". فالمواطنة هناك بدعة غريبة، دخيلة، لا تتماشى مع "الخصوصية القبائلية الخليجية" التي تعلو ولا يُعلى عليها. لذا، كان حتماً أن يبقى العامل وافداً، غريباً، مستباحاً، محرّماً عليه كل شيء: من التنظيم النقابي، إلى المخالطة، إلى مجرد الكلام، كي لا يفسد على أصحاب الأرض نشوة الفوقية والاستعلاء.
ولنتأمل فصول هذه المسرحية الكوميدية السوداء: يعمل الوافد صحفياً أو مهندساً أو موظفاً في المكتب نفسه مع زميله الخليجي، يتقاسمان المكيّف نفسه، لكنهما يخضعان لـ"جدول رواتب" محكوم بنظرية النشوء والارتقاء الجيني. يستحيل أن يتساويا في الحقوق. فالدم هناك له تسعيرة ثابتة. وفوق ذلك، يعيش الوافد تحت رحمة "مزاج طويل العمر". في أي لحظة يمكن شحنه ومصادرة شقى عمره بشطحة قلم، تماماً كما يحدث مع العمال الباكستانيين الذين يُرحَّلون كالبضائع منتهية الصلاحية. وقد بلغت اللعبة ذروتها السريالية في الكويت والبحرين، حيث لم يسلم حتى أولاد البلد الأصليين، فصارت الجنسية تُسحب، والحسابات البنكية تُجمّد، لتتحول المواطنة من حق إنساني إلى "عقد إيجار" مؤقت، يملك المؤجّر حق طرد المستأجر ساعة يشاء.
وهكذا، لا يعود ما يجري في الخليج مسألة غيرة أو حسد أو "ضيق عين" كما يروّج إعلام "الريال والدينار"، بل توصيفاً لمنظومة تُعيد إنتاج القبيلة بثياب حديثة، يخدمها مثقفون مطبّلون، وعنصريون يلوكون خطاب الخصوصية كتعويذة جاهزة لتبرير التمييز، في فضاء لا مكان فيه لقيم العصر ولا لروح العروبة ولا لجوهر الإسلام.
خلف واجهات أبراج مدن الرمل التي تتشدق بالحداثة أمام الكاميرات، يعمل "كتالوج سري" صُمّم بعناية للالتفاف على القوانين الحديثة: تُستخدم "الشروط الجزائية المالية" كقيود غير مرئية لتكبيل المهنيين، ويُحتجز جواز السفر تحت لافتة "الحفظ الإداري والخدمة الفندقية". فإذا تجرأ وافد وطالب بحقه، جرى تفعيل آلية "بلاغ الغياب والهروب الكيدي" لسحقه بيروقراطياً قبل أن يصل إلى عتبة المحكمة. أما الالتفاف الأبشع على التشريعات المعاصرة، تلك المكتوبة على الورق فقط لذرّ الرماد في العيون، فهو ذلك الاستعباد النقيّ الصافي البعيد عن الرقابة. فوراء الجدران المغلقة، يعيش عمال الزراعة والرعاة وعاملات المنازل في محميات معزولة، تُطبَّق فيها تركة العبودية بكل تفاصيلها القاسية، حيث يُستنزفون في صمت، بينما يواصل سادتهم رقصاتهم فوق جثثهم، مبتسمين وسط رمال الخليج.
وهكذا، فمن العبودية التي ألغيت مرورا بنظام الكفيل الذي شطب مؤخرًا والى التشريعات الحديثة التي اعتمدتها دول خليجية، يبقى القانون مجرد ديكور، والمواطنة عقد إيجار، والإنسان رقمًا في معادلة الريع. فمن يدخل بتأشيرة، يخرج، كما أراد طويل العمر، بشحطة قلم، وحتى بلا حق الاعتراض على الحبر التي كتبت فيه!
105 مشاهدة
16 مايو, 2026
163 مشاهدة
11 مايو, 2026
251 مشاهدة
29 أبريل, 2026