د. إسماعيل الحاج علي - غاتينو
الدولة والسيادة
في المأزق اللبناني الحاد، لا تكمن العلّة في أن اللبنانيين يختلفون حول الدولة والسلاح والهوية والمقاومة، بل في أن الخلاف خرج مراراً من حدود الاجتماع السياسي إلى الخارج بوصفه (اي الخارج) حكماً ورافعة ووصياً.
هنا يتشوه معنى الدولة من أساسه، لأن الدولة في النظرية السياسية الحديثة، من هوبز إلى روسو، ليست جهازاً إدارياً ولا علماً فوق مبنى، بل محاولة للخروج من حرب الجميع على الجميع، وتعبير عن إرادة عامة لا عن إرادة فئة تستأثر بالجماعة. والسيادة، في معناها الحديث، سلطة عليا داخل إقليم لا تستمد قرارها من قوة أجنبية.
لكن الدولة تفقد معناها حين تتحول من عقد داخلي إلى واجهة تستدعي الخارج على الداخل، وحين يصير الشريك الوطني عدواً يُطلب من الأجنبي أن يكسره.
عند كارل شميت تظهر السيادة في لحظة الاستثناء، أي في لحظة القرار الحاسم حين تهتز القواعد، لكن مأساة لبنان أن لحظة الاستثناء كشفت مراراً لا عن سيادة وطنية، بل عن عجز داخلي يستحضر سيادة الآخرين.
فالذي يطلب من قوة خارجية أن تحسم له خلافه مع شركائه لا يمارس السيادة، بل يعلن فقدانها. والذي يرى في الدبابة الأجنبية أو الغطاء الدولي أو الحصار فرصة لتعديل ميزان الداخل لا يبني دولة، بل يحوّل الدولة إلى قناع للهيمنة.
وهنا يفيد غرامشي في التمييز بين القيادة والهيمنة: القيادة تبني قبولاً ومشروعية داخلية، أما الهيمنة العارية فتحتاج إلى قوة تسندها حين يعجز الرضا عن حملها. ويفيد فوكو أيضاً في تذكيرنا بأن السلطة لا تعمل بالقانون وحده، بل بإنتاج الخطاب والمعنى.
لذلك يصبح الانحراف خطيراً حين تُسمّى الاستعانة بالخارج “سياسة”، وتُسمّى مقاومة الاحتلال “خروجاً على الدولة”، وتُسمّى مطالبة الضحية بالاعتراف “تهديداً للسلم الأهلي”.
هذا انقلاب في نظام المعنى لا مجرد خلاف في المفردات.
فالسيادة لا تكون سيادة إذا صارت انتقائية: تُرفع في وجه قوة داخلية نشأت من احتلال وخذلان، وتُنسى حين يدخل الخارج بسلاحه وماله وقراره.
السيادة، في معناها الأعمق، استقلال عن الخارج وعدالة في الداخل. إن انكسر الاستقلال صرنا تابعين، وإن انكسرت العدالة صرنا سجناً داخلياً، وإن انكسر الاثنان صرنا وطناً ممزقاً يتكلم باسم الدولة وهو عاجز عن إنتاج الثقة بها.
لذلك لا يجوز اختزال سؤال السيادة في نزع قوة الداخل وحده. ولا يجوز تحويل المقاومة إلى تهمة مطلقة.
ولا يجوز مطالبة جماعة مجروحة بتسليم ذاكرة خوفها قبل أن ترى دولة تحميها.
نعم، المقاومة لا تملك عصمة سياسية، ولا يجوز أن تتحول تضحياتها إلى سلطة فوق النقد.
لكن نقدها لا يكون سيادياً إلا إذا بدأ من الاعتراف بسببها: أرض اعتُدي عليها، وناس تُركوا وحدهم، ودولة غابت حين كان يجب أن تحضر. الدولة التي تريد احتكار القوة يجب أن تثبت أولاً أنها دولة حماية لا تخلٍّ، ودولة إنصاف لا انتقاء. فالسيادة الحقيقية رفض لكل استقواء: استقواء طائفة على طائفة، وحزب على دولة، ودولة أجنبية على وطن، واحتلال على جماعة، وسفارة على قرار.
ومن لا يرفض ذلك كله لا يدافع عن السيادة، بل عن ميزان قوة يخدمه. والخارج لا يأتي بريئاً ولا مجاناً، بل يأتي بمصالحه، ويغادر حين تتبدل مصالحه.
ومن يستدعيه قد يربح لحظة، لكنه يكسر الثقة الوطنية لعقود. وقد يضعف خصمه، لكنه يضعف فكرة الدولة نفسها.
الوطنية والاعتراف
ومن هنا تصبح الوطنية في لبنان سؤال اعتراف قبل أن تكون سؤال ولاء.
فالوطنية ليست ملكية رمزية لفئة تمنحها وتسحبها، ولا شهادة حسن سلوك يطلبها الأقوياء من المظلومين.
وليست محكمة هوية يُستدعى إليها من دفعوا دمهم وبيوتهم وأرضهم في مواجهة الاحتلال ليُقال لهم: عودوا إلى لبنانيتكم.
في فلسفة هيغل لا يصير الإنسان حراً في الفراغ، بل عبر الاعتراف المتبادل. وفي تطوير أكسل هونيث لهذا المعنى لا تقوم العدالة على القانون والتوزيع وحدهما، بل على صون الكرامة والذاكرة والاحترام الاجتماعي. بهذا المعنى، فإن الجماعة التي تُنكر ذاكرتها لا تشعر بأنها شريكة.
والجماعة التي يُختصر تاريخها في اتهام دائم لن ترى الدولة بيتاً عادلاً، بل قاضياً منحازاً.
لذلك يكون خطاب “عودوا إلى لبنانيتكم”، حين يوجَّه إلى جماعة عاشت الاحتلال والخذلان، خطاب نزع اعتراف لا خطاب شراكة. فهو يفترض أن هناك مالكاً أصلياً للوطن، وآخرين عليهم إثبات أهليتهم للإقامة في معناه. هنا تنحرف الوطنية إلى قومية مغلقة، كما تحذر فلسفات القومية الحديثة. فتصير الأمة امتيازاً طائفياً أو ثقافياً أو تاريخياً يقسم الناس إلى أصليين وطارئين، كاملين وناقصين، أصحاب بيت وضيوف مشروطين.
ومع ذلك، يجب ألا نقع في الخطأ المضاد، فلا نحوّل التاريخ إلى محكمة طائفية. ولا نقول إن طائفة وطنية وطائفة خائنة. ففي داخل كل جماعة لبنانية مقاومون وانعزاليون، أحرار وخائفون، أصحاب كرامة وأصحاب مصالح.
المعركة الأعمق بين منطقين: منطق الوطن كعدالة مشتركة، ومنطق الوطن كامتياز يستدعي الخارج حين يشعر بالخطر. لذلك ينبغي أن يُطرح السؤال بلا مواربة: من الذي كان، كلما ضاق به الداخل، يفتح الباب للخارج؟
من الذي استدعى القوة الأجنبية على شركائه ثم عاد يخطب عن السيادة؟ من الذي ظن أن الدبابة الوافدة تمنحه شرعية، وأن الغطاء الدولي يغسل خطيئته، وأن المحتل إذا دخل لأجله سيبقى خادماً لمشروعه؟
هنا يظهر القصور العميق في الرؤية، بل العمى التاريخي نفسه. فالمحتل، مهما طال مقامه، إلى زوال، والقوة الأجنبية لا تأتي لتبني وطناً لأحد، بل لتأخذ حاجتها من الجغرافيا والناس والخوف والانقسام. ثم تترك من استدعاها مكشوفاً أمام ذاكرة الأرض وأهلها.
لذلك، فليتنبه المستقوون بالخارج: لا تسدوا باب الرجعة، ولا تكسروا آخر جسور الشراكة. ولا تظنوا أن من تستدعونهم اليوم سيحملونكم غداً حين تتغير مصالحهم. الخارج سيذهب حين يحقق مآربه، ولن يأبه بمن سلّمه مفاتيح الداخل، أما أنتم فستبقون هنا، وجيرانكم هنا، وذاكرة الناس هنا، والجرح الذي فتحتموه هنا.
لا يُبنى لبنان بطرد أحد من لبنانيته، بل حين نقول معاً: لا سيادة مع الاستقواء بالخارج، ولا وطنية مع تبرير الاحتلال، ولا مقاومة بلا أخلاق ومساءلة، ولا دولة بلا حماية وعدالة، ولا شراكة بلا اعتراف متبادل.
الدولة والسيادة
في المأزق اللبناني الحاد، لا تكمن العلّة في أن اللبنانيين يختلفون حول الدولة والسلاح والهوية والمقاومة، بل في أن الخلاف خرج مراراً من حدود الاجتماع السياسي إلى الخارج بوصفه (اي الخارج) حكماً ورافعة ووصياً.
هنا يتشوه معنى الدولة من أساسه، لأن الدولة في النظرية السياسية الحديثة، من هوبز إلى روسو، ليست جهازاً إدارياً ولا علماً فوق مبنى، بل محاولة للخروج من حرب الجميع على الجميع، وتعبير عن إرادة عامة لا عن إرادة فئة تستأثر بالجماعة. والسيادة، في معناها الحديث، سلطة عليا داخل إقليم لا تستمد قرارها من قوة أجنبية.
لكن الدولة تفقد معناها حين تتحول من عقد داخلي إلى واجهة تستدعي الخارج على الداخل، وحين يصير الشريك الوطني عدواً يُطلب من الأجنبي أن يكسره.
عند كارل شميت تظهر السيادة في لحظة الاستثناء، أي في لحظة القرار الحاسم حين تهتز القواعد، لكن مأساة لبنان أن لحظة الاستثناء كشفت مراراً لا عن سيادة وطنية، بل عن عجز داخلي يستحضر سيادة الآخرين.
فالذي يطلب من قوة خارجية أن تحسم له خلافه مع شركائه لا يمارس السيادة، بل يعلن فقدانها. والذي يرى في الدبابة الأجنبية أو الغطاء الدولي أو الحصار فرصة لتعديل ميزان الداخل لا يبني دولة، بل يحوّل الدولة إلى قناع للهيمنة.
وهنا يفيد غرامشي في التمييز بين القيادة والهيمنة: القيادة تبني قبولاً ومشروعية داخلية، أما الهيمنة العارية فتحتاج إلى قوة تسندها حين يعجز الرضا عن حملها. ويفيد فوكو أيضاً في تذكيرنا بأن السلطة لا تعمل بالقانون وحده، بل بإنتاج الخطاب والمعنى.
لذلك يصبح الانحراف خطيراً حين تُسمّى الاستعانة بالخارج “سياسة”، وتُسمّى مقاومة الاحتلال “خروجاً على الدولة”، وتُسمّى مطالبة الضحية بالاعتراف “تهديداً للسلم الأهلي”.
هذا انقلاب في نظام المعنى لا مجرد خلاف في المفردات.
فالسيادة لا تكون سيادة إذا صارت انتقائية: تُرفع في وجه قوة داخلية نشأت من احتلال وخذلان، وتُنسى حين يدخل الخارج بسلاحه وماله وقراره.
السيادة، في معناها الأعمق، استقلال عن الخارج وعدالة في الداخل. إن انكسر الاستقلال صرنا تابعين، وإن انكسرت العدالة صرنا سجناً داخلياً، وإن انكسر الاثنان صرنا وطناً ممزقاً يتكلم باسم الدولة وهو عاجز عن إنتاج الثقة بها.
لذلك لا يجوز اختزال سؤال السيادة في نزع قوة الداخل وحده. ولا يجوز تحويل المقاومة إلى تهمة مطلقة.
ولا يجوز مطالبة جماعة مجروحة بتسليم ذاكرة خوفها قبل أن ترى دولة تحميها.
نعم، المقاومة لا تملك عصمة سياسية، ولا يجوز أن تتحول تضحياتها إلى سلطة فوق النقد.
لكن نقدها لا يكون سيادياً إلا إذا بدأ من الاعتراف بسببها: أرض اعتُدي عليها، وناس تُركوا وحدهم، ودولة غابت حين كان يجب أن تحضر. الدولة التي تريد احتكار القوة يجب أن تثبت أولاً أنها دولة حماية لا تخلٍّ، ودولة إنصاف لا انتقاء. فالسيادة الحقيقية رفض لكل استقواء: استقواء طائفة على طائفة، وحزب على دولة، ودولة أجنبية على وطن، واحتلال على جماعة، وسفارة على قرار.
ومن لا يرفض ذلك كله لا يدافع عن السيادة، بل عن ميزان قوة يخدمه. والخارج لا يأتي بريئاً ولا مجاناً، بل يأتي بمصالحه، ويغادر حين تتبدل مصالحه.
ومن يستدعيه قد يربح لحظة، لكنه يكسر الثقة الوطنية لعقود. وقد يضعف خصمه، لكنه يضعف فكرة الدولة نفسها.
الوطنية والاعتراف
ومن هنا تصبح الوطنية في لبنان سؤال اعتراف قبل أن تكون سؤال ولاء.
فالوطنية ليست ملكية رمزية لفئة تمنحها وتسحبها، ولا شهادة حسن سلوك يطلبها الأقوياء من المظلومين.
وليست محكمة هوية يُستدعى إليها من دفعوا دمهم وبيوتهم وأرضهم في مواجهة الاحتلال ليُقال لهم: عودوا إلى لبنانيتكم.
في فلسفة هيغل لا يصير الإنسان حراً في الفراغ، بل عبر الاعتراف المتبادل. وفي تطوير أكسل هونيث لهذا المعنى لا تقوم العدالة على القانون والتوزيع وحدهما، بل على صون الكرامة والذاكرة والاحترام الاجتماعي. بهذا المعنى، فإن الجماعة التي تُنكر ذاكرتها لا تشعر بأنها شريكة.
والجماعة التي يُختصر تاريخها في اتهام دائم لن ترى الدولة بيتاً عادلاً، بل قاضياً منحازاً.
لذلك يكون خطاب “عودوا إلى لبنانيتكم”، حين يوجَّه إلى جماعة عاشت الاحتلال والخذلان، خطاب نزع اعتراف لا خطاب شراكة. فهو يفترض أن هناك مالكاً أصلياً للوطن، وآخرين عليهم إثبات أهليتهم للإقامة في معناه. هنا تنحرف الوطنية إلى قومية مغلقة، كما تحذر فلسفات القومية الحديثة. فتصير الأمة امتيازاً طائفياً أو ثقافياً أو تاريخياً يقسم الناس إلى أصليين وطارئين، كاملين وناقصين، أصحاب بيت وضيوف مشروطين.
ومع ذلك، يجب ألا نقع في الخطأ المضاد، فلا نحوّل التاريخ إلى محكمة طائفية. ولا نقول إن طائفة وطنية وطائفة خائنة. ففي داخل كل جماعة لبنانية مقاومون وانعزاليون، أحرار وخائفون، أصحاب كرامة وأصحاب مصالح.
المعركة الأعمق بين منطقين: منطق الوطن كعدالة مشتركة، ومنطق الوطن كامتياز يستدعي الخارج حين يشعر بالخطر. لذلك ينبغي أن يُطرح السؤال بلا مواربة: من الذي كان، كلما ضاق به الداخل، يفتح الباب للخارج؟
من الذي استدعى القوة الأجنبية على شركائه ثم عاد يخطب عن السيادة؟ من الذي ظن أن الدبابة الوافدة تمنحه شرعية، وأن الغطاء الدولي يغسل خطيئته، وأن المحتل إذا دخل لأجله سيبقى خادماً لمشروعه؟
هنا يظهر القصور العميق في الرؤية، بل العمى التاريخي نفسه. فالمحتل، مهما طال مقامه، إلى زوال، والقوة الأجنبية لا تأتي لتبني وطناً لأحد، بل لتأخذ حاجتها من الجغرافيا والناس والخوف والانقسام. ثم تترك من استدعاها مكشوفاً أمام ذاكرة الأرض وأهلها.
لذلك، فليتنبه المستقوون بالخارج: لا تسدوا باب الرجعة، ولا تكسروا آخر جسور الشراكة. ولا تظنوا أن من تستدعونهم اليوم سيحملونكم غداً حين تتغير مصالحهم. الخارج سيذهب حين يحقق مآربه، ولن يأبه بمن سلّمه مفاتيح الداخل، أما أنتم فستبقون هنا، وجيرانكم هنا، وذاكرة الناس هنا، والجرح الذي فتحتموه هنا.
لا يُبنى لبنان بطرد أحد من لبنانيته، بل حين نقول معاً: لا سيادة مع الاستقواء بالخارج، ولا وطنية مع تبرير الاحتلال، ولا مقاومة بلا أخلاق ومساءلة، ولا دولة بلا حماية وعدالة، ولا شراكة بلا اعتراف متبادل.
113 مشاهدة
11 مايو, 2026
230 مشاهدة
29 أبريل, 2026
147 مشاهدة
20 أبريل, 2026