Sadaonline

قانون كيبيك 9 لا يحظر الرموز فحسب… إنه يقيّد الواجبات الدينية

أثار القانون اعتراضات لدى جماعات إسلامية ويهودية وسيخية ومسيحية

رأى باحث في الدراسات الدينية أن قانون العلمانية الجديد في كيبيك، المعروف باسم «القانون 9»، لا يقتصر على تنظيم الرموز الدينية الظاهرة، بل يمتد إلى تقييد واجبات وممارسات دينية يعتبرها المؤمنون جزءاً أساسياً من عقيدتهم.

وجاء ذلك في تحليل كتبه مروان القذافي، طالب دكتوراه في الدراسات الدينية بجامعة ماكماستر، ونشره موقع The Conversation Canada في 21 يوليو/تموز 2026.

ويعتبر القذافي أن النقاش العام لم يتناول بعد التحول الجوهري الذي يحمله القانون، إذ لم تعد العلمانية في كيبيك موجهة فقط إلى مظهر موظفي الدولة، بل أصبحت تتدخل في بعض الممارسات الشخصية للطلاب والعاملين والمواطنين.

منع أماكن الصلاة في كليات CEGEP

بحسب التحليل، لن يتمكن الطلاب المسلمون، ابتداءً من الأول من سبتمبر/أيلول، من استخدام أماكن مخصصة لأداء صلواتهم اليومية داخل كليات التعليم العام والمهني في كيبيك، المعروفة باسم «CEGEP».

كما قد تفقد بعض المدارس الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية المستقلة تمويلها الحكومي، فيما ستحتاج الصلوات الجماعية في الحدائق والأماكن العامة إلى موافقة البلدية.

ويتضمن القانون أيضاً قواعد تتعلق بالملابس الدينية في دور الحضانة المدعومة، وقيوداً على تقديم بعض الوجبات المعدّة وفق متطلبات دينية داخل مؤسسات عامة معينة.

وكانت الجمعية الوطنية في كيبيك قد أقرّت القانون في أبريل/نيسان 2026 بأغلبية 77 صوتاً مقابل 27.

الفرق بين «الرمز» و«الواجب»

يرى القذافي أن القانون 9 يمثل تحولاً يتجاوز قانون العلمانية السابق، المعروف باسم «القانون 21»، الذي يمنع موظفين في مواقع توصف بأنها ذات سلطة، مثل المعلمين والشرطة والقضاة، من ارتداء رموز دينية ظاهرة أثناء أداء وظائفهم.

ولتفسير الفرق، يستند الباحث إلى مفهوم «مقاصد الشريعة» في النظرية القانونية الإسلامية، ولا سيما لدى الفقيه أبي إسحاق الشاطبي، الذي اعتبر أن الأحكام الدينية ترتبط بحماية مصالح وضرورات أساسية، من بينها الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

وبناءً على ذلك، يقول القذافي إن الصلاة اليومية في الإسلام لا تُعد مجرد وسيلة لإظهار الهوية، بل فريضة ترتبط بأوقات محددة وتتطلب الوضوء واستقبال القبلة.

ومن هذا المنظور، فإن إغلاق مكان للصلاة لا يعني مطالبة الطالب بإزالة رمز خارجي، وإنما قد يضعه أمام صعوبة عملية في أداء واجب ديني محدد زمنياً.

القضية تشمل ديانات أخرى

يشدد الكاتب على أن التمييز بين الرمز والالتزام لا يخص المسلمين وحدهم. فالمريض اليهودي الذي يحتاج إلى طعام مطابق للشريعة اليهودية، أو العامل السيخي الذي يعتبر العمامة جزءاً من التزامه الديني، لا يتعاملان مع هذه المتطلبات باعتبارها خيارات تزيينية يمكن التخلي عنها بسهولة.

ويرى القذافي أن القانون يساوي بين ممارسات مختلفة في طبيعتها، عندما يتعامل مع الواجب الديني بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع رمز اختياري.

كما يعتبر أن القانون يوسّع نطاق تدخل الحكومة من تنظيم حياد مؤسسات الدولة إلى تنظيم ممارسات أشخاص لا يمارسون أي سلطة باسمها، وإنما يتميز تدينهم بكونه ظاهراً في المجال العام.

هل التوحيد يحقق الحياد؟

يدافع مؤيدو القانون، ومن بينهم الوزير المسؤول عن العلمانية واللغة الفرنسية جان فرنسوا روبيرج، عنه باعتباره وسيلة لضمان «الحياد الديني للدولة» وتطبيق قواعد متساوية على الجميع.

لكن القذافي يرى أن توحيد القواعد لا يعني بالضرورة تحقيق الحياد، لأن القاعدة الواحدة قد تترك آثاراً مختلفة على المواطنين وفق طبيعة معتقداتهم.

وبحسب تحليله، فإن التعامل مع فريضة يومية وشارة تزيينية باعتبارهما شيئاً واحداً لا يحقق المساواة تلقائياً، بل قد يعكس عدم التدقيق في طبيعة الممارسة التي يجري تقييدها.

معارضة تتجاوز المسلمين

أثار القانون اعتراضات لدى جماعات إسلامية ويهودية وسيخية ومسيحية، كما دعا رئيس أساقفة مونتريال إلى سحبه.

ويرى الكاتب أن اتساع دائرة المعارضة يدل على أن المسألة لا تتعلق بجماعة دينية واحدة، بل بالسؤال عن النموذج الذي تريد كيبيك اعتماده للعلمانية وعلاقة الدولة بالمواطنين المتدينين.

بند الاستثناء يصعّب الطعون

استخدمت حكومة كيبيك بصورة استباقية «بند الاستثناء» الوارد في الميثاق الكندي للحقوق والحريات، ما يسمح للحكومة بتعليق تطبيق بعض الحقوق الدستورية ويجعل إسقاط القانون أمام المحاكم أكثر صعوبة.

ويستطيع المعارضون الاعتراض على كيفية تطبيقه في حالات محددة أمام الهيئات الإدارية في كيبيك، والاستناد إلى ميثاق كيبيك للحقوق والحريات أو إلى التزامات كندا الدولية.

إلا أن القذافي يشير إلى أن هذه المسارات بطيئة، وقد تنجح في الحد من تطبيق القانون في حالات فردية من دون أن تؤدي إلى إلغائه بالكامل.

ويتزامن الجدل مع نظر المحكمة العليا الكندية في الطعن المتعلق بالقانون 21، بعدما استمعت إلى القضية في مارس/آذار 2026.

ورغم أن الحكم المنتظر لن يطبق مباشرة على القانون 9، فإنه قد يضع المبادئ والسوابق القانونية التي ستؤثر في الطعون المستقبلية.

أي علمانية تريدها كندا؟

يخلص القذافي إلى أن القانون 9 يطرح مفاضلة بين نموذجين للعلمانية: الأول يحافظ على حياد مؤسسات الدولة مع السماح للمواطنين المتدينين بالمشاركة الكاملة في الحياة العامة، والثاني يسعى إلى إبعاد المظاهر الدينية عن المجال العام، حتى عندما تكون مرتبطة بواجبات لا يستطيع أصحابها التخلي عنها.

ومن وجهة نظره، فإن العلمانية التي لا تميز بين الرمز الديني والواجب الديني تخاطر بالابتعاد عن مفهوم الحياد، لأنها تنتقل من تنظيم مؤسسات الدولة إلى التدخل في الممارسة الدينية للمواطنين.

المصدر: تحليل بقلم مروان القذافي، طالب دكتوراه في الدراسات الدينية بجامعة ماكماستر، نُشر في موقع The Conversation Canada. أما كيم هاني، التي يظهر اسمها أسفل الصفحة، فهي الرئيسة التنفيذية ورئيسة تحرير الموقع، وليسـت كاتبة التحليل.

قراءة التحليل الأصلي على The Conversation

*الصورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي