د. طنوس شلهوب
شهدت مونتريال أخيراً تظاهرة احتجاجاً على ما وصفه منظموها بـ«أسلمة» السوق الغذائي الكندي، بعد تأجيل مهرجان (معرض) للأغذية الحلال. لكن اللافت أن القضية لم تعد تتعلق بنوع معين من اللحوم أو بمهرجان غذائي، بل تحولت إلى حديث عن تمدد «المعايير الدينية» في السوق وفي الحياة اليومية.
وهنا أعتقد أن من المفيد طرح المسألة من زاوية مختلفة.
في أي مجتمع يقوم على حرية الفرد، يملك المواطن حق اختيار ما يستهلكه وفق قناعاته أو حاجاته، ما دام لا يفرض اختياره على الآخرين. هناك من يختار الطعام الحلال لأسباب دينية، وهناك من يختار الكوشير، وهناك النباتي الذي يرفض المنتجات الحيوانية لأسباب أخلاقية، وهناك من يفضل المنتجات العضوية، أو يتجنب مكونات معينة لأسباب صحية أو بيئية. ولا يفترض وجود هذه الخيارات أن المجتمع بأسره أصبح نباتياً أو حلالاً أو كوشيراً.
السوق، في جانب منه، يستجيب لهذه الحاجات المتنوعة. ووجود منتجات مخصصة لفئات معينة لا يعني أن هذه الفئات تفرض معاييرها على بقية المجتمع.
بل إن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا يتحول الحلال تحديداً إلى مصدر للقلق والاحتجاج؟
فإذا كان الاعتراض يتعلق باستخدام المال العام لدعم قطاع اقتصادي يستجيب لمتطلبات دينية، فمن المشروع تماماً مناقشة هذا الدعم، وقيمته، وأهدافه، ومن يستفيد منه. لكن ينبغي عندئذ اعتماد المعيار نفسه على جميع الحالات، سواء تعلق الأمر بالحلال أو بالكوشير أو بأي قطاع آخر يحصل على دعم عام.
أما أن تستوقف بعض الاحتجاجات المنتجات الحلال باعتبارها دليلاً على «أسلمة» المجتمع، بينما توجد في الأسواق الكندية مئات المنتجات التي تخضع لمعايير الكوشير ولا تُعامل بالطريقة نفسها، فهذا يطرح سؤالاً مختلفاً: هل المشكلة في المعيار الديني نفسه، أم في هوية الجماعة التي يرتبط بها هذا المعيار؟
وهنا يمكن أن يظهر أحد أشكال الإسلاموفوبيا، ليس بالضرورة في صورة كراهية معلنة للمسلمين، وإنما في تحويل ممارسة استهلاكية عادية يقوم بها جزء من المواطنين إلى علامة على «غزو» ديني للمجتمع، بينما تُعامل ممارسة دينية مشابهة لجماعة أخرى باعتبارها أمراً طبيعياً.
المسألة إذن ليست الدفاع عن الحلال في مواجهة الكوشير، ولا العكس. كلاهما يدخل في إطار حق الفرد في اختيار نمط استهلاكه. والمسألة ليست أيضاً رفض النقاش حول المال العام؛ فهذا نقاش مشروع تماماً.
المطلوب هو اعتماد معيار واحد: إذا كان الدعم الحكومي لقطاع ما موضع اعتراض، فلنناقش الدعم نفسه، أياً كان القطاع أو الدين المرتبط به. وإذا كان حق المواطن في اختيار طعامه معترفاً به، فلا ينبغي أن يتحول اختيار المسلم لطعام حلال إلى قضية أمنية أو ثقافية أو حضارية.
المشكلة تبدأ عندما نتوقف عن رؤية المواطن بوصفه مستهلكاً حراً له خيارات متعددة، ونبدأ في رؤيته أولاً من خلال هويته الدينية.
عندها لا يعود النقاش حول الطعام، بل حول نظرتنا إلى الآخر وموقعه في المجتمع.
شهدت مونتريال أخيراً تظاهرة احتجاجاً على ما وصفه منظموها بـ«أسلمة» السوق الغذائي الكندي، بعد تأجيل مهرجان (معرض) للأغذية الحلال. لكن اللافت أن القضية لم تعد تتعلق بنوع معين من اللحوم أو بمهرجان غذائي، بل تحولت إلى حديث عن تمدد «المعايير الدينية» في السوق وفي الحياة اليومية.
وهنا أعتقد أن من المفيد طرح المسألة من زاوية مختلفة.
في أي مجتمع يقوم على حرية الفرد، يملك المواطن حق اختيار ما يستهلكه وفق قناعاته أو حاجاته، ما دام لا يفرض اختياره على الآخرين. هناك من يختار الطعام الحلال لأسباب دينية، وهناك من يختار الكوشير، وهناك النباتي الذي يرفض المنتجات الحيوانية لأسباب أخلاقية، وهناك من يفضل المنتجات العضوية، أو يتجنب مكونات معينة لأسباب صحية أو بيئية. ولا يفترض وجود هذه الخيارات أن المجتمع بأسره أصبح نباتياً أو حلالاً أو كوشيراً.
السوق، في جانب منه، يستجيب لهذه الحاجات المتنوعة. ووجود منتجات مخصصة لفئات معينة لا يعني أن هذه الفئات تفرض معاييرها على بقية المجتمع.
بل إن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا يتحول الحلال تحديداً إلى مصدر للقلق والاحتجاج؟
فإذا كان الاعتراض يتعلق باستخدام المال العام لدعم قطاع اقتصادي يستجيب لمتطلبات دينية، فمن المشروع تماماً مناقشة هذا الدعم، وقيمته، وأهدافه، ومن يستفيد منه. لكن ينبغي عندئذ اعتماد المعيار نفسه على جميع الحالات، سواء تعلق الأمر بالحلال أو بالكوشير أو بأي قطاع آخر يحصل على دعم عام.
أما أن تستوقف بعض الاحتجاجات المنتجات الحلال باعتبارها دليلاً على «أسلمة» المجتمع، بينما توجد في الأسواق الكندية مئات المنتجات التي تخضع لمعايير الكوشير ولا تُعامل بالطريقة نفسها، فهذا يطرح سؤالاً مختلفاً: هل المشكلة في المعيار الديني نفسه، أم في هوية الجماعة التي يرتبط بها هذا المعيار؟
وهنا يمكن أن يظهر أحد أشكال الإسلاموفوبيا، ليس بالضرورة في صورة كراهية معلنة للمسلمين، وإنما في تحويل ممارسة استهلاكية عادية يقوم بها جزء من المواطنين إلى علامة على «غزو» ديني للمجتمع، بينما تُعامل ممارسة دينية مشابهة لجماعة أخرى باعتبارها أمراً طبيعياً.
المسألة إذن ليست الدفاع عن الحلال في مواجهة الكوشير، ولا العكس. كلاهما يدخل في إطار حق الفرد في اختيار نمط استهلاكه. والمسألة ليست أيضاً رفض النقاش حول المال العام؛ فهذا نقاش مشروع تماماً.
المطلوب هو اعتماد معيار واحد: إذا كان الدعم الحكومي لقطاع ما موضع اعتراض، فلنناقش الدعم نفسه، أياً كان القطاع أو الدين المرتبط به. وإذا كان حق المواطن في اختيار طعامه معترفاً به، فلا ينبغي أن يتحول اختيار المسلم لطعام حلال إلى قضية أمنية أو ثقافية أو حضارية.
المشكلة تبدأ عندما نتوقف عن رؤية المواطن بوصفه مستهلكاً حراً له خيارات متعددة، ونبدأ في رؤيته أولاً من خلال هويته الدينية.
عندها لا يعود النقاش حول الطعام، بل حول نظرتنا إلى الآخر وموقعه في المجتمع.
55 مشاهدة
29 سبتمبر, 2026
100 مشاهدة
28 سبتمبر, 2026
198 مشاهدة
28 سبتمبر, 2026