د. طنوس شلهوب
تجري انتخابات كيبيك لعام 2026 في مجتمع يمر بتحولات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية لا يمكن فصل النقاش الانتخابي عنها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال «لمن نصوّت؟» هو سؤال أكثر أساسية: في أي واقع اجتماعي واقتصادي تجري هذه الانتخابات، وما المصالح التي تتصارع داخله؟
بلغ مستوى العمالة في كيبيك نحو 4.59 ملايين وظيفة في أغسطس 2026، بعدما تراجع خلال الشهر بنحو 19 ألف وظيفة، فيما استقر معدل البطالة عند 5.6%. وكانت كيبيك في أغسطس المقاطعة الكندية الوحيدة التي سجلت انخفاضاً في العمالة مقارنة بالعام السابق، بلغ نحو 54 ألف وظيفة، أي 1.2%. لكن المسألة لا تتعلق بعدد الوظائف وحده، بل بطبيعتها، وبالتوازن بين العمل بدوام كامل والعمل الجزئي، وبمستوى الأجور واستقرارها وشروط العمل.
وتبقى أزمة السكن واحدة من أبرز مظاهر التناقضات الاجتماعية الراهنة. فزيادة عدد الوحدات السكنية أو ارتفاع وتيرة البناء لا تعني تلقائياً أن السكن أصبح في متناول الأسر. فالمسألة تتعلق بنوع الوحدات التي يجري بناؤها، ومواقعها، وأسعارها، ومستويات دخول الأسر القادرة على استئجارها أو شرائها.
وتتزامن هذه التحولات الاقتصادية مع تغير ديموغرافي واضح، يتمثل في استمرار نمو السكان وشيخوخة المجتمع، فيما تظل الهجرة عاملاً أساسياً في إعادة تشكيل سوق العمل والتركيبة السكانية.
الأرقام لا تقدم وحدها تفسيراً للواقع، لكنها تساعد على تحديد الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب الانتخابات: من يملك الثروة؟ من يعمل؟ كيف تتوزع الدخول؟ من يستطيع الحصول على سكن؟ من يتحمل كلفة الخدمات العامة؟ وكيف تتوزع أعباء التحولات الاقتصادية والديموغرافية بين الفئات الاجتماعية؟
فالمجتمع الكيبيكي ليس كتلة واحدة. هناك تفاوت بين أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الأعمال الصغيرة والعاملين بأجر، وبين المستأجرين ومالكي العقارات، وبين الفئات ذات الدخول المرتفعة وتلك التي تعتمد بدرجة أكبر على الخدمات العامة. كما توجد اختلافات داخل الطبقة العاملة نفسها بحسب المهنة والدخل والتعليم والوضع المهني والأصل والهجرة.
ومن هنا يصبح التحليل الطبقي ضرورياً، بحيث ينبغي أن نسأل عند قراءة أي برنامج انتخابي: من يتحمل كلفة السياسة المطبقة ومن يستفيد منها؟
القضايا المعيشية ليست هامشاً في الانتخابات
يدخل المواطن الانتخابات من واقع حياته اليومية. فهو يواجه كلفة السكن والغذاء والطاقة والنقل، ويعتمد بدرجات مختلفة على الصحة والتعليم والخدمات العامة، ويبحث عن عمل مستقر ودخل يسمح له بتأمين حياة لائقة.
ولهذا لا يكفي أن تعلن الأحزاب أنها تريد تحسين الاقتصاد أو تخفيف كلفة المعيشة. المطلوب هو النظر إلى الآليات التي تقترحها لتحقيق ذلك، وإلى توزيع نتائجها بين الفئات الاجتماعية.
فزيادة الإنفاق العام، مثلاً، يمكن أن تحسن الخدمات، لكنها تطرح سؤال التمويل. وخفض الضرائب قد يترك دخلاً إضافياً لدى الأسر، لكنه يطرح سؤالاً آخر حول أثره في الإيرادات العامة والخدمات. ودعم الشركات قد يحافظ على الاستثمار وفرص العمل، لكنه يثير بدوره سؤال المستفيد من هذا الدعم.
وبهذا المعنى، لا ينبغي قراءة الانتخابات من خلال الوعود وحدها، بل من خلال الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي تنتجها السياسات المقترحة، والفئات التي تتحمل كلفتها والفئات التي تستفيد منها.
الأحزاب: اختلاف البرامج وتداخل المصالح
تتقدم إلى الانتخابات أحزاب تختلف في تصورها لدور الدولة، والاقتصاد، والمجتمع، والهوية.
فحكومة التحالف من أجل مستقبل كيبيك (CAQ) ارتبطت خلال السنوات الماضية بسياسات تؤكد دور الدولة في بعض المجالات الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع تشديد مواقفها في قضايا الهجرة والعلمنة واللغة.
أما الحزب الليبرالي في كيبيك فيقدم تصوراً مختلفاً في عدد من الملفات، ويركز على الاقتصاد والخدمات العامة والهجرة ضمن مقاربة تختلف عن مقاربة الحكومة الحالية.
ويطرح الحزب الكيبيكي مشروعاً أكثر ارتباطاً بفكرة الدولة الوطنية الكيبيكية، مع تركيز واضح على اللغة والهوية والعلمنة والاستقلال.
أما كيبيك سوليدير فيقدم خطاباً أكثر تركيزاً على الخدمات العامة وإعادة توزيع الثروة والحقوق الاجتماعية والبيئية، إلى جانب مقاربة مختلفة لمسائل الهجرة والعلمنة.
ويقدم الحزب المحافظ في كيبيك خطاباً أكثر تركيزاً على تقليص دور الدولة في بعض المجالات الاقتصادية، مع مواقف مختلفة عن الأحزاب الأخرى في قضايا الهجرة والهوية والعلمنة.
أما الحزب الماركسي اللينيني في كيبيك (PMLQ) فينطلق من نقد بنية النظام الاقتصادي وعلاقات القوة التي تحكم الاقتصاد والمجتمع، ويضع تمكين الطبقة العاملة والشعب في مركز برنامجه السياسي.
ففي برنامجه الانتخابي لعام 2026، يربط الحزب بين الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وبين طريقة تنظيم السلطة واتخاذ القرار، ويدعو إلى تجديد العملية الديمقراطية بحيث يصبح الشعب صاحب القرار، وإلى زيادة تمويل البرامج الاجتماعية، ووضع حد لما يسميه «دفع الأموال للأغنياء»، والدفاع عن الحقوق. كما يربط قضية العمل بالسؤال الأوسع حول من يملك القرار الاقتصادي ومن يحدد أولويات الإنتاج والاستثمار.
وفيما يتعلق بالعمال والمهاجرين، يرفض الحزب التعامل مع المهاجرين باعتبارهم مجرد قوة عمل قابلة للاستخدام والاستبدال، ويربط حقوق العمال المهاجرين بحقوق الطبقة العاملة عموماً. كما يرفض استخدام الهجرة لتقسيم العاملين أو تحميل المهاجرين مسؤولية مشكلات مثل السكن والبطالة.
ومن هذه الزاوية، يشكل برنامجه جزءاً من النقاش الذي ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة الانتخابات من منظور مصالح الطبقة العاملة والمهاجرين، حتى بالنسبة إلى من لا يتفق مع مجمل تصوره السياسي. فالقراءة الجدية للانتخابات لا تقتصر على الأحزاب الرئيسية، بل تشمل أيضاً القوى التي تطرح تصورات مختلفة حول طبيعة الاقتصاد والدولة والديمقراطية وعلاقات القوة داخل المجتمع.
بين الوعود الانتخابية والحكم
تستحق تجربة حكومة التحالف من أجل مستقبل كيبيك (CAQ) منذ وصولها إلى السلطة عام 2018 وقفة خاصة، ليس فقط بسبب مواقفها الحالية، بل بسبب المسافة بين الخطاب الذي قدمت به نفسها للناخبين وبين بعض ممارساتها بعد الوصول إلى الحكم.
ففي انتخابات 2018، قدمت الكاك نفسها باعتبارها قوة تغيير قادرة على تجاوز الأحزاب القديمة، وقدمت وعوداً في مجالات الصحة والتعليم والإدارة العامة والنقل، كما التزمت بإصلاح النظام الانتخابي واعتماد نظام نسبي خلال الولاية التي بدأت بعد انتخابات 2018. وكان فرانسوا لوغو قد أعلن أن حكومته ستقدم مشروع قانون بهذا الاتجاه خلال الأشهر الاثني عشر الأولى، وأن النظام الجديد سيكون مطبقاً في انتخابات 2022.
لكن إصلاح النظام الانتخابي لم يتحقق. وهذه ليست مسألة تقنية هامشية، لأن تغيير طريقة تحويل الأصوات إلى مقاعد يرتبط مباشرة بمسألة التمثيل السياسي وبالعلاقة بين الناخب والمؤسسات المنتخبة. لذلك فإن التراجع عن مثل هذا الالتزام يطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة الوعود الانتخابية عندما تنتقل الأحزاب من موقع المعارضة إلى موقع السلطة.
والأمر نفسه يستحق النظر في مجال الخدمات العامة. ففي حملتها عام 2018، قدمت الكاك خطة صحية تضمنت، من بين أمور أخرى، توفير طبيب أسرة لجميع سكان كيبيك، وتحسين الوصول إلى الرعاية الأولية، وتقليص متوسط الانتظار في أقسام الطوارئ إلى 90 دقيقة. كما وعدت بإحداث تغيير في إدارة الدولة ومحاربة الهدر والبيروقراطية، وقدرت آنذاك أن مجموعة من الإجراءات المقترحة يمكن أن تحقق وفورات تصل إلى 800 مليون دولار سنوياً.
وهنا ينبغي أن نطرح سؤالاً يتجاوز وعود الكاك: لماذا تستطيع الأحزاب أن تقدم للناخبين وعوداً واسعة قبل الانتخابات، ثم تصبح قادرة، بعد الوصول إلى السلطة، على إعادة تعريف هذه الوعود أو تأجيلها أو التخلي عنها، من دون أن تكون هناك آلية سياسية مباشرة تتيح للمواطنين محاسبتها على كل وعد لم ينفذ؟
تكشف هذه المسألة جانباً من طبيعة الديمقراطية البرجوازية نفسها. فالانتخابات تمنح المواطنين حق اختيار ممثليهم ومنح الحزب الفائز تفويضاً للحكم، لكنها لا تمنحهم بالضرورة قدرة مستمرة على المشاركة في تحديد القرارات التي تتخذ خلال الولاية، ولا على التأثير المباشر في الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية التي تتشكل في ظل موازين القوى القائمة في المجتمع.
فالمواطن ينتقل، بمجرد انتهاء العملية الانتخابية، من موقع الناخب الذي يمنح التفويض إلى موقع المتلقي للسياسات التي تقررها السلطة. ومن هنا فإن اختزال الديمقراطية في الاقتراع الدوري يحجب سؤالاً أعمق: إلى أي حد يستطيع المجتمع، خارج لحظة الانتخابات، أن يؤثر في القرارات التي تحدد شروط حياته ومصالحه؟
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن يكون السؤال أمام الناخب في انتخابات 2026: ماذا تعدنا الأحزاب؟ فحسب، بل أيضاً: ماذا وعدتنا في الانتخابات السابقة؟ ماذا نفذت؟ ماذا تراجعت عنه؟ ومن استفاد من السياسات التي طبقتها فعلياً؟
وهذا مهم خصوصاً عند قراءة خطاب الكاك الحالي. فبعد سنوات من الحكم، لم تعد الكاك قوة سياسية يمكن تقييمها على أساس وعودها الأولى فقط، بل أصبحت سلطة تملك سجلاً يمكن مقارنته بما أعلنته سابقاً. ولذلك ينبغي أن يكون هذا السجل جزءاً من المادة التي يقرأ الناخب على أساسها الانتخابات، إلى جانب البرامج الجديدة والخطابات التي تقدمها الأحزاب.
الهجرة واللغة والهوية
تحتل الهجرة واللغة والهوية موقعاً بارزاً في السياسة الكيبيكية. ويرتبط ذلك بتاريخ كيبيك وموقع اللغة الفرنسية والعلاقة مع بقية كندا، كما يرتبط بالتغير الديموغرافي الذي شهدته المقاطعة خلال العقود الماضية.
لكن من الضروري التمييز بين مستويين. الأول يتعلق بحق المجتمع الكيبيكي في حماية لغته وثقافته وتحديد سياسات الاندماج التي يراها مناسبة. والثاني يتعلق بكيفية تنفيذ هذه السياسات، وبما إذا كانت تؤدي إلى مساواة فعلية بين المواطنين والمقيمين، أم إلى إنتاج فئات تشعر بأنها موضوعة بصورة دائمة خارج «المجتمع الكيبيكي».
وهنا تظهر أهمية الانتقال من سؤال «كم مهاجراً تستقبل كيبيك؟» إلى أسئلة أكثر ارتباطاً بالبنية الاجتماعية: في أي قطاعات يعمل المهاجرون؟ ما مستويات أجورهم؟ ما فرص تقدمهم المهني؟ ما مدى حصولهم على السكن والخدمات؟ وكيف تتوزع آثار الهجرة بين أصحاب العمل والعاملين والسكان عموماً؟
فالهجرة ليست قضية ديموغرافية فقط؛ إنها أيضاً قضية عمل وسكن وأجور وخدمات واندماج اجتماعي.
العلمنة: من المبدأ إلى طريقة التطبيق
بالنسبة إلى المواطنين المسلمين، تكتسب مسألة العلمنة أهمية إضافية. فمن حيث المبدأ، تقوم العلمنة كما تعرفها الدولة الكيبيكية على فصل الدولة عن الأديان، وحياد المؤسسات العامة، والمساواة بين المواطنين، وحرية الضمير والدين. لكن الخلاف السياسي لا يدور حول المبدأ المجرد فقط، وإنما حول كيفية تطبيقه وحدوده وآثاره العملية.
فقد تعزز إطار قانون العلمنة في 2025 و2026، مع توسيع بعض القيود المتعلقة بالرموز والممارسات الدينية إلى قطاعات ومؤسسات إضافية. وهنا يصبح السؤال السياسي مشروعاً: هل تؤدي العلمنة إلى تعزيز حياد الدولة تجاه الأديان، أم أن بعض تطبيقاتها تفرض قيوداً على ممارسة الحرية الدينية تتجاوز ما هو ضروري لضمان هذا الحياد؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة بالنسبة إلى المسلمين الذين يرتدي بعضهم رموزاً دينية ظاهرة، وعلى رأسها الحجاب. لكن من المهم في الوقت نفسه عدم الوقوع في تبسيط مقابل. فليس كل دفاع عن العلمنة تعبيراً عن عداء للإسلام، كما أن رفض بعض تطبيقاتها لا يعني رفض مبدأ حياد الدولة.
المطلوب هو التمييز بين العلمنة كمبدأ لتنظيم علاقة الدولة بالدين، وبين الطريقة التي يُترجم بها هذا المبدأ إلى قوانين وممارسات.
ولا يمكن تناول العلمنة من دون التطرق إلى الإسلاموفوبيا، لكن ينبغي أيضاً عدم استخدام المصطلح بصورة فضفاضة بحيث يصبح كل خلاف حول الدين أو العلمنة إسلاموفوبيا. فالإسلاموفوبيا تصبح مسألة سياسية واجتماعية عندما يتحول الانتماء أو المظهر الديني إلى سبب للتمييز أو الاستبعاد أو العداء.
وينبغي كذلك ألا تبقى الإسلاموفوبيا مجرد مفهوم يستعمل في الخطاب السياسي من دون محاولة النظر إلى مظاهرها الواقعية. فوفق بيانات هيئة الإحصاء الكندية، سجلت الشرطة في كندا 229 جريمة كراهية استهدفت المسلمين في 2024، مقابل 220 في 2023. وفي كيبيك ارتفع مجموع جرائم الكراهية ذات الدافع الديني، بمختلف الأديان، من 196 إلى 224 خلال الفترة نفسها. وهذه الأرقام لا تقيس كل أشكال التمييز، لكنها تظهر وجود ظاهرة يمكن قياس بعض مظاهرها.
فالتمييز ضد مسلم بسبب دينه أمر، وانتقاد معتقد ديني أو مناقشة سياسة تتعلق بالعلمنة أمر آخر. والدولة التي تريد أن تكون محايدة دينياً يفترض أن تحمي المواطنين من التمييز، أياً كانت معتقداتهم، وفي الوقت نفسه ألا تتحول إلى أداة لفرض معتقد ديني على المجتمع.
المواطن العربي والمسلم: من إثبات الحضور إلى بناء الحضور السياسي
هنا نصل إلى مسألة تبرز في الخطاب الموجه إلى المواطنين من أصول عربية ومسلمة خلال هذه الانتخابات. توجد دعوات إلى المشاركة بكثافة من أجل إثبات الحضور السياسي. ولا شك أن المشاركة السياسية مهمة، وأن امتلاك وزن انتخابي يمكن أن يمنح المجتمع قدرة أكبر على إيصال مطالبه. لكن إثبات الحضور ليس نهاية المطاف. السؤال الأهم هو: ماذا نفعل بهذا الحضور؟
هل المطلوب أن يصوت أبناء الجالية ككتلة واحدة لمجرد أنهم يشتركون في الأصل أو الدين؟ أم أن المطلوب أن يدخلوا الانتخابات باعتبارهم مواطنين لهم هوياتهم، ولكن لهم أيضاً مواقع اجتماعية ومصالح اقتصادية وحقوق مدنية؟
فالمواطن العربي أو المسلم قد يكون عاملاً، أو موظفاً، أو صاحب عمل، أو طالباً، أو متقاعداً. وقد يكون مستأجراً أو مالكاً لمسكن. وقد يختلف موقفه من الضرائب أو الخدمات العامة أو الهجرة عن موقف مواطن آخر من الخلفية نفسها. ولهذا فإن اختزال الجالية في الهوية الدينية أو الثقافية يخفي التفاوتات الموجودة داخلها.
يمكن للمواطن أن يرفض التمييز الديني وأن يهتم في الوقت نفسه بأجره وسكنه وصحة عائلته وتعليم أبنائه. ويمكنه أن يدافع عن حريته الدينية وأن تكون له مصالح اقتصادية تختلف عن مصالح مواطن آخر يشترك معه في الدين. ومن هنا فإن القوة السياسية لا تنشأ من العدد وحده، بل من القدرة على تحويل هذا العدد إلى مطالب واضحة، ومساءلة للأحزاب، ومتابعة لسياساتها.
هل تخاطب الأحزاب المواطنين أم «الجاليات»؟
هذه نقطة تستحق التوقف عندها. عندما تقترب الانتخابات، يصبح من الطبيعي أن تحاول الأحزاب الوصول إلى مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية. لكن هناك فرقاً بين مخاطبة المواطنين باعتبارهم جزءاً من المجتمع، وبين التعامل معهم باعتبارهم «جالية» يمكن استدعاؤها انتخابياً على أساس هويتها.
والسؤال الذي يمكن طرحه على جميع الأحزاب هو: هل لديكم ما تقولونه للمواطن العربي أو المسلم باعتباره مواطناً له مصالح اجتماعية واقتصادية وحقوق متساوية، أم أنكم تخاطبونه أساساً باعتباره عضواً في جماعة ثقافية أو دينية؟
هذا السؤال مهم لأن تحويل المواطنين إلى كتل هوياتية قد يؤدي إلى إخفاء المصالح الاجتماعية التي تجمعهم بالمواطنين الآخرين.
وفي المقابل، فإن تجاهل قضايا الهوية والتمييز بحجة أن «الجميع مواطنون» يمكن أن يخفي مشكلات حقيقية يعيشها بعض المواطنين بسبب أصلهم أو دينهم أو مظهرهم.
المطلوب إذن ليس إلغاء الهوية ولا تقديسها، وإنما إدخالها في تحليل اجتماعي أوسع.
ماذا نسأل الأحزاب؟
بدلاً من الاكتفاء بدعوة المواطنين العرب والمسلمين إلى التصويت، يمكن تحويل هذه الانتخابات إلى مناسبة لطرح أسئلة محددة على جميع الأحزاب:
• ما سياستكم تجاه السكن وكلفة المعيشة؟
• كيف ستتعاملون مع الأجور والعمل وشروطه؟
• ما تصوركم لمستقبل الصحة والتعليم والخدمات العامة؟
• كيف ستتوزع كلفة سياساتكم الاقتصادية؟
• ما موقفكم من الهجرة ومستوياتها وسياسات الاندماج؟
• كيف تريدون حماية اللغة الفرنسية؟
• ما موقفكم من قانون العلمنة وتطبيقاته الحالية؟
• أين تضعون الحدود بين حياد الدولة وحرية الضمير والدين؟
• كيف ستتعاملون مع الإسلاموفوبيا والتمييز الديني؟
• هل تنظرون إلى المواطنين من أصول عربية ومسلمة باعتبارهم جزءاً كاملاً من المجتمع الكيبيكي، أم باعتبارهم مجرد «جالية» انتخابية؟
هذه الأسئلة لا تعطي الناخب إجابة جاهزة، لكنها تساعده على بناء إجابته بنفسه.
كيف نقرأ الانتخابات؟
المطلوب أن نقرأ ما تقوله الأحزاب، وأن نقارن ذلك بما تقترحه فعلياً، وأن نسأل دائماً عن المصالح التي تقف وراء السياسات وعن الفئات التي ستتحمل تكلفتها.
وبالنسبة إلى المواطن المسلم، ينبغي أن تكون الأسئلة المطروحة على مختلف الأحزاب: أي السياسات تمس حياتي اليومية؟ كيف سيُطبَّق مبدأ العلمنة؟ ما حدود الحرية الدينية؟ كيف ستتعامل الحكومة مع التمييز والإسلاموفوبيا؟ وما موقف كل حزب من السكن والعمل والصحة والتعليم والضرائب والخدمات العامة؟
وعندها تصبح الهوية أحد عناصر القرار السياسي، لا العنصر الوحيد فيه.
خاتمة
المشاركة في الانتخابات مهمة، وإثبات الحضور السياسي للمواطنين من أصول عربية ومسلمة أمر مشروع. لكن الحضور السياسي لا يقاس فقط بعدد الأصوات التي تستطيع جماعة ما جمعها. الحضور الحقيقي يبدأ عندما يتحول العدد إلى قدرة على طرح الأسئلة والمطالب، ومساءلة الأحزاب، ومتابعة ما تفعله بعد الانتخابات.
لذلك لا ينبغي أن يكون الهدف أن يصوت أبناء الجالية ككتلة واحدة بسبب الهوية، كما لا ينبغي تجاهل قضايا الهوية والتمييز باسم القضايا المعيشية. المطلوب هو الجمع بين المستويين.
فالمواطن العربي أو المسلم هو في الوقت نفسه مواطن، وعامل أو موظف أو صاحب عمل، ومستأجر أو مالك، وفرد له معتقداته وهويته وحقوقه.
ومن هنا تصبح المشاركة السياسية أكثر من مجرد إثبات أننا موجودون. إنها فرصة لطرح أسئلة تتجاوز لحظة الاقتراع: أي مجتمع نريد أن نعيش فيه؟ أي سياسات نريد أن تحكم حياتنا؟ من يتحمل كلفتها؟ ومن يستفيد منها؟ وكيف يمكن أن يتحول حضورنا من رقم انتخابي إلى حضور سياسي واعٍ ومؤثر؟
تجري انتخابات كيبيك لعام 2026 في مجتمع يمر بتحولات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية لا يمكن فصل النقاش الانتخابي عنها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال «لمن نصوّت؟» هو سؤال أكثر أساسية: في أي واقع اجتماعي واقتصادي تجري هذه الانتخابات، وما المصالح التي تتصارع داخله؟
بلغ مستوى العمالة في كيبيك نحو 4.59 ملايين وظيفة في أغسطس 2026، بعدما تراجع خلال الشهر بنحو 19 ألف وظيفة، فيما استقر معدل البطالة عند 5.6%. وكانت كيبيك في أغسطس المقاطعة الكندية الوحيدة التي سجلت انخفاضاً في العمالة مقارنة بالعام السابق، بلغ نحو 54 ألف وظيفة، أي 1.2%. لكن المسألة لا تتعلق بعدد الوظائف وحده، بل بطبيعتها، وبالتوازن بين العمل بدوام كامل والعمل الجزئي، وبمستوى الأجور واستقرارها وشروط العمل.
وتبقى أزمة السكن واحدة من أبرز مظاهر التناقضات الاجتماعية الراهنة. فزيادة عدد الوحدات السكنية أو ارتفاع وتيرة البناء لا تعني تلقائياً أن السكن أصبح في متناول الأسر. فالمسألة تتعلق بنوع الوحدات التي يجري بناؤها، ومواقعها، وأسعارها، ومستويات دخول الأسر القادرة على استئجارها أو شرائها.
وتتزامن هذه التحولات الاقتصادية مع تغير ديموغرافي واضح، يتمثل في استمرار نمو السكان وشيخوخة المجتمع، فيما تظل الهجرة عاملاً أساسياً في إعادة تشكيل سوق العمل والتركيبة السكانية.
الأرقام لا تقدم وحدها تفسيراً للواقع، لكنها تساعد على تحديد الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب الانتخابات: من يملك الثروة؟ من يعمل؟ كيف تتوزع الدخول؟ من يستطيع الحصول على سكن؟ من يتحمل كلفة الخدمات العامة؟ وكيف تتوزع أعباء التحولات الاقتصادية والديموغرافية بين الفئات الاجتماعية؟
فالمجتمع الكيبيكي ليس كتلة واحدة. هناك تفاوت بين أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الأعمال الصغيرة والعاملين بأجر، وبين المستأجرين ومالكي العقارات، وبين الفئات ذات الدخول المرتفعة وتلك التي تعتمد بدرجة أكبر على الخدمات العامة. كما توجد اختلافات داخل الطبقة العاملة نفسها بحسب المهنة والدخل والتعليم والوضع المهني والأصل والهجرة.
ومن هنا يصبح التحليل الطبقي ضرورياً، بحيث ينبغي أن نسأل عند قراءة أي برنامج انتخابي: من يتحمل كلفة السياسة المطبقة ومن يستفيد منها؟
القضايا المعيشية ليست هامشاً في الانتخابات
يدخل المواطن الانتخابات من واقع حياته اليومية. فهو يواجه كلفة السكن والغذاء والطاقة والنقل، ويعتمد بدرجات مختلفة على الصحة والتعليم والخدمات العامة، ويبحث عن عمل مستقر ودخل يسمح له بتأمين حياة لائقة.
ولهذا لا يكفي أن تعلن الأحزاب أنها تريد تحسين الاقتصاد أو تخفيف كلفة المعيشة. المطلوب هو النظر إلى الآليات التي تقترحها لتحقيق ذلك، وإلى توزيع نتائجها بين الفئات الاجتماعية.
فزيادة الإنفاق العام، مثلاً، يمكن أن تحسن الخدمات، لكنها تطرح سؤال التمويل. وخفض الضرائب قد يترك دخلاً إضافياً لدى الأسر، لكنه يطرح سؤالاً آخر حول أثره في الإيرادات العامة والخدمات. ودعم الشركات قد يحافظ على الاستثمار وفرص العمل، لكنه يثير بدوره سؤال المستفيد من هذا الدعم.
وبهذا المعنى، لا ينبغي قراءة الانتخابات من خلال الوعود وحدها، بل من خلال الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي تنتجها السياسات المقترحة، والفئات التي تتحمل كلفتها والفئات التي تستفيد منها.
الأحزاب: اختلاف البرامج وتداخل المصالح
تتقدم إلى الانتخابات أحزاب تختلف في تصورها لدور الدولة، والاقتصاد، والمجتمع، والهوية.
فحكومة التحالف من أجل مستقبل كيبيك (CAQ) ارتبطت خلال السنوات الماضية بسياسات تؤكد دور الدولة في بعض المجالات الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع تشديد مواقفها في قضايا الهجرة والعلمنة واللغة.
أما الحزب الليبرالي في كيبيك فيقدم تصوراً مختلفاً في عدد من الملفات، ويركز على الاقتصاد والخدمات العامة والهجرة ضمن مقاربة تختلف عن مقاربة الحكومة الحالية.
ويطرح الحزب الكيبيكي مشروعاً أكثر ارتباطاً بفكرة الدولة الوطنية الكيبيكية، مع تركيز واضح على اللغة والهوية والعلمنة والاستقلال.
أما كيبيك سوليدير فيقدم خطاباً أكثر تركيزاً على الخدمات العامة وإعادة توزيع الثروة والحقوق الاجتماعية والبيئية، إلى جانب مقاربة مختلفة لمسائل الهجرة والعلمنة.
ويقدم الحزب المحافظ في كيبيك خطاباً أكثر تركيزاً على تقليص دور الدولة في بعض المجالات الاقتصادية، مع مواقف مختلفة عن الأحزاب الأخرى في قضايا الهجرة والهوية والعلمنة.
أما الحزب الماركسي اللينيني في كيبيك (PMLQ) فينطلق من نقد بنية النظام الاقتصادي وعلاقات القوة التي تحكم الاقتصاد والمجتمع، ويضع تمكين الطبقة العاملة والشعب في مركز برنامجه السياسي.
ففي برنامجه الانتخابي لعام 2026، يربط الحزب بين الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وبين طريقة تنظيم السلطة واتخاذ القرار، ويدعو إلى تجديد العملية الديمقراطية بحيث يصبح الشعب صاحب القرار، وإلى زيادة تمويل البرامج الاجتماعية، ووضع حد لما يسميه «دفع الأموال للأغنياء»، والدفاع عن الحقوق. كما يربط قضية العمل بالسؤال الأوسع حول من يملك القرار الاقتصادي ومن يحدد أولويات الإنتاج والاستثمار.
وفيما يتعلق بالعمال والمهاجرين، يرفض الحزب التعامل مع المهاجرين باعتبارهم مجرد قوة عمل قابلة للاستخدام والاستبدال، ويربط حقوق العمال المهاجرين بحقوق الطبقة العاملة عموماً. كما يرفض استخدام الهجرة لتقسيم العاملين أو تحميل المهاجرين مسؤولية مشكلات مثل السكن والبطالة.
ومن هذه الزاوية، يشكل برنامجه جزءاً من النقاش الذي ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة الانتخابات من منظور مصالح الطبقة العاملة والمهاجرين، حتى بالنسبة إلى من لا يتفق مع مجمل تصوره السياسي. فالقراءة الجدية للانتخابات لا تقتصر على الأحزاب الرئيسية، بل تشمل أيضاً القوى التي تطرح تصورات مختلفة حول طبيعة الاقتصاد والدولة والديمقراطية وعلاقات القوة داخل المجتمع.
بين الوعود الانتخابية والحكم
تستحق تجربة حكومة التحالف من أجل مستقبل كيبيك (CAQ) منذ وصولها إلى السلطة عام 2018 وقفة خاصة، ليس فقط بسبب مواقفها الحالية، بل بسبب المسافة بين الخطاب الذي قدمت به نفسها للناخبين وبين بعض ممارساتها بعد الوصول إلى الحكم.
ففي انتخابات 2018، قدمت الكاك نفسها باعتبارها قوة تغيير قادرة على تجاوز الأحزاب القديمة، وقدمت وعوداً في مجالات الصحة والتعليم والإدارة العامة والنقل، كما التزمت بإصلاح النظام الانتخابي واعتماد نظام نسبي خلال الولاية التي بدأت بعد انتخابات 2018. وكان فرانسوا لوغو قد أعلن أن حكومته ستقدم مشروع قانون بهذا الاتجاه خلال الأشهر الاثني عشر الأولى، وأن النظام الجديد سيكون مطبقاً في انتخابات 2022.
لكن إصلاح النظام الانتخابي لم يتحقق. وهذه ليست مسألة تقنية هامشية، لأن تغيير طريقة تحويل الأصوات إلى مقاعد يرتبط مباشرة بمسألة التمثيل السياسي وبالعلاقة بين الناخب والمؤسسات المنتخبة. لذلك فإن التراجع عن مثل هذا الالتزام يطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة الوعود الانتخابية عندما تنتقل الأحزاب من موقع المعارضة إلى موقع السلطة.
والأمر نفسه يستحق النظر في مجال الخدمات العامة. ففي حملتها عام 2018، قدمت الكاك خطة صحية تضمنت، من بين أمور أخرى، توفير طبيب أسرة لجميع سكان كيبيك، وتحسين الوصول إلى الرعاية الأولية، وتقليص متوسط الانتظار في أقسام الطوارئ إلى 90 دقيقة. كما وعدت بإحداث تغيير في إدارة الدولة ومحاربة الهدر والبيروقراطية، وقدرت آنذاك أن مجموعة من الإجراءات المقترحة يمكن أن تحقق وفورات تصل إلى 800 مليون دولار سنوياً.
وهنا ينبغي أن نطرح سؤالاً يتجاوز وعود الكاك: لماذا تستطيع الأحزاب أن تقدم للناخبين وعوداً واسعة قبل الانتخابات، ثم تصبح قادرة، بعد الوصول إلى السلطة، على إعادة تعريف هذه الوعود أو تأجيلها أو التخلي عنها، من دون أن تكون هناك آلية سياسية مباشرة تتيح للمواطنين محاسبتها على كل وعد لم ينفذ؟
تكشف هذه المسألة جانباً من طبيعة الديمقراطية البرجوازية نفسها. فالانتخابات تمنح المواطنين حق اختيار ممثليهم ومنح الحزب الفائز تفويضاً للحكم، لكنها لا تمنحهم بالضرورة قدرة مستمرة على المشاركة في تحديد القرارات التي تتخذ خلال الولاية، ولا على التأثير المباشر في الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية التي تتشكل في ظل موازين القوى القائمة في المجتمع.
فالمواطن ينتقل، بمجرد انتهاء العملية الانتخابية، من موقع الناخب الذي يمنح التفويض إلى موقع المتلقي للسياسات التي تقررها السلطة. ومن هنا فإن اختزال الديمقراطية في الاقتراع الدوري يحجب سؤالاً أعمق: إلى أي حد يستطيع المجتمع، خارج لحظة الانتخابات، أن يؤثر في القرارات التي تحدد شروط حياته ومصالحه؟
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن يكون السؤال أمام الناخب في انتخابات 2026: ماذا تعدنا الأحزاب؟ فحسب، بل أيضاً: ماذا وعدتنا في الانتخابات السابقة؟ ماذا نفذت؟ ماذا تراجعت عنه؟ ومن استفاد من السياسات التي طبقتها فعلياً؟
وهذا مهم خصوصاً عند قراءة خطاب الكاك الحالي. فبعد سنوات من الحكم، لم تعد الكاك قوة سياسية يمكن تقييمها على أساس وعودها الأولى فقط، بل أصبحت سلطة تملك سجلاً يمكن مقارنته بما أعلنته سابقاً. ولذلك ينبغي أن يكون هذا السجل جزءاً من المادة التي يقرأ الناخب على أساسها الانتخابات، إلى جانب البرامج الجديدة والخطابات التي تقدمها الأحزاب.
الهجرة واللغة والهوية
تحتل الهجرة واللغة والهوية موقعاً بارزاً في السياسة الكيبيكية. ويرتبط ذلك بتاريخ كيبيك وموقع اللغة الفرنسية والعلاقة مع بقية كندا، كما يرتبط بالتغير الديموغرافي الذي شهدته المقاطعة خلال العقود الماضية.
لكن من الضروري التمييز بين مستويين. الأول يتعلق بحق المجتمع الكيبيكي في حماية لغته وثقافته وتحديد سياسات الاندماج التي يراها مناسبة. والثاني يتعلق بكيفية تنفيذ هذه السياسات، وبما إذا كانت تؤدي إلى مساواة فعلية بين المواطنين والمقيمين، أم إلى إنتاج فئات تشعر بأنها موضوعة بصورة دائمة خارج «المجتمع الكيبيكي».
وهنا تظهر أهمية الانتقال من سؤال «كم مهاجراً تستقبل كيبيك؟» إلى أسئلة أكثر ارتباطاً بالبنية الاجتماعية: في أي قطاعات يعمل المهاجرون؟ ما مستويات أجورهم؟ ما فرص تقدمهم المهني؟ ما مدى حصولهم على السكن والخدمات؟ وكيف تتوزع آثار الهجرة بين أصحاب العمل والعاملين والسكان عموماً؟
فالهجرة ليست قضية ديموغرافية فقط؛ إنها أيضاً قضية عمل وسكن وأجور وخدمات واندماج اجتماعي.
العلمنة: من المبدأ إلى طريقة التطبيق
بالنسبة إلى المواطنين المسلمين، تكتسب مسألة العلمنة أهمية إضافية. فمن حيث المبدأ، تقوم العلمنة كما تعرفها الدولة الكيبيكية على فصل الدولة عن الأديان، وحياد المؤسسات العامة، والمساواة بين المواطنين، وحرية الضمير والدين. لكن الخلاف السياسي لا يدور حول المبدأ المجرد فقط، وإنما حول كيفية تطبيقه وحدوده وآثاره العملية.
فقد تعزز إطار قانون العلمنة في 2025 و2026، مع توسيع بعض القيود المتعلقة بالرموز والممارسات الدينية إلى قطاعات ومؤسسات إضافية. وهنا يصبح السؤال السياسي مشروعاً: هل تؤدي العلمنة إلى تعزيز حياد الدولة تجاه الأديان، أم أن بعض تطبيقاتها تفرض قيوداً على ممارسة الحرية الدينية تتجاوز ما هو ضروري لضمان هذا الحياد؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة بالنسبة إلى المسلمين الذين يرتدي بعضهم رموزاً دينية ظاهرة، وعلى رأسها الحجاب. لكن من المهم في الوقت نفسه عدم الوقوع في تبسيط مقابل. فليس كل دفاع عن العلمنة تعبيراً عن عداء للإسلام، كما أن رفض بعض تطبيقاتها لا يعني رفض مبدأ حياد الدولة.
المطلوب هو التمييز بين العلمنة كمبدأ لتنظيم علاقة الدولة بالدين، وبين الطريقة التي يُترجم بها هذا المبدأ إلى قوانين وممارسات.
ولا يمكن تناول العلمنة من دون التطرق إلى الإسلاموفوبيا، لكن ينبغي أيضاً عدم استخدام المصطلح بصورة فضفاضة بحيث يصبح كل خلاف حول الدين أو العلمنة إسلاموفوبيا. فالإسلاموفوبيا تصبح مسألة سياسية واجتماعية عندما يتحول الانتماء أو المظهر الديني إلى سبب للتمييز أو الاستبعاد أو العداء.
وينبغي كذلك ألا تبقى الإسلاموفوبيا مجرد مفهوم يستعمل في الخطاب السياسي من دون محاولة النظر إلى مظاهرها الواقعية. فوفق بيانات هيئة الإحصاء الكندية، سجلت الشرطة في كندا 229 جريمة كراهية استهدفت المسلمين في 2024، مقابل 220 في 2023. وفي كيبيك ارتفع مجموع جرائم الكراهية ذات الدافع الديني، بمختلف الأديان، من 196 إلى 224 خلال الفترة نفسها. وهذه الأرقام لا تقيس كل أشكال التمييز، لكنها تظهر وجود ظاهرة يمكن قياس بعض مظاهرها.
فالتمييز ضد مسلم بسبب دينه أمر، وانتقاد معتقد ديني أو مناقشة سياسة تتعلق بالعلمنة أمر آخر. والدولة التي تريد أن تكون محايدة دينياً يفترض أن تحمي المواطنين من التمييز، أياً كانت معتقداتهم، وفي الوقت نفسه ألا تتحول إلى أداة لفرض معتقد ديني على المجتمع.
المواطن العربي والمسلم: من إثبات الحضور إلى بناء الحضور السياسي
هنا نصل إلى مسألة تبرز في الخطاب الموجه إلى المواطنين من أصول عربية ومسلمة خلال هذه الانتخابات. توجد دعوات إلى المشاركة بكثافة من أجل إثبات الحضور السياسي. ولا شك أن المشاركة السياسية مهمة، وأن امتلاك وزن انتخابي يمكن أن يمنح المجتمع قدرة أكبر على إيصال مطالبه. لكن إثبات الحضور ليس نهاية المطاف. السؤال الأهم هو: ماذا نفعل بهذا الحضور؟
هل المطلوب أن يصوت أبناء الجالية ككتلة واحدة لمجرد أنهم يشتركون في الأصل أو الدين؟ أم أن المطلوب أن يدخلوا الانتخابات باعتبارهم مواطنين لهم هوياتهم، ولكن لهم أيضاً مواقع اجتماعية ومصالح اقتصادية وحقوق مدنية؟
فالمواطن العربي أو المسلم قد يكون عاملاً، أو موظفاً، أو صاحب عمل، أو طالباً، أو متقاعداً. وقد يكون مستأجراً أو مالكاً لمسكن. وقد يختلف موقفه من الضرائب أو الخدمات العامة أو الهجرة عن موقف مواطن آخر من الخلفية نفسها. ولهذا فإن اختزال الجالية في الهوية الدينية أو الثقافية يخفي التفاوتات الموجودة داخلها.
يمكن للمواطن أن يرفض التمييز الديني وأن يهتم في الوقت نفسه بأجره وسكنه وصحة عائلته وتعليم أبنائه. ويمكنه أن يدافع عن حريته الدينية وأن تكون له مصالح اقتصادية تختلف عن مصالح مواطن آخر يشترك معه في الدين. ومن هنا فإن القوة السياسية لا تنشأ من العدد وحده، بل من القدرة على تحويل هذا العدد إلى مطالب واضحة، ومساءلة للأحزاب، ومتابعة لسياساتها.
هل تخاطب الأحزاب المواطنين أم «الجاليات»؟
هذه نقطة تستحق التوقف عندها. عندما تقترب الانتخابات، يصبح من الطبيعي أن تحاول الأحزاب الوصول إلى مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية. لكن هناك فرقاً بين مخاطبة المواطنين باعتبارهم جزءاً من المجتمع، وبين التعامل معهم باعتبارهم «جالية» يمكن استدعاؤها انتخابياً على أساس هويتها.
والسؤال الذي يمكن طرحه على جميع الأحزاب هو: هل لديكم ما تقولونه للمواطن العربي أو المسلم باعتباره مواطناً له مصالح اجتماعية واقتصادية وحقوق متساوية، أم أنكم تخاطبونه أساساً باعتباره عضواً في جماعة ثقافية أو دينية؟
هذا السؤال مهم لأن تحويل المواطنين إلى كتل هوياتية قد يؤدي إلى إخفاء المصالح الاجتماعية التي تجمعهم بالمواطنين الآخرين.
وفي المقابل، فإن تجاهل قضايا الهوية والتمييز بحجة أن «الجميع مواطنون» يمكن أن يخفي مشكلات حقيقية يعيشها بعض المواطنين بسبب أصلهم أو دينهم أو مظهرهم.
المطلوب إذن ليس إلغاء الهوية ولا تقديسها، وإنما إدخالها في تحليل اجتماعي أوسع.
ماذا نسأل الأحزاب؟
بدلاً من الاكتفاء بدعوة المواطنين العرب والمسلمين إلى التصويت، يمكن تحويل هذه الانتخابات إلى مناسبة لطرح أسئلة محددة على جميع الأحزاب:
• ما سياستكم تجاه السكن وكلفة المعيشة؟
• كيف ستتعاملون مع الأجور والعمل وشروطه؟
• ما تصوركم لمستقبل الصحة والتعليم والخدمات العامة؟
• كيف ستتوزع كلفة سياساتكم الاقتصادية؟
• ما موقفكم من الهجرة ومستوياتها وسياسات الاندماج؟
• كيف تريدون حماية اللغة الفرنسية؟
• ما موقفكم من قانون العلمنة وتطبيقاته الحالية؟
• أين تضعون الحدود بين حياد الدولة وحرية الضمير والدين؟
• كيف ستتعاملون مع الإسلاموفوبيا والتمييز الديني؟
• هل تنظرون إلى المواطنين من أصول عربية ومسلمة باعتبارهم جزءاً كاملاً من المجتمع الكيبيكي، أم باعتبارهم مجرد «جالية» انتخابية؟
هذه الأسئلة لا تعطي الناخب إجابة جاهزة، لكنها تساعده على بناء إجابته بنفسه.
كيف نقرأ الانتخابات؟
المطلوب أن نقرأ ما تقوله الأحزاب، وأن نقارن ذلك بما تقترحه فعلياً، وأن نسأل دائماً عن المصالح التي تقف وراء السياسات وعن الفئات التي ستتحمل تكلفتها.
وبالنسبة إلى المواطن المسلم، ينبغي أن تكون الأسئلة المطروحة على مختلف الأحزاب: أي السياسات تمس حياتي اليومية؟ كيف سيُطبَّق مبدأ العلمنة؟ ما حدود الحرية الدينية؟ كيف ستتعامل الحكومة مع التمييز والإسلاموفوبيا؟ وما موقف كل حزب من السكن والعمل والصحة والتعليم والضرائب والخدمات العامة؟
وعندها تصبح الهوية أحد عناصر القرار السياسي، لا العنصر الوحيد فيه.
خاتمة
المشاركة في الانتخابات مهمة، وإثبات الحضور السياسي للمواطنين من أصول عربية ومسلمة أمر مشروع. لكن الحضور السياسي لا يقاس فقط بعدد الأصوات التي تستطيع جماعة ما جمعها. الحضور الحقيقي يبدأ عندما يتحول العدد إلى قدرة على طرح الأسئلة والمطالب، ومساءلة الأحزاب، ومتابعة ما تفعله بعد الانتخابات.
لذلك لا ينبغي أن يكون الهدف أن يصوت أبناء الجالية ككتلة واحدة بسبب الهوية، كما لا ينبغي تجاهل قضايا الهوية والتمييز باسم القضايا المعيشية. المطلوب هو الجمع بين المستويين.
فالمواطن العربي أو المسلم هو في الوقت نفسه مواطن، وعامل أو موظف أو صاحب عمل، ومستأجر أو مالك، وفرد له معتقداته وهويته وحقوقه.
ومن هنا تصبح المشاركة السياسية أكثر من مجرد إثبات أننا موجودون. إنها فرصة لطرح أسئلة تتجاوز لحظة الاقتراع: أي مجتمع نريد أن نعيش فيه؟ أي سياسات نريد أن تحكم حياتنا؟ من يتحمل كلفتها؟ ومن يستفيد منها؟ وكيف يمكن أن يتحول حضورنا من رقم انتخابي إلى حضور سياسي واعٍ ومؤثر؟
84 مشاهدة
28 سبتمبر, 2026
160 مشاهدة
28 سبتمبر, 2026
102 مشاهدة
27 سبتمبر, 2026