Sadaonline

استشهاد الشرطي الشهيد محمد الأمين بن رضوان تكسر الصورة النمطية عن المهاجرين العرب، وعائلته تعبّر عن حزنها بين الفقد والفخر: كان حلم طفولته أن يكون شرطيًا

أصول بن رضوان الجزائرية والمسلمة، وهو الذي قدّم حياته دفاعًا عن المجتمع، من شأنها أن تساهم في كسر الصور النمطية والتخفيف من تصاعد مظاهر العنصرية والتمييز

مونتريال- دارين حوماني

شكّل استشهاد الشرطي محمد الأمين بن رضوان صدمة كبيرة في مدينة مونتريال، حيث فقدت المدينة أحد عناصر الشرطة خلال أداء واجبه في حادث إطلاق نار دموي هزّ حي كوت دي نيج في 22 حزيران/ يونيو 2026. كان بن رضوان، البالغ من العمر 34 عامًا، يؤدي مهمته في حماية المواطنين عندما وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع مسلح، في حادثة انتهت بمقتله إلى جانب مدني والمشتبه به نفسه، فيما أُصيبت شرطية أخرى كان محمد يحاول حمايتها بجروح خطيرة.

بدأت تفاصيل الحادث عندما فتح النار شاب يبلغ من العمر 25 عامًا قادمًا من مقاطعة ألبرتا، يُدعى سيث سكوت هاتفيلد، ما أدى إلى تبادل كثيف لإطلاق النار بينه وبين الشرطة. وقد وصف شهود عيان المشهد بأنه كان مرعبًا، إذ سُمعت عشرات الطلقات النارية وشوهد المسلح وهو يحمل سلاحًا طويلًا ويرتدي زيًا عسكريًا. وقد عثرت السلطات على بيان من 104 صفحات وزّعه هاتفيلد قبل تنفيذ الهجوم. وتضمّن النص دعوات إلى ما وصفه بـ"ثورة عنيفة" ضد المجتمع الرأسمالي الحديث، مع خطاب يستهدف النساء وصناعة المواد الإباحية.

وأثناء التصدي لهاتفيلد، استشهد الشرطي محمد الأمين بن رضوان، في موقف يجسد التضحية القصوى في سبيل حماية الآخرين. وقد أشادت شرطة مونتريال بشجاعته واحترافيته، وكتبت على موقعها: "إن وفاته خسارة فادحة لمنظمتنا. سيبقى إحساسه بالواجب وتفانيه وكفاءته المهنية خالدة في ذاكرتنا".

 

 

كما أعلنت شرطة مونتريال عن إقامة جنازة رسمية يوم السادس من تموز/ يوليو مفتوحة للجمهور تكريمًا لذكراه، في خطوة تعكس حجم التقدير الذي حظي به. ولم تتوقف مظاهر الدعم عند هذا الحد، إذ تم إطلاق حملة تبرعات لعائلته، التي تضم زوجته الحامل وطفله الصغير زين البالغ ثلاث سنوات من العمر.

ولم يقتصر التأثّر باستشهاد بن رضوان على الشرطة، بل امتد إلى مختلف فئات المجتمع الكندي، حيث سادت حالة من الحزن والتضامن الواسع. فقد عبّرت شخصيات سياسية بارزة، من بينها رئيس الوزراء الكندي، عن تعازيها لعائلة الضحية، كما أكدت السلطات دعمها الكامل لأجهزة الأمن في هذه الظروف الصعبة. كذلك أصدرت منظمات مدنية ودينية بيانات تعزية، مشددة على رفض العنف وداعية إلى التكاتف المجتمعي في مواجهة مثل هذه الأحداث.

ومن أبرز مظاهر التضامن، تنظيم مراسم جنازة رسمية مهيبة يوم الأربعاء 24 حزيران/ يونيو 2026 حضرها قرابة الألف من أبناء الجالية العربية والمسلمة وسكان مونتريال، حيث أُقيمت صلاة الجنازة في المركز الإسلامي في سان لوران قبل أن يُدفن في المقبرة الإسلامية في لافال.

 

وخلال مراسم الجنازة، قابَل موقع صدى المشرق عضو مجلس بلدية مونتريال، ورئيس بلدية سان لوران آلان ديسوسا Alan DeSousa الذي قال: "بصفتي عضوًا في مجلس مدينة مونتريال، ورئيسًا لبلدية سان لوران، وشخصًا قريبًا جدًا من الجالية المسلمة، أتقدم بخالص التعازي إلى عائلة الفقيد، والأرملة، والأبناء، والوالدين. هذا العمل الشنيع الذي ارتُكب ضد الجالية المسلمة، التي تُشكل جزءًا كبيرًا من مجتمعنا في مونتريال. وأعتقد أنه يجب علينا تقدير شجاعتهم، وتفانيهم، وما قدّموه لمدينتنا. لذا، بصفتي رئيسًا للبلدية، أتقدم بخالص التعازي، وأعرب أيضًا عن تقديري لمحمد بن رضوان".

وأضاف ديسوسا: "إن رؤية هذا العدد الكبير من الناس هنا في المسجد، الذين قدموا من كل حدب وصوب، دون تردد، وفي وقت قصير جدًا، يُجسّد كيف تكاتفت الجالية لمواجهة هذا الحدث المأساوي".

بدوره قال عضو بلدية مونتريال عارف سالم "أودّ أن أتقدّم بخالص التعازي إلى العائلة، وقد جئت لأشارك الجالية حزنها على هذه الخسارة. نحن هنا اليوم لنقف إلى جانب العائلة، ونقف أيضًا إلى جانب الجالية، لنؤكد أنّنا في مونتريال نعيش هذا الحزن معًا".

وتابع سالم: "ربما إن كانت هناك رسالة ينبغي إيصالها، فهي رسالة الوحدة والتآخي. هذه القيم التي نعيشها يجب أن نستمرّ في الحفاظ عليها وتعزيزها".

وأضاف: "اليوم فقدنا شخصًا استُشهد بعدما قدّم حياته لإنقاذ حياة الآخرين، وهذه أيضًا رسالة بالغة الأهمية لكل من يعيش في مونتريال، كي نستمرّ في التعايش بروح الأخوّة، ونواصل حياتنا بسلام، متكاتفين ومتضامنين مع بعضنا البعض".


 

وفي كلمته لموقع صدى المشرق قال الشيخ عويس النجار: "الأخ محمد الأمين وهو من جهاز شرطة مونتريال استشهد دفاعًا عن المجتمع ومحاربة للإرهاب، وأنا أعتبرُها دفاعًا عن الصفة التي يصفنا بها البعض بأن الإرهاب من عندنا فيما نحن دعاة المحبة ودعاة السلام، ونحن نذود بأنفسنا عن الآخرين، لا يتأخر مسلم عن نصرة المظلوم وعن نصرة المجتمع، وهذا ما حصل باستشهاد الأخ محمد الأمين".

وأضاف النجار: "نثني على جهاز الشرطة بصفة عامة في مونتريال، كما ندعو بشفاء الشرطية الجريحة. وندعو لأسرة أخينا محمد الأمين بالصبر، والمجتمع بأن يقف بجانب هذه الأسرة، وأن نكون جميعًا عاملين بديننا دعاةً للمحبة وللسلام".

وتحمل هذه الحادثة أبعادًا أعمق، إذ أن أصول بن رضوان الجزائرية والمسلمة وهو الذي قدّم حياته دفاعًا عن المجتمع، من شأنها أن تساهم في كسر الصور النمطية والتخفيف من تصاعد مظاهر العنصرية والتمييز، ما يدفع للاعتراف بمساهمات جميع أفراد المجتمع، كيبيكيين ومهاجرين دون تفرقة، ويقف في وجه كل أشكال الكراهية.

كما يسلّط الحادث الضوء على مخاطر التطرف، إذ كشف عن أفكار متطرفة لدى الشاب سيث سكوت هاتفيلد. وقد دعت عدة جهات إلى ضرورة مواجهة هذه الظواهر ومعالجة جذورها الفكرية، من أجل حماية المجتمع ومنع تكرار مثل هذه المآسي.

يُعدّ محمد الأمين بن رضوان مثالًا حيًّا على الشجاعة والتفاني، إذ فقد حياته وهو يسعى لحماية الآخرين والدفاع عن أمن مونتريال. وستبقى ذكراه راسخة في وجدان سكان المدينة، ليس فقط كعنصر شرطة أدّى واجبه، بل كإنسان كرّس حياته لخدمة الناس بإخلاص. ولمعرفة جوانب أعمق من شخصيته، التقينا بعائلته لإبراز إنسانيته وروحه المحبة للعطاء، وتسليط الضوء على حضوره الدافئ داخل محيطه العائلي والاجتماعي.

الفقيد محمد بن رضوان وعائلته (من اليمين: محمد، لينا، الوالدة، أميرة، أحمد، والوالد)

تقول والدته السيدة نظيرة، بصوت يختلط فيه الحزن بالاعتزاز:

"لا أجد الكلمات حقًا. عندما حملت به، لم أكن أعلم أنني حامل بتوأم. أنا فخورة جدًا بأطفالي. وقد نجحت في تربيتهم تربية حسنة. اجتهدوا في دراستهم. أنا فخورة جدًا لأن ابني شهيد. جميع النساء العربيات المسلمات في كل مكان فخورات به، حتى غير المسلمات. محمد كان طيبًا وحنونًا، وكان يأتي دائمًا للاطمئنان عليّ. لم يكن يرفض لي طلبًا، حتى أنني لم أكن أسأله حتى عما أريد، كان يشعر بما أريده ويحققه لي حتى بدون أن أطلب منه. كان شديد الاهتمام بنا."

وتستعيد شقيقته أميرة رحلة العائلة منذ وصولها إلى كندا، ومسيرة محمد التعليمية والمهنية:

"وصلنا عام 2005  إلى مونتريال من الجزائر، وكان محمد يبلغ من العمر 13 عامًا. كنا أربعة أطفال. أنا كنت الأكبر سنًا، ومحمد، وأحمد، ولينا. عندما وصلنا، سكنّا في كوت دي نيج في شارع فان هورن. كان في الصف السابع وتابع محمد دراسته في مدرسة لا فوا. بعد ذلك، حصل على شهادة الثانوية العامة. ثم التحق بكلية أندريه لوراندو. درس تخصصًا تقنيًا. في البداية، التحق بعدة برامج في أندريه لوراندو. بعد انتقاله إلى مونتمورنسي، درس تقنيات تقييم مواقع البناء، وتقدير تكاليف البناء. بعد المرحلة التقنية، حصل على شهادة البكالوريوس من خلال من جامعة مونتريال. وبعد تخرجه، عمل لفترة وجيزة في مجال البناء، لكنه لم يُعجبه العمل".

تضيف السيدة أميرة:

"حلم محمد منذ أن كان طفلًا صغيرًا أن يصبح شرطيًا. منذ أن كان عمره خمس أو ست سنوات، كان يحب شراء سيارات الشرطة ويقلد أصواتها. كان هذا حلم طفولته أن يكون شرطيًا. بمجرد أن أنهى دراسته الجامعية وبدأ العمل في موقع البناء، حاول مرارًا وتكرارًا الانضمام إلى سلك الشرطة. في مرحلة ما، كان من الصعب على مهاجر غير كندي الانضمام إلى الشرطة. لمدة عشر سنوات، كان يحاول الانضمام إلى الشرطة. وأخيرًا، نجح في ذلك. كان فخورًا جدًا بتحقيق حلمه. حلم طفل صغير".

وتتابع أميرة:

"لم تكن أمي راضية عن انضمامه للشرطة، كان عندها اعتراض كبير. توفيت شرطية من أقاربنا (أخت مرت أخي) في حادث مع الشرطة عام 2012. كان الأمر خطيرًا للغاية بالنسبة لأمي لكنه كان مصرًّا جدًا. كان ذلك حلمًا له. وكانت هناك برنامج دبلوم للأقليات Minorities التابع لشرطة مونتريال SPVM فانضم إليها في فترة كوفيد، وتخرّج عام 2021".

الأخوة: محمد، لينا، أميرة وأحمد

 

وتضيف شقيقته لينا تفاصيل عن مرحلة تدريبه:

"انضم لمدة عام إلى برنامج تقني الانضمام للشرطة. هذا البرنامج الخاص بالأقليات. يدرس الطالب سنة ضمن الدراسات التقنية، ويكمل تدريبه في الكلية لمدة 15 أسبوعًا،. كانت فترة كوفيد وكان عليه البقاء لمدة 15 أسبوعًا خلال هذا البرنامج دون زيارة العائلة. تخرّج في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021. كانت تلك أجمل لحظات حياته. كان مُخلصًا جدًا لدراسته وتدريبه. كان يُحب عمله حقًا. لطالما دعمته زوجته، وكانت دائمًا إلى جانبه، تقدّم مرارًا للعمل مع الشرطة ولم ينجح. عند آخر محاولة أخبر زوجته أن هذه آخر محاولة له وإذا لم ينجح سينتقل إلى مهنة أخرى، ونجح يومها، رحبوا به في الشرطة، كان من أفضلهم."

وفي حديثها عن مواقف إنسانية من عمله، تقول أخته أميرة:

"ذات مرة روى لنا قصة عن فتاة صغيرة صدمتها سيارة خلال قطعها الطريق إلى الحضانة. الفتاة كانت بخير. ولكن في اليوم الثاني، ذهب محمد إلى نفس مكان الحادث لحماية المواطنين الآخرين من مثل هذا الحادث. فرآى والدة الطفلة عندما ذهب إلى هناك، وسألها عن وضع ابنتها. كتبت الأم مقالًا عن ذلك. تأثرت كثيرًا بسؤاله ومتابعته. لقد كان احترافيًا في عمله".

أما عن يوم الحادث، فتروي السيدة أميرة تفاصيله المؤلمة:

"ذهب إلى العمل مثل أي يوم عادي، سمعنا عن الحادث من القنوات الرسمية، كانوا يشيرون إلى وجود أمر مهم يحدث. عرفنا أن الرجل الذي نفّذ الجريمة كان هدفه قتل النساء. كانت مع محمد شرطية. وكان الرجل ينوي قتل الشرطية، لكن محمد وضع جسده أمامها ليحميها. لم يكن أحد آخر غير القاتل نفسه، عمره فقط 24 عامًا وقد قتلته الشرطة على الفور. كان هناك اجتماع في المكان، وقالت إحدى السيدات أنه لولا محمد لكان عدد القتلى كبيرًا."

ورغم الألم، تعبّر العائلة عن فخرها الكبير به:

"نحن فخورون جدًا به. لقد أدى واجبه تجاه المجتمع. ربما سيقلّ التمييز العنصري. سيفهمون أن محمد المهاجر الجزائري والعربي المسلم ضحّى بحياته لحماية الكنديين وسكان كيبيك. ونحن نعتبره شهيدًا في الجنة. تلقينا اتصالات من أصدقاء لم نتحدث معهم منذ أكثر من 25 عامًا. هناك أشخاص لا أعرفهم اتصلوا بنا، لم نكن نتوقع ذلك أبدًا. محمد كان لطيفًا جدًا. وكان لطيفًا جدًا مع والديه."

كما أشارت العائلة إلى تفاعل الجهات الرسمية مع الحادثة، إذ توقفت أخته أميرة عند الزيارة التي قامت بها رئيسة بلدية مونتريال سورايا مارتينيز، قائلة: "زارتنا رئيسة البلدية، السيدة سورايا مارتينيز، وتحدثت أنه ساعدها كثيرًا في جانب التمييز العنصري، وساعدها أيضًا في شمال مونتريال، حيث يكرهون الشرطة، ويعتبرون أن الشرطة تكرههم، بل العكس هو الصحيح. كما أن الرجل الآخر الذي قُتل هو يهودي وكان محمد قد حاول حمايته." كما علّقت أخته لينا "في زيارتها لنا، كانت لدى سورايا مارتينيز مشاعر عميقة وصادقة تجاهنا. الوقت الذي قضته معنا كان طويلًا وممتلئًا بالحنان والإنسانية، لم تتصرف كواجب عمل، بل كصديقة. ولأنها من المهاجرين وزوجها أيضًا من المهاجرين فهمتنا وشعرت معنا."

 

*الصورة الرئيسية عن موقع شرطة مونتريال SPVM