Sadaonline

كيف تحيي مونتريال عاشوراء؟ الإمام الحسين رمز لرفض الظلم ودعوة إلى العدل والتعايش

تشهد مدينة مونتريال عامًا بعد عام إحياءً واسعًا لذكرى عاشوراء

مونتريال- دارين حوماني

تشهد مدينة مونتريال عامًا بعد عام إحياءً واسعًا لذكرى عاشوراء، حيث تحرص الجاليات الإسلامية على تنظيم سلسلة من الفعاليات الدينية والثقافية والاجتماعية التي تستلهم قيمها من ثورة الإمام الحسين عليه السلام. وتتنوّع هذه الأنشطة بين المجالس والمسيرات العاشورائية في وسط مونتريال، إضافة إلى المبادرات المجتمعية والإنسانية، مثل حملات التبرع بالدم والبرامج التوعوية.

وتتميّز هذه الفعاليات بطابعها التفاعلي الذي يجمع بين مختلف فئات المجتمع، من الشباب والأطفال إلى الكبار، كما تسعى إلى تقديم رسالة عاشوراء بلغة معاصرة تتناسب مع طبيعة المجتمع الكندي المتعدد الثقافات. وفي هذا السياق، تُستخدم اللغتان العربية والإنكليزية والفرنسية في الخطابات والأنشطة في بعض المراكز، بهدف إيصال القيم الإنسانية التي تمثلها عاشوراء، مثل التضحية، والعدالة، والتضامن، إلى جمهور أوسع.

ولا تقتصر هذه المناسبة على البعد الديني فحسب، بل تمتد لتكون مساحة للحوار والتفاعل مع المجتمع، وتسليط الضوء على القضايا التي تواجهها الجاليات المسلمة في كيبيك تحديدًا، إضافة إلى دور المسلمين في خدمة المجتمع والمساهمة الإيجابية فيه، بما يعكس جوهر الرسالة الحسينية وروحها الإصلاحية.

في هذا التحقيق نحاور عددًا من منظمّي هذه الذكرى بمختلف أنشطتها وفعالياتها.

***

سلام الموسوي: حملة التبرّع بالدم تحمل بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الإطار التقليدي لإحياء المناسبة.

السيد سلام الموسوي من مؤسسي "أسبوع التوعية بالمسلمين" وأحد المنظمين في مسجد أهل البيت. وقد نظّم "أسبوع التوعية بالمسلمين" بالتزامن مع هذه الذكرى الحسينية حملة للتبرع بالدم بمشاركة عدد من المراكز والجمعيات، في خطوة تهدف إلى تجسيد القيم الإنسانية لثورة الإمام الحسين عليه السلام بطريقة معاصرة.

قال سلام الموسوي إن هذه المبادرة جاءت "بالتعاون والاشتراك مع عدد من المؤسسات، مثل مسجد أهل البيت، ومركز الجالية العراقية، ونادي الشباب المسلم، واتحاد الطلبة المسلمين الشيعة في جامعة كونكورديا، وكذلك المركز الحيدري"، مشيرًا إلى أن الهدف كان تنظيم حملة تبرع بالدم تحمل بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الإطار التقليدي لإحياء المناسبة.

وأوضح الموسوي أن الحملة أُقيمت في يوم محدد، بعد فترة تسجيل مسبق امتدت خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، حيث أتاح هذا التنظيم لكل مشارك اختيار الوقت المناسب له. وأضاف: "يتم التبرع من خلال حجز موعد مسبق، وقد تم هذا التنسيق مع بنك الدم في كيبيك، الذي ساهم أيضًا في طباعة الملصقات الخاصة بالحملة تحت شعار ذكرى عاشوراء وذكرى الإمام الحسين، كما تم حجز قاعة مخصصة لهذا النشاط".

وأكد أن المبادرة لا تقتصر على الجانب الصحي، بل تحمل رسالة أوسع، قائلًا: "هذه ليست مجرد مبادرة صحية، بل هي أيضًا مبادرة لإعادة الفائدة إلى المجتمع الذي نعيش فيه، وهو مجتمع كيبيك، وتسليط الضوء على الثورة الحسينية بطريقة يفهمها المجتمع غير المسلم. فكل كيس دم يمكن أن يساهم في إنقاذ حياة ثلاثة أشخاص، والحاجة إلى الدم مستمرة لجميع الفئات".

وأشار الموسوي إلى أن هذه المبادرة تُنظَّم سنويًا ضمن فعاليات مختلفة، مثل أسبوع التوعية بالمسلمين أو إحياء ذكرى الهجوم على مسجد كيبيك، وغالبًا ما تحظى بتغطية إعلامية. وأضاف: "هذه المرة قمنا بها في ذكرى الإمام الحسين، لتكون فرصة لإبراز إيجابيات الثورة الحسينية وإظهار أن المسلمين يساهمون بشكل فعّال في المجتمع".

وحول التحضيرات، أوضح أن العمل على المشروع بدأ قبل نحو ثلاثة أشهر، بالتعاون مع بنك الدم في كيبيك، وشمل حجز القاعة، وطباعة اللافتات، وتوزيعها على المراكز المشاركة، إضافة إلى تعبئة جميع المواعيد المتاحة. وأكد أن "الحرص على ملء جميع الأماكن المحجوزة كان ضروريًا لضمان مشاركة واسعة، وكذلك لإظهار الجدية، مما يساعد على تكرار التجربة في السنوات المقبلة".

وبيّن أن هذه هي المرة الأولى التي يُنظَّم فيها هذا النشاط بشكل جماعي ضمن ذكرى عاشوراء، لافتًا إلى أن بعض المراكز كانت تقوم به سابقًا بشكل فردي، ما كان يؤدي إلى مشاركة محدودة. أما هذا العام، فقد "اجتمعت عدة مراكز تحت شعار واحد هو الثورة الحسينية المباركة، ما أدى إلى مشاركة أكبر وأكثر تنظيمًا وتركيزًا".

كما أشار إلى اختلاف طبيعة التفاعل مقارنة بأسبوع التوعية بالمسلمين، حيث يكون النشاط موزعًا على عدة أيام ومواقع، ما يقلل من تركيز الضوء الإعلامي، في حين أن تنظيمه في يوم واحد ومكان مركزي هذا العام جعله "أكثر وضوحًا وتأثيرًا".

وفي سياق الحديث عن الأهداف، شد د الموسوي على أهمية ربط القيم الدينية بالواقع المعاصر، قائلًا: "إيصال الفكرة إلى المجتمع يجب أن يكون مرنًا ويتناسب مع الزمان والمكان. وكما أن الإمام الحسين عليه السلام قدّم التضحية والعطاء في زمنه، نحن اليوم بحاجة إلى وسائل معاصرة تعكس هذه القيم، ومن بينها التبرع بالدم، حيث يقدّم الإنسان جزءًا من نفسه لإحياء هذه الذكرى".

ورغم وجود بعض التحديات التنظيمية، خاصة في ما يتعلق بالتنسيق بين المراكز، أكد الموسوي أن التخطيط المسبق والعمل المشترك ساهما في تجاوز هذه الصعوبات.

وفيما يتعلق بالتعاون بين المؤسسات، أوضح أن المشاركة هذا العام اقتصرت على المراكز القريبة جغرافيًا من موقع النشاط، نظرًا لكونها التجربة الأولى من هذا النوع، مع خطط مستقبلية لتوسيع نطاق المشاركة لتشمل مراكز أخرى وزيادة عدد المتبرعين، الذي تراوح هذا العام بين 70 و80 متبرعًا في يوم واحد.

وعلى صعيد الفعاليات الأخرى، لفت إلى تنظيم مسيرة عاشورائية سنوية في وسط المدينة، إضافة إلى مسيرة الأربعين التي تشهد مشاركة أوسع من مختلف المراكز الإسلامية.

أما داخل "مسجد أهل البيت"، فتُقدَّم المجالس الدينية بأسلوب ثنائي اللغة، يجمع بين العربية والفرنسية، بهدف الوصول إلى مختلف فئات المجتمع. وقال الموسوي: "الخطيبان الشيخ مصطفى الخليل والشيخ محسن الخليل يقدّمان المحاضرات بأسلوب مرن يمزج بين اللغتين، بحيث تصل الفكرة إلى من يتقن العربية، وكذلك إلى الشباب الذين قد تكون لغتهم العربية ضعيفة".

وأضاف أن هذا الأسلوب ساهم في جذب حضور متنوع من مختلف الأعمار والخلفيات، بما في ذلك غير العرب والمنتقلين إلى الإسلام، مشيرًا إلى أن "المزج بين اللغتين ساعد على جمع الأجيال المختلفة داخل المجتمع".

كما يتم خلال وقت المحاضرات تنظيم برامج خاصة للأطفال، تراعي أعمارهم وتقدّم لهم محتوى عاشورائيًا مناسبًا، بدل الاكتفاء بتركهم دون توجيه.

وفي ختام حديثه، شدد الموسوي على أهمية استثمار هذه المناسبات في معالجة قضايا الجالية، موضحًا أنه تم خلال الليالي العاشورائية طرح بعض التحديات التي تواجه المسلمين في كيبيك، مثل القوانين المحلية، وربطها برسالة الإمام الحسين في الإصلاح.

وأضاف: "يقول الإمام الحسين: لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، إنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي، فإذا كان الإمام الحسين قد خرج لطلب الإصلاح في زمانه، فنحن أيضًا مطالبون بالسعي للإصلاح في مجتمعنا، وفق ما يتناسب مع واقعنا". داعيًا في الوقت نفسه إلى تفعيل الإمكانات المتاحة وتسليط الضوء على هذه المبادرات، إلى جانب الأنشطة التقليدية، لما لها من دور في خدمة الجالية وتعزيز حضورها الإيجابي في المجتمع الكندي.

عباس حمود: رسالتنا هي أن عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي منهج حياة

ينظّم المجمّع الإسلامي في مونتريال من كل عام في ذكرى عاشوراء إحياء المجالس الحسينية، وفي هذا السياق، يؤكد عباس حمود، أحد المنظّمين لهذه الذكرى أن المجالس العاشورائية لا تقتصر على إحياء الذكرى، بل تحمل رسالة متكاملة، موضحًا: "نقيم مجالس عاشوراء لإحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام، وبيان رسالته في الحق والعدالة والكرامة، كما نقدم برامج ثقافية وتربوية واجتماعية تناسب مختلف الفئات، من الكبار والشباب إلى الأطفال".

ويرتبط البرنامج هذا العام بشعار ﴿فاستقم﴾، المستمد من قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك ولا تطغوا﴾، حيث يشير حمود إلى أن "الاستقامة تعني الثبات على طريق الحق والعدل، وعدم الخضوع للظلم أو المساومة على الكرامة، وهذا ما جسّده الإمام الحسين عليه السلام حين وقف ثابتًا أمام الانحراف، رغم صعوبة الظروف وقلّة الناصر".

ويشارك في هذه الفعاليات نحو ألف شخص، في أجواء مفتوحة للجميع، حيث تُقدَّم الطعام والخدمات باسم الإمام الحسين عليه السلام، في مشهد يعكس روح المشاركة والتكافل داخل المجتمع.

وعلى صعيد العمل الإنساني، يوضح حمود أن المجمّع يسعى إلى دعم المبادرات بحسب الحاجة، سواء داخل كندا أو خارجها، مضيفًا: "نسعى إلى دعم المبادرات الإنسانية، سواء داخل المجتمع المحلي أو لمساندة المتضررين في لبنان أو في أي منطقة تحتاج إلى الدعم، ويتم ذلك بطريقة منظمة وشفافة، من خلال تحديد الاحتياجات والتنسيق مع جهات موثوقة لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها".

ويشير إلى أن هذا التوجه يرتبط مباشرة بمفهوم الاستقامة، معتبرًا أن "الإنسان المستقيم لا يقف متفرجًا أمام معاناة الآخرين، بل يتحمل مسؤوليته في نصرة المحتاج والمظلوم، وهذا من الدروس الأساسية التي نتعلمها من الإمام الحسين عليه السلام".

ويستفيد من هذه المبادرات مختلف فئات المجتمع، من العائلات والشباب والأطفال إلى كبار السن، إضافة إلى إمكانية توجيه الدعم نحو مناطق أخرى عند الحاجة، خصوصًا في حالات الأزمات الإنسانية. ويؤكد حمود أن "الجميع مرحّب بهم في مجالس عاشوراء والأنشطة والخدمات المقدمة باسم الإمام الحسين عليه السلام، لأن رسالته كانت رسالة حق ورحمة وكرامة للإنسان".

وفيما يتعلق بالتنظيم، يلفت إلى أن هذه الفعاليات تتطلب تحضيرًا مبكرًا وجهدًا جماعيًا، موضحًا أن العمل يتم عبر فرق من المتطوعين تتولى مختلف الجوانب، من البرامج والاستقبال إلى الخدمات والضيافة والإعلام. ويضيف: "مع مشاركة نحو ألف شخص، يصبح التخطيط الدقيق وتوزيع المسؤوليات أمرًا ضروريًا لضمان حسن سير الفعاليات".

ويعتبر أن هذا الجهد يعكس جوهر الشعار المرفوع، قائلًا: "الاستقامة ليست شعارًا فقط، بل هي التزام وانضباط وإخلاص في أداء المسؤولية، وكل متطوع يساهم في إحياء نهج الإمام الحسين عليه السلام من خلال خدمة الناس والعمل بروح التعاون".

وعن تفاعل المجتمع، يشير حمود إلى أن المشاركة تشهد تزايدًا ملحوظًا عامًا بعد عام، مع إقبال متنامٍ من مختلف الفئات العمرية، في ظل أجواء جامعة تعكس ارتباط الناس المتزايد برسالة عاشوراء. ويقول: "يجتمع نحو ألف مشارك لإحياء هذه الذكرى، وهذا يعكس إدراك الناس أن الاستقامة تعني الثبات على الحق وخدمة المجتمع وعدم الوقوف صامتين أمام الظلم".

كما تركز الأنشطة على البعد التربوي، خاصة لدى الأطفال، حيث يتم تقديم برامج عاشورائية مبسطة تساعدهم على فهم القيم الأساسية، مثل العدالة والشجاعة والصدق والمسؤولية. ويوضح حمود: "الهدف ليس فقط أن يعرف الطفل أحداث كربلاء، بل أن يفهم كيف يطبق دروسها في حياته، وأن يطلب العلم، ويقوّي إيمانه وعقله وشخصيته، ويكون قادرًا على خدمة مجتمعه والدفاع عن الحق".

ومن خلال هذا النهج، يسعى القائمون على هذه الفعاليات إلى بناء جيل واعٍ ومسؤول، يمتلك القيم والاستعداد الفكري والروحي للمساهمة في مجتمعه، مستلهمًا من سيرة الإمام الحسين عليه السلام.

أما على مستوى الأثر، فيؤكد حمود أن هذه المبادرات تسهم في تعزيز وحدة المسلمين حول مبادئ مشتركة، قائلًا: "هذه الذكرى تجمع الناس على مبادئ الحق والعدالة ورفض الظلم، وتذكّرهم بأن الإمام الحسين عليه السلام تعرّض للظلم لكنه بقي ثابتًا، وهذا يعزز الوعي بضرورة الوقوف أمام أي شكل من أشكال القهر ومساندة المحتاجين".

ورغم ما قد يواجهه التنظيم من تحديات لوجستية وتمويلية، خاصة مع الأعداد الكبيرة، يشير إلى أن هذه الصعوبات تُواجه من خلال التخطيط المسبق والعمل التطوعي وحسن إدارة الموارد، مؤكدًا أن "شعار فاستقم يذكّرنا بأن الصعوبات لا تمنعنا من أداء واجبنا، بل تدعونا إلى المزيد من الصبر والتنظيم في خدمة الناس".

وفيما يتعلق بالتعاون مع الجهات الأخرى، يوضح حمود أنه لا توجد حاجة ملحّة حاليًا للاستعانة بمؤسسات إضافية، مع وجود استعداد دائم للتعاون عند الحاجة، في إطار من التكافل المجتمعي.

وفي ختام حديثه، قال حمود: "رسالتنا هي أن عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي منهج حياة. الإمام الحسين عليه السلام علّمنا أن نستقيم على الحق، وألّا نقبل بالظلم، وأن نقف إلى جانب المحتاج والمظلوم مهما كانت الظروف".

وأضاف: "من خلال المحاضرات الدينية وسيرة الإمام الحسين ودروس كربلاء، نسعى إلى بناء وعي شبابنا وتقوية شخصيتهم، ليكونوا قادرين على مواجهة التحديات والتمييز بين الحق والباطل والوقوف بثبات أمام الانحراف".

كما لفت إلى دور العمل التطوعي في ترسيخ هذه القيم، حيث يشارك عشرات الشباب في خدمة المجالس وتقديم الطعام، ما يعزز لديهم روح المسؤولية والعطاء. وختم بالقول إن شعار ﴿فاستقم﴾ يختصر هذه الرسالة، باعتباره دعوة إلى الثبات على الحق بالإيمان والعمل والوعي، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر عدلًا وتماسكًا.

علي حداد: رسالة عاشوراء هي رفض الظلم والسعي إلى العدل والحرية

وتشهد مونتريال سنويًا تنظيم مسيرة عاشورائية يشارك فيها أبناء الجاليات الإسلامية المختلفة، في فعالية باتت تمتد لأكثر من عقدين من الزمن، وتحمل في مضمونها رسالة دينية وإنسانية تتصل بذكرى الإمام الحسين عليه السلام وما تمثله من قيم العدل ورفض الظلم. من هنا قابلنا السيد علي حداد وهو أحد منظّمي هذه المسيرة.

يؤكد علي حداد أن هذه الفعالية لا ترتبط بمركز واحد، بل تقوم على مبادرة تطوعية جماعية، موضحًا:

"لا يوجد مركز واحد مسؤول. هي مبادرة جماعية، يقودها بشكل أساسي الشباب، خصوصًا الطلاب الجامعيين أو من أصبح لديهم أعمالهم الخاصة. يتم التنظيم بشكل تطوعي، ومن دون انتماء رسمي لمركز معين".

ويشير حداد إلى أن هذا الشكل من التنظيم يعكس روح التعاون بين مختلف الجاليات، مضيفًا أن "مع اقتراب شهر محرّم يتم اللقاء والتنسيق بين أبناء الجاليات المختلفة، خاصة العراقية واللبنانية والباكستانية، إضافة إلى مشاركين من جنسيات أخرى مثل الإيرانية والعربية عمومًا، من تونس والمغرب والجزائر وغيرها، وكلٌّ بحسب محبته وتعلقه بهذه المناسبة".

وحول تاريخ المسيرة، يوضح حداد أنها تقليد ممتد منذ أكثر من ربع قرن، قائلًا:

"هذه المسيرة تُقام منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة. تُنظَّم في مونتريال في كل ذكرى من شهر محرّم، إمّا في اليوم العاشر أو في يوم الأربعين".

ويشرح أن اختيار يوم الأحد لإقامة المسيرة في كندا جاء مراعاةً لظروف العمل والحياة، حيث يتم التنسيق مسبقًا لضمان مشاركة أوسع من العائلات، مضيفًا:

"في بلداننا، خصوصًا العراق وكربلاء والأماكن المقدسة، تُقام هذه الشعائر بشكل طبيعي، لكن هنا يتم اختيار يوم الأحد قبل المناسبة حتى يتمكن أكبر عدد من العائلات من المشاركة".

ويستعيد حداد البعد الرمزي للمسيرة، موضحًا أنها تمثل مشهدًا يجسد الإمام الحسين وأهل بيته، قائلًا:
"إذا كانت المسيرة في يوم العاشر فهي مسيرة الإمام الحسين وأهل بيته من نساء ورجال وكبار وشباب، وكذلك في يوم الأربعين، حيث تُستحضر واقعة عودة أهل البيت من الشام إلى العراق. لذلك نختار يوم الأحد قبل المناسبة لتبقى هذه الذكرى حيّة في نفوس المحبين".

كما يشير إلى أن المشاركة لا تقتصر على فئة واحدة، بل تشمل طيفًا واسعًا من الجاليات، مضيفًا:
"هناك أيضًا من طوائف أخرى، مثل الباكستانيين وغيرهم، كلٌّ بحسب معتقده وتمسّكه، يشارك في إحياء هذه الذكرى، خصوصًا من اعتاد عليها في بلده".

ويربط حداد هذه المشاركة بمعانٍ دينية وإنسانية أوسع، قائلًا:

"نحن نرى فيها ردّ جميل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾، فالنبي دعا إلى حفظ أهل بيته ومودّتهم، ومن هذا المنطلق نحيي هذه الذكرى وفاءً له ولأهل بيته".

وتنطلق المسيرة من وسط مونتريال وصولًا إلى شارع "رينيه ليفيك" ثم إلى "أتواتر"، بمسافة تقارب أربعة كيلومترات، حيث يشارك فيها الرجال والنساء والأطفال، في مشهد بات جزءًا من الذاكرة السنوية للمدينة.

ويؤكد حداد أن الظروف المناخية القاسية لم تكن يومًا عائقًا أمام استمرار المسيرة، قائلًا:

"منذ بدايتها كانت تُقام حتى في ظروف مناخية قاسية، مثل درجات حرارة تصل إلى ناقص 15 أو ناقص 20، ومع ذلك يخرج المحبّون. سواء كان هناك مطر أو ثلج، فإن ما جرى على أهل البيت أعظم بكثير، وهذا يُعدّ درسًا وتدريبًا للنفس وتعليمًا للعائلة بأكملها".

ويشير إلى أن الإقبال هذا العام كان لافتًا رغم الطقس، موضحًا: "هذا العام، رغم الأمطار الشديدة والعواصف، كان الحضور بين 700 إلى 1000 شخص من نساء وأطفال وشباب".

وفي ما يتعلق برسالة المسيرة، يوضح حداد أنها تتجاوز البعد الشعائري لتصل إلى مضمون إنساني عالمي، قائلًا: "هذه المسيرة تحمل رسالة الإمام الحسين، وهي رسالة عالمية تتعلق بالصراع بين الخير والشر، وبين الحق والظلم، وهي معادلة مستمرة في كل زمان ومكان".

ويضيف أن المسيرة تهدف أيضًا إلى تعريف المجتمع بما جرى على أهل البيت، وربط ذلك بواقع الظلم في العالم اليوم، قائلًا: 

"نرى في عصرنا أشكالًا من الطغيان والظلم، من إبادة جماعية أو قهر لشعوب بسبب القوة. لذلك رسالة عاشوراء هي رفض الظلم والسعي إلى العدل والحرية والتعايش والسلام. إنها رسالة عالمية لا حدود لها".

وفي جانب التنظيم داخل المسيرة، يشير حداد إلى وجود محطات توقف تتخللها أنشطة مختلفة، موضحًا:
"هناك محطات توقف. عند نقطة الانطلاق تكون هناك أناشيد وقصائد، وكان في السابق تُقام الصلاة أيضًا، لكن القوانين تغيّرت وأصبح الأمر يحتاج إلى تصاريح خاصة".

ويضيف أن الكلمات تُلقى بعدة لغات لضمان وصول الرسالة إلى الجميع، قائلًا:

"هناك توقف عند منطقتين، حيث تُلقى كلمات بالفرنسية والإنجليزية والعربية. وفي المحطة الأخيرة أيضًا تُقدَّم كلمات باللغات الثلاث، مع التركيز على الفرنسية والإنجليزية، وفي النهاية تُقرأ زيارة الإمام الحسين".

كما يتم خلال المسيرة توزيع الماء والعصائر وبعض المأكولات على المشاركين، إضافة إلى توزيع منشورات تعريفية بالمناسبة باللغتين الفرنسية والإنجليزية، في محاولة لإيصال الرسالة إلى الجمهور العام.

ويؤكد حداد أهمية هذا التعدد اللغوي، موضحًا:

"نستخدم الفرنسية والإنكليزية من أجل الناس في الشارع ليعرفوا ما الذي يحدث، كما أن جزءًا كبيرًا من الجالية، خاصة الشباب، يتقنون هاتين اللغتين، لذلك من المهم أن تكون الرسالة مفهومة للجميع".

وعن تقييمه للمسيرة، يرى حداد أن الإيجابيات تفوق السلبيات بكثير، قائلًا:

"السلبيات قليلة جدًا، بينما الإيجابيات كثيرة. كثير من الكنديين يسيرون معنا ويتفاعلون ويسألون ويتأثرون بما يرونه".

ويضيف أن بعض المواقف الفردية التي حدثت في سنوات سابقة كانت محدودة وتم التعامل معها، مؤكدًا أن الجو العام للمسيرة هو جو سلمي ورسالي.

ويختم حداد بالقول إن الرسالة الأساسية للمسيرة هي الدعوة إلى السلام ورفض الظلم، موضحًا:
"الرسالة الأساسية هي لا للظلم، والسلام، والعيش بمحبة وتقبّل الآخر. رفض الظلم هو جوهر رسالة الإمام الحسين، وما نراه في العالم اليوم من معاناة للشعوب يؤكد الحاجة المستمرة لهذه الرسالة".

د. حسن ضامن: الأحداث في لبنان ساهمت في دفع الناس إلى الحضور والتعبير عن مشاعرهم ضمن الأجواء العاشورائية

ويواصل مركز الجالية اللبنانية في لافال (CCL) تنظيم مجالس العزاء هذا العام مع تركيز خاص هذا العام على إشراك الأطفال في الأجواء العاشورائية وتعزيز ارتباطهم المبكر بالقيم التي تمثلها هذه المناسبة.

ويؤكد د. حسن ضامن، من القائمين على المركز، أن العمل في عاشوراء لا يقتصر على البالغين، بل يمتد ليشمل الأطفال بشكل أساسي، موضحًا:

"ركّزنا بشكل عام على حضور الأطفال للمجالس الرسمية في المؤسسة، بحيث يكون كل ما يُعرض للكبار متاحًا أيضًا للصغار. لا نرى في ذلك أي مشكلة، بل نسعى إلى تعويد الأطفال على هذا الأمر. كان التركيز بشكل خاص على الأطفال دون سن الثانية عشرة، بحيث يجلسون بالقرب من المنبر ومن الشيخ، لأنهم يتأثرون أكثر عندما يكونون قريبين".

ويضيف ضامن أن الهدف من هذا النهج هو التربية التدريجية، قائلًا:

"حتى إن لم يفهموا الموضوع بشكل كامل، فنحن نربيهم بطريقة تدريجية، ليعتادوا مع الوقت، ويبدأوا بفهم القصة شيئًا فشيئًا إن شاء الله".

وعن الحملات التبرعية خلال أيام عاشوراء، يوضح أن النشاط لا يأخذ شكل حملة رسمية مخصصة، بل يعتمد على المبادرات الفردية والتبرعات المفتوحة، مشيرًا إلى أنه “مرّت لدينا ليلة أو ليلتان كانتا مخصصتين للتبرعات، ولكن بشكل عام نحن دائمًا نفتح باب التبرع المؤسسي، وليس فقط في عاشوراء”.

ويتابع موضحًا أن بعض التبرعات كانت موجهة لدعم لبنان، لكن دون إطار تنظيمي مستقل هذا العام، مضيفًا: "كان بعض الأشخاص يأتون ويقدمون المال ويطلبون تخصيصه للبنان، لكن لم تكن هناك حملة رسمية مخصصة لهذا الموضوع بسبب الضغط الكبير الذي واجهناه هذا العام".

وفي ما يتعلق بالتنظيم، يشير ضامن إلى أن الظروف اللوجستية كانت تحديًا إضافيًا، موضحًا:

"كان لدينا ضغط كبير هذه السنة، وكان الهدف أن يكون هناك كشك خاص لدعم لبنان، لكن حتى في لوبي المؤسسة اضطررنا لإضافة كراسٍ، كما أخرجنا المضائف إلى الخارج بسبب الازدحام".

ويؤكد أن إدارة التبرعات تمت عبر القنوات الداخلية والإعلان المباشر على المنبر، حيث تم توجيه الراغبين في التبرع إلى المسؤولين المختصين.

أما على مستوى التحضير، فيوضح أن العمل يبدأ قبل أشهر من انطلاق المجالس، قائلًا:

"نحن نبدأ التحضير قبل حوالي ثلاثة أشهر، وربما أكثر. يتم التواصل مع المتطوعين والقراء وكل من سيشارك على المنبر منذ وقت مبكر، بالإضافة إلى التجهيزات اللوجستية مثل الكراسي والتنظيف وباقي التفاصيل".

ويشير إلى أن هذا التخطيط المسبق ضروري لضمان سير الفعاليات بشكل منظم، خصوصًا مع اتساع حجم المشاركة.

وعن التفاعل الجماهيري هذا العام، يصف ضامن الموسم بأنه استثنائي، موضحًا: "عادة يبدأ الحضور خفيفًا في اليوم الأول والثاني، ثم يرتفع تدريجيًا حتى يصل إلى الذروة في اليوم العاشر، لكن هذا العام ومنذ البداية كان هناك حضور كبير جدًا، حتى أننا احتجنا إلى كراسٍ إضافية واستعنا بمؤسسات أخرى".

ويربط هذا الإقبال المتزايد بالأوضاع الإقليمية، قائلًا إن الأحداث في لبنان ساهمت في دفع الناس إلى الحضور والتعبير عن مشاعرهم ضمن الأجواء العاشورائية.

وفي جانب آخر، يلفت ضامن إلى أن المجالس لم تقتصر على البعد الديني التقليدي، بل تناولت قضايا اجتماعية تمس حياة الجالية، موضحًا:

"المحاضرات التي ركزنا عليها هذا العام، بالتعاون مع الشيخ حسين خميس، تناولت قضايا اجتماعية مهمة مثل المشاكل العائلية، والزواج والطلاق، والتربية، وهي قضايا تعكس واقع المجتمع بشكل مباشر".

وحول العلاقة مع الجوار والمجتمع المحيط، يشير إلى أن المركز يحرص على التواصل مع غير المسلمين وشرح طبيعة هذه الشعائر، مضيفًا:

"سعينا إلى تخصيص مضيف للتواصل مع المجتمع المحيط، بحيث يتم استقبال الناس وشرح من هو الإمام الحسين وما هي الرسالة التي نحملها، وقد كان لذلك أثر إيجابي كبير، حتى أن بعض المارة كانوا يتوقفون ويتفاعلون معنا".

ويؤكد أن تقديم الشرح بلغات يفهمها المجتمع المحلي ساعد على تعزيز التفاهم وتقليل سوء الفهم حول النشاطات الدينية.

أما في ما يتعلق بتأمين المضائف، فيوضح أن التبرعات لعبت دورًا أساسيًا، قائلًا:

"بفضل التبرعات تمكّنا من تحسين تنظيم المضائف هذا العام. فتحنا المطبخ داخل المؤسسة ليشارك الناس في إعداد الطعام، بدل أن يتحملوا الضغط في منازلهم، وبفضل هذا التعاون استمرت المضائف طوال الأيام العشرة دون أي نقص".

ويشير إلى وجود تعاون محدود مع مؤسسات أخرى خلال عاشوراء، غالبًا عبر الزيارات والتواصل، لكنه يوضح أن التعاون الأكبر يتم في مناسبات أخرى، قائلًا: "التعاون يبقى غير رسمي خلال عاشوراء، أما التعاون المؤسسي الكامل فيكون عادة في مناسبة الأربعين حيث تتوحد المؤسسات للعمل معًا".

وفي ختام حديثه، يشدد ضامن على أن رسالة عاشوراء تتجاوز الإطار التاريخي لتصبح منهجًا تربويًا واجتماعيًا، قائلًا:

"مجالس الإمام الحسين تحمل رسالة عظيمة، نحن نقلنا هذه الثقافة من بلادنا إلى هنا، ونسعى لتربية أبنائنا على قيم التضحية والوفاء والإخلاص، لأنها بالنسبة لنا تمثل المثل الأعلى في الحقيقة".