كندا وأوروبا ومحاولة بناء طريق ثالث في عالم القوى الكبرى
وليم خربوطلي* – مونتريال
عندما وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس مطلع عام 2026 متحدثاً عن الدور الجديد الذي يجب أن تلعبه «القوى الوسطى» في عالم يتجه بصورة متسارعة نحو التنافس بين القوى الكبرى، بدا خطابه يومها أقرب إلى إعلان عقيدة جديدة للسياسة الخارجية الكندية.
كانت فكرته الأساسية واضحة: الدول التي لا تملك الحجم الاقتصادي أو العسكري للولايات المتحدة أو الصين لا تستطيع حماية مصالحها إذا تعاملت منفردة مع القوى الكبرى. فحين تتفاوض دولة متوسطة منفردة مع قوة عظمى، تكون موازين القوة بطبيعتها مختلة. أما عندما تنشئ هذه الدول شبكات من التحالفات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والأمنية، فإن مجموع قوتها يمنحها قدرة أكبر على حماية استقلال قرارها.
ولعل العبارة التي اختصرت فلسفة كارني في دافوس كانت تحذيره من أن القوى الوسطى، إذا لم تكن موجودة على طاولة القرار، فقد تجد نفسها على قائمة ما يُقرَّر بشأنه. ودعا إلى بناء «شبكة كثيفة» من العلاقات في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والثقافة، وإلى تحالفات عملية تتغير بحسب الملفات بدلاً من الارتهان إلى قوة واحدة مهيمنة.
في المقال الذي كتبناه سابقاً حول ذلك الخطاب، وصلنا إلى خلاصة مفادها أن القوة بالنسبة للدول المتوسطة لم تعد فقط قوة عسكرية أو حجم اقتصاد، بل أصبحت أيضاً قوة تنظيم وتحالف وتأثير، وأن السيادة في عالم اليوم لا تعني الانعزال، بل القدرة على توسيع دائرة الخيارات.
بعد ثمانية أشهر تقريباً، انتقلت هذه النظرية من قاعة المؤتمرات في دافوس إلى أروقة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ.
من النظرية إلى التطبيق
في 16 سبتمبر 2026، وأمام البرلمان الأوروبي وبحضور مارك كارني، طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فكرة غير مسبوقة: العمل على فتح الباب أمام كندا لتصبح أول «عضو منتسب» للاتحاد الأوروبي.
لكن من المهم هنا تصحيح الانطباع الذي قد يوحي بأن العضوية أصبحت أمراً واقعاً. كندا لم تصبح بعد عضواً منتسباً، كما أن هذه الفئة القانونية لا توجد حالياً بهذا الشكل في معاهدات الاتحاد الأوروبي. ما حصل هو اقتراح سياسي واستراتيجي بإنشاء علاقة جديدة يجري تحديد مضمونها وآلياتها في المرحلة المقبلة. وفي 17 سبتمبر، رحّب كارني بالطموح الأوروبي، مؤكداً أن مضمون العلاقة أهم من التسمية، وأن أي اتفاق نهائي سيخضع للنقاش والتصويت في البرلمان الكندي.
وبذلك، نحن لا نتحدث عن انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي بالمعنى التقليدي، ولا عن تحول كندا إلى دولة أوروبية، بل عن محاولة ابتكار صيغة مؤسساتية جديدة لعلاقة أعمق بكثير من اتفاقية التجارة الحرة القائمة بين الطرفين.
فون دير لاين تحدثت عن الانتقال من CETA (معاهدة التبادل التجاري الحر الموقعة بين كندا وأوروبا في 21 سبتمبر 2017) إلى «Alliance for the Future» – تحالف من أجل المستقبل، يشمل التصنيع المتطور، والذكاء الاصطناعي، والدفاع، والطاقة، والمعادن الحرجة، والبطاريات، والأمن السيبراني، والفضاء، والأمن الاقتصادي، إضافة إلى جعل منطقة القطب الشمالي أحد مشاريع التعاون الاستراتيجي الكبرى. وقالت صراحة إن هذه الشراكة «ليست ضد أحد»، بل تهدف إلى تعزيز القوة المشتركة للطرفين.
وهنا تحديداً يظهر الرابط بين دافوس وستراسبورغ.
ما قاله كارني في دافوس كان أن القوى الوسطى يجب أن تتوقف عن العمل منفردة وأن تجمع قدراتها لبناء مسار ثالث في النظام الدولي. وما نراه اليوم بين كندا والاتحاد الأوروبي يكاد يكون التطبيق العملي لهذه النظرية.
لماذا أوروبا؟
الجغرافيا تقول إن الولايات المتحدة ستبقى الشريك الاقتصادي الطبيعي والأهم لكندا. ولا توجد سياسة واقعية تستطيع تجاهل أكبر اقتصاد ملاصق لكندا، ولا سلاسل الإنتاج والاستثمار والطاقة والنقل التي تم بناؤها بين البلدين على مدى عقود.
لكن الأرقام تكشف في الوقت نفسه حجم المخاطر الناتجة عن التركيز الشديد في سوق واحدة.
في عام 2025، ذهب نحو 72.5% من صادرات السلع الكندية إلى الولايات المتحدة. وهذه النسبة، رغم انخفاضها مقارنة بالسنوات السابقة، تعني أن أي خلاف تجاري أو رسوم جمركية أو قرار سياسي أميركي يمكن أن ينتقل بسرعة إلى المصانع والعمال والشركات الكندية. وفي المقابل، ارتفعت الصادرات الكندية إلى الأسواق غير الأميركية، كما سجلت الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي نمواً قوياً خلال الفترة نفسها.
والعلاقة الاقتصادية مع أوروبا ليست مشروعاً يبدأ من الصفر.
الاتحاد الأوروبي هو ثاني أهم شريك تجاري لكندا في السلع والخدمات، وقد بلغت قيمة التبادل التجاري بينهما قرابة 178 مليار دولار كندي في عام 2025. كما بلغ رصيد الاستثمار الأوروبي المباشر في كندا نحو 217 مليار دولار، في حين بلغ الاستثمار الكندي المباشر في دول الاتحاد الأوروبي نحو 315 مليار دولار.
أما اتفاقية CETA، التي بدأ تطبيقها المؤقت عام 2017، فقد أدت بحسب المفوضية الأوروبية إلى ارتفاع تجارة السلع بين الطرفين بنحو 75% خلال أقل من عقد.
إذاً، المشروع لا يقوم على البحث عن سوق بديلة مجهولة، بل على توسيع سوق موجودة بالفعل.
ترامب يدخل على الخط
هنا تتحول المسألة الاقتصادية إلى قضية جيوسياسية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم ينظر إلى المبادرة الأوروبية بارتياح. فقد وصف احتمال منح كندا صفة العضو المنتسب بأنه قد يشكل «عملاً عدائياً»، وهدد بفرض رسوم جمركية قاسية على أوروبا إذا اعتبرت واشنطن أن الخطوة موجهة ضد المصالح الأميركية.
أما الموقف الأوروبي فكان مختلفاً تماماً. فون دير لاين حرصت على التأكيد أن الشراكة «ليست ضد أحد»، بل هي تعاون بين دول ديمقراطية تسعى إلى زيادة قدرتها على حماية اقتصاداتها وسيادتها في نظام دولي أكثر اضطراباً.
وكارني ذهب اليوم أبعد من ذلك عندما أكد أن تعميق العلاقة مع أوروبا لا يهدف إلى استبدال الولايات المتحدة، وأن كندا الأكثر قوة والأكثر تنوعاً في علاقاتها يمكن أن تكون في النهاية شريكاً أفضل للولايات المتحدة أيضاً.
وهذه نقطة أساسية.
المعادلة ليست بالضرورة: أوروبا بدلاً من أميركا.
بل يمكن أن تصبح: أوروبا إلى جانب أميركا، وآسيا إلى جانب أوروبا، وعلاقات متعددة بدلاً من الاعتماد المفرط على سوق واحدة.
وهذا بالضبط جوهر نظرية القوى الوسطى.
أين تكمن الفوائد الاقتصادية؟
يمكن لهذه العلاقة الجديدة أن تفتح أمام كندا فرصاً في قطاعات تمتلك فيها ميزات استراتيجية واضحة.
أوروبا تحتاج إلى تنويع مصادر المعادن الحرجة والطاقة والمواد المستخدمة في البطاريات والصناعات الدفاعية، فيما تمتلك كندا موارد ضخمة وقدرات صناعية وتكنولوجية يمكن تطويرها لتلبية جزء من هذا الطلب.
وفي المقابل، تمتلك أوروبا قاعدة صناعية متقدمة، ورأس مال واستثمارات وتقنيات وأسواقاً يزيد عدد سكانها على 400 مليون نسمة.
كما تتجه المباحثات إلى تعاون أكبر في الذكاء الاصطناعي والحوسبة والأمن السيبراني والخدمات المالية والتجارة الرقمية والدفاع والطاقة والفضاء، وهي قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى من نموذج الاقتصاد القائم حصراً على تصدير المواد الخام.
وقد انضمت كندا بالفعل في فبراير 2026 إلى مبادرة SAFE الأوروبية للمشتريات الدفاعية، ما يجعل التقارب الصناعي الدفاعي بين الطرفين أكثر من مجرد خطاب سياسي.
وهنا قد تكون الفائدة الحقيقية لكندا: ليس فقط بيع المزيد من المنتجات إلى أوروبا، بل جذب استثمارات تساعد على تصنيع الموارد الكندية داخل كندا قبل تصديرها، وبالتالي خلق وظائف وصناعات وقيمة مضافة محلية.
ولكن أين تكمن المخاطر؟
التفاؤل لا يجب أن يحجب التحديات.
أولاً، السوق الأميركية لا يمكن تعويضها بسرعة. المسافة الجغرافية والبنية التحتية وسلاسل التوريد تجعل التجارة بين مونتريال أو تورونتو أو وندسور والأسواق الأميركية أسهل وأقل كلفة في كثير من القطاعات من إرسال المنتجات عبر المحيط الأطلسي.
ثانياً، السوق الأوروبية سوق منظمة بشدة، ولديها معايير بيئية وتقنية وزراعية معقدة. وبالتالي فإن فتح الأسواق قانونياً لا يعني تلقائياً قدرة كل شركة كندية على المنافسة فيها.
ثالثاً، مفهوم «العضو المنتسب» نفسه لا يزال غير محدد. فهو لا يشكل حالياً فئة منصوصاً عليها بشكل واضح في معاهدات الاتحاد الأوروبي، كما أن بعض الحكومات والدبلوماسيين الأوروبيين لا يزالون أكثر حذراً من المفوضية تجاه مدى العمق الذي يجب أن تصل إليه هذه العلاقة.
ورابعاً، هناك خطر لا يمكن تجاهله: رد الفعل الأميركي. فإذا تحولت الخلافات السياسية إلى جولة جديدة من الرسوم والإجراءات التجارية، فقد تتحمل الشركات الكندية جزءاً من الكلفة خلال فترة الانتقال قبل أن تصبح الأسواق البديلة كبيرة بما يكفي لتخفيف أثر الصدمة الأميركية.
ولهذا يجب التمييز بين المدى القصير والمتوسط والطويل.
على المدى القصير: كلفة انتقال وفرصة سياسية
خلال الأشهر المقبلة، قد تكون المكاسب الاقتصادية المباشرة محدودة نسبياً.
لن تتغير وجهة مئات مليارات الدولارات من الصادرات الكندية بين ليلة وضحاها.
لكن الفائدة الفورية تكمن في إرسال إشارة قوية إلى المستثمرين والأسواق مفادها أن كندا تبحث بصورة منظمة عن أسواق ومصادر استثمار وخيارات استراتيجية إضافية.
في الوقت نفسه، فإن المرحلة القصيرة هي الأكثر عرضة للمخاطر السياسية، ولا سيما إذا قررت إدارة ترامب التعامل مع التقارب الكندي-الأوروبي بمنطق المواجهة التجارية.
على المدى المتوسط: تبدأ الأرقام بالتغير
خلال السنوات التالية، إذا تحولت التصريحات إلى اتفاقات فعلية، يمكن أن تبدأ النتائج الاقتصادية الأكثر ملموسية.
اتفاق للتجارة الرقمية، استثمارات أوروبية جديدة، عقود دفاعية، مشاريع معادن حرجة، بنية تحتية للطاقة، تعاون في الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، وربما تسهيلات أكبر لحركة الشباب والطلاب والعمال والاستثمارات بين الطرفين.
في هذه المرحلة، لا يصبح الهدف استبدال السوق الأميركية، وإنما زيادة حصة بقية العالم من الصادرات الكندية بصورة تدريجية.
والأرقام تشير أصلاً إلى بداية هذا الاتجاه: في عام 2025 ارتفعت صادرات السلع والخدمات الكندية إلى الأسواق غير الأميركية بأكثر من 11%، بينما تراجعت الصادرات إلى الولايات المتحدة.
أما على المدى الطويل: القضية تصبح قضية سيادة
هنا أعود إلى دافوس.
الموضوع بالنسبة لكارني لم يكن مجرد زيادة الصادرات بنسبة معينة، وإنما إعادة تعريف السيادة الاقتصادية للدول المتوسطة.
الدولة التي تعتمد في تجارتها وطاقة صناعاتها ورأس مالها وتكنولوجيتها وأمنها على شريك واحد، مهما كان ذلك الشريك مهماً أو صديقاً، تبقى أكثر عرضة للضغط عندما تتغير السياسة في عاصمة ذلك الشريك.
أما الدولة التي تمتلك عدة أسواق وعدة مصادر للاستثمار وعدة تحالفات تكنولوجية وأمنية، فإنها تمتلك مساحة أكبر للمناورة.
السيادة هنا ليست الابتعاد عن الشركاء، بل امتلاك حرية الاختيار بينهم.
من دافوس إلى ستراسبورغ
من هذا المنطلق، ما حدث في ستراسبورغ لا يبدو منفصلاً عن خطاب دافوس، بل نتيجة منطقية له.
في دافوس قال كارني، بالمعنى السياسي، إن زمن اعتماد القوى الوسطى على حماية قوة عظمى واحدة قد أصبح أكثر خطورة، وإن الدول المتوسطة تحتاج إلى العمل معاً.
وفي ستراسبورغ، بدأت كندا وأوروبا البحث عن الشكل المؤسساتي الذي يمكن أن يحول تلك النظرية إلى واقع.
قد تنجح صيغة «العضو المنتسب»، وقد تتغير التسمية بالكامل أثناء المفاوضات. وربما تكون النتيجة في النهاية مجموعة اتفاقات اقتصادية ودفاعية وتكنولوجية بدلاً من عضوية بالمعنى التقليدي.
الاسم ليس هو الأهم.
الأهم هو الاتجاه.
وفي تقديري الشخصي ،لا أعتقد أن مصلحة كندا تكمن في إدارة ظهرها للولايات المتحدة. الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد يجعلان العلاقة الأميركية ركناً أساسياً لا يمكن ولا ينبغي تجاهله.
لكنني أعتقد أيضاً أن الاعتماد المفرط على سوق واحدة لم يعد استراتيجية آمنة في عالم أصبحت فيه التجارة والرسوم الجمركية والطاقة والتكنولوجيا أدوات سياسية.
لذلك أرى أن تعميق العلاقة مع أوروبا، إذا تم بطريقة مدروسة تحافظ على السيادة الكندية وعلى علاقاتنا الاقتصادية مع الولايات المتحدة، يمكن أن يكون إيجابياً جداً لكندا على المدى الطويل.
وقد لا نلمس الجزء الأكبر من فوائده غداً أو بعد سنة.
على المدى القصير قد تكون هناك تكاليف ومقاومة واضطرابات وحتى ضغوط تجارية.
وعلى المدى المتوسط تبدأ الاستثمارات والأسواق وسلاسل التوريد الجديدة بإحداث أثرها.
أما على المدى الطويل، فإن المكسب الأكبر قد لا يكون مجرد أرقام إضافية في الصادرات، بل بناء اقتصاد كندي أكثر تنوعاً، وأكثر استقلالاً، وأقل عرضة لقرار سياسي يصدر من عاصمة واحدة.
وهنا تكتمل الدائرة بين دافوس وستراسبورغ:
ما طرحه كارني في دافوس كنظرية للقوى الوسطى، بدأ اليوم يتحول إلى مشروع سياسي واقتصادي حقيقي.
وفي عالم تعود فيه القوى الكبرى إلى استخدام حجم أسواقها ونفوذها لفرض شروطها، ربما لا يكون أمام الدول المتوسطة خيار بين التحالف والاستقلال.
ربما يصبح التحالف المدروس نفسه أحد أهم أدوات الاستقلال.
*محام، وسيط ومحكم.
27 مشاهدة
17 سبتمبر, 2026
215 مشاهدة
16 سبتمبر, 2026
76 مشاهدة
14 سبتمبر, 2026