د. طنوس شلهوب - مونتريال
لست، في العادة، ممن يدخلون في نقاشات حول العقائد الدينية، انطلاقاً من إيماني بحرية الاعتقاد وحرية المؤمنين في ممارسة دينهم، وبالقدر نفسه بحرية من لا يؤمن بالدين، بما في ذلك حرية الإلحاد. فالمعتقد شأن لا ينبغي أن يكون موضوعاً للإكراه، كما لا ينبغي أن تتحول الاختلافات العقائدية إلى سبب للعداء أو التمييز.
لكنني توقفت أمام نص الشيخ أحمد قنديل، «بين ثبات العقيدة وحرمة الدماء» المنشور في "صدى المشرق"، لا لمناقشة صحة العقيدة من داخل مرجعيتها الفقهية، وإنما لأن النص يتجاوز النقاش العقائدي الخاص إلى قضايا تتصل بالوظيفة الاجتماعية والسياسية للدين، وموقعه في المجتمع، وعلاقته بالآخر والقانون، والهجرة، والاندماج، والهوية.
وحين تنتقل العقيدة من مجال الإيمان الشخصي إلى المجال العام، وتبدأ في تحديد المواقف من حقوق الآخرين والقانون وطبيعة المجتمع، تصبح جزءًا من النقاش الاجتماعي العام، شأنها شأن أي منظومة أفكار وقيم تؤثر في العلاقات بين البشر. ومن هنا تأتي مشروعية نقدها، من دون أن يعني ذلك الانتقاص من حرية الاعتقاد.
أولا: ما الذي يحسب للنص؟
يقدم الشيخ قنديل خطاباً يسعى إلى معالجة قضيتين متداخلتين: حادثة برلين وما يمكن أن يترتب عليها من تعميم للمسؤولية على المسلمين، وما يواجهه المسلمون في كندا من تحديات ثقافية وفكرية، ولا سيما ما يرتبط بفعاليات المثليين.
ومن الإنصاف القول إن النص ينطلق من موقف أخلاقي واضح في رفض العنف وسفك الدماء، ورفض تحميل جماعة كاملة مسؤولية جريمة يرتكبها فرد، والتأكيد على الوفاء بالعهد واحترام القانون وحقوق الآخرين. وهذه نقاط مهمة، خصوصاً في مناخ يمكن أن تتحول فيه جريمة فردية إلى ذريعة لإنتاج خطاب كراهية ضد جماعة دينية أو إثنية بأكملها.
لكن هذه النقطة تفتح سؤالًا آخر: هل تكفي المسؤولية الفردية عن الجريمة لإغلاق البحث في الأفكار والظروف الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تنتج التطرف؟
ينبغي التمييز بين المسؤولية الجنائية عن الجريمة، وهي فردية، وبين البحث في المناخ الفكري والاجتماعي والسياسي الذي قد يبرر العنف. فلا يجوز تحميل المسلمين جميعاً جريمة فرد متطرف، لكن لا يصح الاكتفاء بعبارة «لا يمثل إلا نفسه» من دون مساءلة الأفكار والخطابات والمؤسسات التي قد تؤثر في إنتاج التطرف.
وهذا لا يعني مساواة الإسلام بالإرهاب، بل يعني أن رفض التعميم لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء الفكر من النقد.
ثانيا: الإسلام والمجتمع الكندي
يظهر القصور بصورة أوضح حين ينتقل النص إلى المجتمع الكندي، إذ يميل ضمنياً إلى وضع «الإسلام» في مواجهة «المجتمع الغربي»، ويجعل فعاليات المثليين أحد أبرز تعبيرات التحدي الذي يواجه المسلم.
لكن المجتمع الكندي ليس كتلة فكرية متجانسة، كما أن Pride لا تختصر المجتمع الكندي، وقبول الحقوق المدنية للمثليين لا يعني أن جميع الكنديين يتبنون تصوراً واحدًا للأسرة أو الأخلاق أو الدين.
والسؤال الأوسع هو: ما موقع الدين عموما في المجتمعات الرأسمالية الحديثة؟
فما شهدته المجتمعات الأوروبية وأميركا الشمالية من علمنة للدولة والمؤسسات العامة، وتراجع لنفوذ المؤسسات الدينية التقليدية، واتساع المجال الفردي في مسائل الاعتقاد والأخلاق والأسرة والجنس، ليس ظاهرة موجهة ضد الإسلام وحده. لقد واجهت المسيحية واليهودية وسائر الأديان تحولات مشابهة، وإن بدرجات مختلفة.
ولم يختف الدين، بل تغير موقعه. فقد انتقل في جوانب واسعة من كونه مؤسسة مركزية تنظم المجتمع إلى كونه، بدرجات متفاوتة، أحد عناصر الهوية والاختيار الفردي والجماعي، مع استمرار تأثيره السياسي والاجتماعي.
ولا يمكن تفسير هذا التحول باعتباره مجرد «انحراف ثقافي» أو «هجوم على العقيدة». فهو مرتبط بصعود الرأسمالية الحديثة، وتوسع الدولة البيروقراطية، وتطور التعليم والعلوم، واستقلال المؤسسات السياسية والقانونية عن المرجعيات الدينية، وتنامي الفردانية، وتغير بنية الأسرة والعمل، واتساع حقوق الفرد. ولذلك فإن ما يواجهه المسلم في كندا ليس مجرد «هجوم على عقيدته»، بل جزء من تحول تاريخي أوسع أعاد تحديد موقع الدين في المجتمع.
لكن العلمانية نفسها ليست ظاهرة محايدة فوق التاريخ؛ فالمجتمعات الحديثة تقوم على علاقات قوة ومصالح وصراعات طبقية، والثقافة السائدة لا تتشكل بمعزل عنها.
ثالثا: الدين والهجرة والصراع الطبقي
هنا يظهر جانب لا يحظى باهتمام كاف في النص: البعد الطبقي والسياسي للصراع حول الدين والهجرة والهوية.
ليس السؤال فقط كيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع المجتمع الكندي، بل أيضا: لماذا يجري في المجتمعات الرأسمالية دفع الوعي الاجتماعي بصورة متكررة نحو قضايا الهوية والدين والمهاجرين، بدل أن يتمحور حول السكن والعمل، والأجور، والخدمات، واللامساواة؟
لا تحتاج الرأسمالية إلى اختراع التناقضات من العدم؛ يكفي أن تعيد توجيه التناقضات القائمة، وأن تمنحها بعداً هوياتياً يحجب جذورها الطبقية. فأزمة السكن وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية والضغط على الخدمات وصعوبة الحصول على عمل مستقر يمكن أن تتحول من أسئلة تتعلق بتوزيع الثروة والسياسات الاقتصادية إلى سؤال عن «المهاجر» الذي يأخذ فرص السكان، أو «المسلم» الذي لا يندمج.
وهكذا يصبح المهاجر حاملًا رمزيًا للأزمة. وبدل أن يلتقي الكادح المهاجر والعامل الكندي في مواجهة الأسباب البنيوية التي تضغط على شروط حياتهما، يجري وضعهما في مواجهة بعضهما على أساس الأصل والدين والهوية.
وتكتسب المسألة خصوصية في كندا وكيبيك، حيث تتداخل قضايا الهوية والهجرة والاستعمار والتاريخ الكيبيكي. وهذه تناقضات حقيقية لا يجوز اختزالها في مؤامرة مصطنعة، لكنها قابلة في الوقت نفسه للاستثمار السياسي، بحيث يُوجَّه الغضب الناتج عن أزمات السكن والمعيشة والخدمات نحو المهاجر بدل السياسات التي صنعت تلك الأزمات أو فاقمتها.
ومن هنا يمكن فهم توظيف الإسلام بصورة خاصة.
رابعا: الإسلاموفوبيا والإمبريالية
يحمل المسلم المهاجر في الوعي السياسي الغربي المعاصر حمولة تتجاوز وجوده الاجتماعي الفعلي، بسبب تاريخ الاستعمار والهجرة والحروب والسياسات الغربية في الشرق الأوسط. ولذلك يتحول الإسلام في بعض الخطابات السياسية والإعلامية إلى أكثر من مجرد دين: إلى علامة ترتبط بالإرهاب والهجرة وعدم الاندماج والصراع الحضاري.
ولا يكفي تفسير الإسلاموفوبيا باعتبارها مجرد «سوء فهم للإسلام» أو رد فعل على التطرف. فهي تتشكل داخل تاريخ من علاقات القوة، وفي سياق طويل من الاستعمار والحروب والتدخلات الإمبريالية.
فقد أنتج الاستعمار الأوروبي صوراُ عن الشرق باعتباره متخلفًا وغير عقلاني وعاجزاً عن إنتاج الحداثة. ومع انتقال النظام الدولي من الاستعمار المباشر إلى أشكال أكثر تعقيداً من الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لم تختف هذه الصور، بل أعيد إنتاجها. وبعد 11 سبتمبر خصوصاً، جرى في قطاعات واسعة من الخطاب السياسي والإعلامي والأمني الربط بين الإسلام والإرهاب، وبين المسلم والهجرة والتهديد الأمني.
وهنا تتقاطع الإسلاموفوبيا مع السياسة الإمبريالية. فعندما تتدخل القوى الغربية عسكريًًا في بلدان عربية وإسلامية، أو تفرض العقوبات والحصار، أو تدعم أنظمة حليفة لها، يصبح من الضروري أحياناً إنتاج صورة تجعل الضحية مصدر الخطر، وتقدم التدخل الخارجي باعتباره دفاعًًا عن الأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان.
ولا يمكن فصل هذا السياق عن الصهيونية وإسرائيل، مع ضرورة تجنب التبسيط. فقد نشأ المشروع الصهيوني في سياق استعماري أوروبي، ثم أصبح قيام إسرائيل وتوسعها مرتبطين بعلاقات وثيقة مع القوى الغربية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة. وفي هذا السياق جرى تقديم الصراع مع الشعب الفلسطيني بصورة متزايدة باعتباره صراعاً بين «دولة ديمقراطية» و«الإرهاب الإسلامي»، بما يطمس الطبيعة الاستعمارية والاستيطانية للصراع.
وتؤدي الإسلاموفوبيا هنا وظيفة تتجاوز العداء للمسلمين كأفراد. فعندما يُصوَّر الفلسطيني والعربي والمسلم باعتباره مصدراً دائمًا للعنف، يصبح من الأسهل تبرير الاحتلال والحصار والقصف والقتل باعتبارها إجراءات دفاعية، بينما يُفصل عنف الاحتلال عن تاريخه السياسي والاستعماري.
لكن ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: الإسلام كدين، والهوية العربية والفلسطينية، والموقف السياسي المناهض للاحتلال والصهيونية. فليس كل مسلم مؤيدًا لموقف سياسي معين، وليس التضامن مع فلسطين موقفا إسلاميا بالضرورة؛ إذ يمكن لمسلمين ومسيحيين ويهود وعلمانيين ويساريين وغيرهم أن يلتقوا في رفض الاحتلال، والاستيطان، والقتل، والإبادة.
ومن ثم فإن حصر القضية الفلسطينية في إطار ديني يضعف طبيعتها السياسية والتاريخية بوصفها قضية استعمار واحتلال، وحقوق وطنية وإنسانية.
خامسا: الإسلاموفوبيا والانقسام الاجتماعي
لا تعمل هذه الآلية عبر الخطاب الرسمي وحده، بل يمكن أن تنتقل إلى الإعلام والثقافة والسياسات الانتخابية والهجرة والأمن. فيصبح المسلم مطالباً باستمرار بإثبات «اعتداله» وإدانة العنف، بينما لا يُطلب من أفراد الجماعات الأخرى تقديم الإثبات نفسه بصورة جماعية عندما يرتكب أحد المنتمين إليها جريمة.
وهنا تعود المفارقة إلى نص الشيخ قنديل نفسه: إذا كان لا يجوز تحميل المسلمين جماعيا مسؤولية جريمة فرد، فلا ينبغي أيضا تحميلهم جماعيا مسؤولية الصراعات السياسية في الشرق الأوسط.
والمسلم في كندا ليس ممثلًا لتنظيمات تكفيرية أو جماعات مسلحة، كما أن حقه في المواطنة لا ينبغي أن يتوقف على صمته عن سياسات الإمبريالية أو الاحتلال حتى يثبت أنه "مندمج".
وتتصل هذه المسألة مباشرة بالسؤال الطبقي. فعندما يتعرض العامل المسلم أو المهاجر للتمييز، لا تكون القضية مجرد كرامة فردية؛ إذ يمكن استخدام الهوية الدينية والإثنية لتقسيم الطبقات الشعبية نفسها. ففي الخارج يمكن أن تخدم الإسلاموفوبيا تبرير الحروب والاحتلال، وفي الداخل يمكن أن تساهم في تفكيك التضامن بين الشغيلة وتحويل المهاجر إلى كبش فداء.
لكن هذا لا يعني أن كل خطاب ينتقد الإسلام أو يناقش الهجرة هو بالضرورة نتاج مؤامرة رأسمالية، ولا أن كل من يعارض سياسة معينة تجاه الهجرة تحركه العنصرية. فهناك مخاوف ومصالح وتناقضات حقيقية ينبغي مناقشتها. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه التناقضات إلى صراع هوياتي دائم، يصبح فيه المسلم أو المهاجر مسؤولًا عن أزمات ذات أسباب اقتصادية وسياسية أوسع بكثير من وجوده.
سادسا: الدين وحقوق الآخرين
هنا نصل إلى قضية جوهرية في نص الشيخ قنديل: العلاقة بين الحكم الديني والحقوق المدنية.
من حق المسلم، داخل مرجعيته الدينية، أن يرى أن ممارسة معينة محرمة، لكن ذلك لا يعني إنكار الحقوق المدنية لمن يخالفه، ولا الاعتداء عليه، ولا فرض الحكم الديني بالقوة.
ومن حق المؤمن أن يعتقد أن الخمر محرّم، من دون أن يملك حق منع غيره بالقوة من شربه. ويمكنه أن يرى المثلية محرمة دينيًا، من دون أن يملك حق الاعتداء على المثلي أو سلبه حقوقه المدنية. وبالمقابل يستطيع المسيحي أو الملحد أو غيره أن يختلف مع الإسلام دون أن يملك حق الاعتداء على المسلم أو إقصائه.
هنا تصبح حرية الاعتقاد وحرية المختلف شرطين متلازمين للتعددية المدنية.
والأمر نفسه ينطبق على مفهوم «الفطرة». فمن حق الخطاب الديني أن يستند إلى نصوصه وأحكامه الفقهية، لكن القول إن ممارسة معينة «تخالف الفطرة التي خلق الله الناس عليها» ليس مجرد نقل للحكم الشرعي، بل دعوى عن الطبيعة الإنسانية تحتاج إلى تمييزها عن الحكم الديني.
وكذلك فإن الاستناد إلى قصة قوم لوط يحتاج إلى التمييز بين النص القرآني في سياقه وبين إسقاط مفهوم «المثلية» بالمعنى المعاصر بصورة مباشرة عليه؛ إذ تتضمن الرواية عناصر أخرى، منها العدوان وقطع السبيل ومحاولة الاعتداء على الضيوف.
كما أن القول بوجود «إجماع علماء المسلمين قديمًا وحديثًا» يحتاج إلى دقة منهجية. فإذا كان المقصود اتفاقًا واسعا في الفقه التقليدي على تحريم ممارسة معينة، فهذا أمر يمكن الدفاع عنه، لكن ينبغي التمييز بين الحكم على الفعل والحكم على الشخص، وبين التحريم الديني والعقوبة القانونية، وبين الميول والممارسة.
وتبرز هنا أيضا مسألة «إنكار المنكر». فرفض العدوان على الآخرين أمر واضح، لكن يبقى السؤال عن مجال إنكار المنكر في دولة حديثة متعددة الأديان والمعتقدات: هل هو موقف قلبي؟ أم نصيحة؟ أم نقاش فكري؟ أم نشاط سياسي؟ أم محاولة لتغيير القانون؟ إن المفهوم الفقهي التقليدي نشأ في سياقات مختلفة عن الدولة الحديثة، ولذلك يحتاج نقله إلى المجتمع الكندي إلى تحديد مجاله وحدوده.
واللافت أن النص، من حيث نتائجه العملية، يقترب من مبدأ التعددية المدنية أكثر مما يعلن ذلك صراحة، حين يطالب المسلم بالحفاظ على عقيدته واحترام القانون والامتناع عن العنف وصيانة حقوق الآخرين والوفاء بالعهد.
سابعا: من حرمة الدماء إلى نقد العنف بكل أشكاله
أما حادثة برلين، فلا ينبغي أن تكون مناسبة فقط لإعلان براءة المسلمين الجماعية، بل أيضا للبحث في جذور التطرف وفي الظروف الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تنتجه.
المسؤولية الجنائية فردية، لكن البحث في التطرف اجتماعي وسياسي وفكري. لذلك لا يكفي القول إن مرتكب الجريمة «لا يمثل إلا نفسه»، بل ينبغي أيضًا السؤال عن الأفكار والظروف والمؤسسات التي ساهمت في إنتاج قناعته.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الجريمة إلى ذريعة لإدانة المسلمين أو التضييق عليهم. يمكن في الوقت نفسه رفض الإرهاب والإسلاموفوبيا، ومواجهة التطرف الفكري والعنصرية، ورفض استخدام «مكافحة الإرهاب» لتبرير الحروب والاحتلال والعقاب الجماعي.
وهنا يمكن أن تكون هناك مساحة التقاء بين النقد الماركسي والخطاب الديني الأخلاقي: رفض قتل المدنيين، ورفض العنصرية، ورفض الاحتلال، ورفض استخدام الدين لتبرير العنف، ورفض استخدام مكافحة الإرهاب لتبرير الحروب والهيمنة.
ومن المهم أيضًا أن تكون العلاقة بين الإسلاموفوبيا والإمبريالية أكثر دقة: ليس المقصود أن كل خطاب معادٍ للمسلمين يُدار مباشرة من مركز إمبريالي أو من إسرائيل، وإنما أن هناك بنية تاريخية وسياسية تسمح بإعادة إنتاج صورة المسلم بوصفه خطرًا، ويمكن لهذه الصورة أن تؤدي وظائف تخدم الهيمنة والحرب والاستعمار والاستيطان، بينما تستخدم داخليًا لتقسيم الطبقات الشعبية.
ثامنا: نحو مواطنة فاعلة
الدفاع عن المسلمين ضد الإسلاموفوبيا لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب انعزالي يجعل المسلم يرى المجتمع الذي يعيش فيه عدوا دائما، كما أن الاندماج لا ينبغي أن يعني نزع ذاكرته السياسية وتحويله إلى فرد منفصل عن تاريخ بلده وشعبه.
وهنا يمكن إعادة قراءة «ثبات العقيدة». فالثبات لا يعني الانغلاق أو القطيعة مع المجتمع، كما أن الاندماج لا يعني الذوبان. يستطيع المسلم أن يحافظ على عقيدته، وأن يختلف أخلاقيًا مع المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يرفض بعض قيمه أو ممارساته، من دون أن يرى في كل مختلف عدواً، ومن دون أن يطالب بفرض معتقده بالقوة.
بل يمكن للدين أن يكون، في بعض القضايا، نقطة التقاء مع التيارات النقدية غير الدينية، بما فيها اليسارية والماركسية، في مواجهة الاغتراب، وتحويل الإنسان إلى مستهلك، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتنامي الفردانية، واللامساواة، والاستغلال، والحروب.
وهذا يفتح مجالًا لحوار أكثر إنتاجية بين الدين والتيارات النقدية، إذا تجاوز الطرفان حصر العلاقة في مسائل الهوية والأخلاق الجنسية، وانتقلا إلى أسئلة العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان، والاستغلال، والحرب، والسلام.
تاسعا: من صراع الهويات إلى الصراع الاجتماعي
مثلما لا يجوز اختزال الإسلام في الإرهاب، لا يجوز اختزال المهاجر في مشكلة، ولا الكيبيكي في عنصري، ولا المجتمع الكندي في كتلة معادية للمسلمين. هذه الاختزالات تخدم منطقا واحدًا: تحويل البشر من أفراد وطبقات ومصالح متداخلة إلى هويات متصارعة.
والمهمة النقدية هي إعادة الصراع إلى أسئلته الحقيقية: من يقرر السياسات الاقتصادية والاجتماعية والحروب، ومن يدفع ثمنها؟
فالعامل المسلم والكادح المسيحي والشغيل العلماني، والكيبيكي والمهاجر، قد تجمعهم مصالح اجتماعية مشتركة أمام ارتفاع الإيجارات، وتراجع الخدمات، وارتفاع كلفة المعيشة، وعدم استقرار العمل، واتساع الفوارق الطبقية.
وعندما يجري دفع هؤلاء إلى الاقتتال حول الهوية، تتراجع إمكانية رؤية مصالحهم المشتركة، بينما يستفيد من ذلك رأس المال، مالك القوة والثروة.
ولا يعني ذلك إلغاء الهوية أو إنكار الاختلافات الدينية والثقافية، بل وضعها في مكانها الصحيح، ومنعها من أن تصبح سلاحا لتقسيم الطبقات الشعبية.
ومن هنا يمكن فهم أن الصراع في الشرق الأوسط يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل وعي الجاليات المهاجرة. فالعربي والمسلم في كندا يعيش داخل المجتمع الكندي، لكنه يعيش أيضا في فضاء سياسي عالمي تتأثر فيه بلدان الشرق الأوسط بسياسات كندا والولايات المتحدة والدول الغربية.
لذلك لا يمكن اختزال المواقف السياسية للمهاجرين تجاه فلسطين ولبنان والعراق وسوريا وغيرها في «فشل الاندماج» أو رفض «القيم الكندية». فقد تكون هذه المواقف، في جانب منها، تعبيراُ عن وعي سياسي تشكل في مواجهة سياسات دولية امبريالية لها آثار حقيقية على مجتمعاتهم الأصلية.
عاشرا: الدين بوصفه قوة أخلاقية لا سلطة قسرية
من هنا يمكن إعادة صياغة السؤال كله. ليس المطلوب مسلمًا يذوب في المجتمع الذي يعيش فيه، ولا مسلمًا يرى المجتمع المحيط به عدوًا دائمًا، بل مسلمًا قادرًا على الجمع بين الإيمان والتعددية، وبين الاختلاف والاحترام، وبين النقد ورفض الكراهية.
فالدين، إذا أراد أن يكون قوة أخلاقية حية في المجتمع الحديث، لا يستطيع أن يظل محصوراً في الدفاع عن الحدود الثقافية للجماعة. عليه أيضاً أن يواجه الظلم الاجتماعي، وأن ينحاز إلى الإنسان المقهور، وأن يميز بين الاختلاف الثقافي الطبيعي وبين الصراعات التي يجري تضخيمها وتوظيفها لخدمة مصالح سياسية واقتصادية.
ولا يعني ذلك أن يصبح الدين سلطة تفرض تصوراً أخلاقياً واحدًا على المجتمع، كما لا يعني اختزاله في هوية خاصة محصورة في المجال الشخصي. يمكن أن يكون أحد مصادر المعنى والقيم والتضامن الاجتماعي، يدخل في الحوار والصراع الفكري والاجتماعي من دون امتلاك حق الإكراه.
وهنا يصبح «ثبات العقيدة» أكثر من مجرد تشبث بهوية دينية؛ يمكن أن يصبح ثباتًا على قيم العدل والرحمة وحرمة الدماء ورفض الظلم والاستغلال، والدفاع عن كرامة الإنسان، وعلى حق المؤمن في الاختلاف والاعتقاد.
خاتمة
من هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة رسالة الشيخ أحمد قنديل بصورة أكثر تركيباً. إن دفاعه عن حرمة الدماء، ورفضه تحميل المسلمين جماعياً مسؤولية جريمة فردية، وتأكيده على الوفاء بالعهد واحترام القانون ورفض الاعتداء على المخالف، تمثل نقاط انطلاق سليمة.
لكن اكتمال هذا الموقف يتطلب تجاوز الإطار الذي يجعل التحدي الأساسي للمسلم هو مواجهة «المجتمع الغربي» ثقافياً، والانتقال إلى فهم أوسع لموقع الدين في المجتمع الرأسمالي، وللدور الذي تلعبه قضايا الدين والهجرة والهوية في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي.
فالخطاب الذي يريد الدفاع عن المسلم لا ينبغي أن يكتفي بالقول له: «اثبت على عقيدتك»، بل عليه أن يساعده على فهم المجتمع الذي يعيش فيه، وعلاقات القوة التي تحكمه، وتمييز التناقضات الحقيقية عن التناقضات التي يجري تضخيمها وتوظيفها، وأن يدرك أن الدفاع عن كرامته لا ينفصل عن الدفاع عن كرامة الآخرين.
وعندها يمكن إعادة صياغة عنوان النص نفسه: ليست المسألة فقط «ثبات العقيدة وحرمة الدماء»، بل ثبات الإنسان على حقه في الاعتقاد، وثبات المجتمع على حق أفراده في الاختلاف، وثبات المبدأ الأخلاقي على حرمة الدماء، وثبات الوعي السياسي على رفض تحويل الدين والهوية إلى أدوات للهيمنة أو تفكيك التضامن الاجتماعي.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي خطاب ديني يريد أن يعيش في المجتمع الحديث: ليس فقط كيف يبقى المسلم مسلما في كندا، بل كيف يستطيع أن يكون مسلما ومواطنا وفاعلًا اجتماعيا، وأن يشارك في بناء وعي يتجاوز صراعات الهوية إلى الأسئلة التي تمس حياة الناس الفعلية: من المسؤول عن الظلم والاستغلال، ومن يدفع ثمن النظام الاقتصادي والسياسات الاجتماعية والحروب؟
7 مشاهدة
06 أغسطس, 2026
270 مشاهدة
22 يوليو, 2026
186 مشاهدة
18 يوليو, 2026