طلال مصطفى طه - مونتريال
تستيقظ كفر الكونية باكرا مع أفرانها، بعد منتصف الليل وقبل الفجر عادة، إذ يخرج الخبز من فرن "اللوز" ساخنا طريا كوجوه الأطفال، ثم يفرج المسلخ عن خير كثير.. سبع بقرات سمان، قبل أن تفرغ شاحنات الخضار حمولتها.. يكون "أبو حسن" قد وزع قهوته وطيبته على الناس، عل يوما جديدا يكون أكثر فرحا وبهجة من سابقيه، ويأذن لشمسه بتوزيع دفئها على الناس بالعدل!..
تضج ساحة البلدة والمدينة لاحقا بأناس نعرفهم، أبناء هذه البلدة الذين احتلوا محالها الموزعة في سوق مربع الأضلاع، لا تخطئ متاجرها ومطاعمها ومقاهيها الحريصة على تأمين حاجيات البلدة والضيع المجاورة، ضروريات وكماليات الناس من كل شيء.. بما فيها النكات البذيئة والقصص القصيرة والكسيرة التي تروى على عجل!
في وسط البلدة تتوزع الأسواق والمحلات والمطاعم والمقاهي، تحيط بسوق اللحم الذي يتوسط سوق المدينة ويأخذ حصته من الذبائح والدخان والصراخ نهارا.. والكلاب الشاردة والعسس ليلا!
بعد الثامنة صباحا تختلط الوجوه، وتختلط بعض اللكنات واللهجات، ويعلو الصراخ، ويلبس الباعة والحرفيون والتجار وجوههم الحقيقية، ويطلقون النكات مع كل قرش يدخل حلالا في جيوب الطيبين!..
المحظوظون الذين صلوا الصبح في مسجدها القديم يرجعون الى بيوتهم باكرا، قبل صلاة الظهر عادة، الأقل حظا ينتظرون الى العصر وربما الى ما قبل الغروب حتى "الله يجبر"!..
الذين يبقون الى المساء والليل ربما قلة، هؤلاء تتوزعهم هموم ومشارب وبعض افكار خبيثة وماجنة يسترها الليل، ويغض أهل المدينة الطرف عنها، يتناقلون بعض احداثها صباح اليوم التالي، ما بقي منها في الذاكرة قليل، وبعض هذا القليل رحل مع من رحلوا من الرواة الذين احتلوا مساحات لتعبهم في المقبرة القديمة التي يتزايد عدد ساكنيها وزوارها المقيمين والعابرين!
ضاقت بالناس مقبرتان في وسط البلدة يفصل بينهما شارع وبعض اشجار هرمة، إذ توزعوا على شواهد تليق برحيلهم، تعرفهم بأسمائهم وتواريخ ميلادهم ووفاتهم، وإذا اضفت بعض الكيمياء والشعر والظرف والحكايات، يمكن أن تقدر كم من الخير يمكن أن يكونوا قد وهبوه لهذه البلدة وناسها ومحيطها..
في المقبرة الثالثة على طرف المدينة الشرقي الى الشمال تزاحم الشهداء، غصت بهم على رحابتها، في كل قبر سيرة حياة وشهادة، سنوات عشرون متوسط اعمارهم، تقل أو تكثر، تكثفت فيها حيواتهم فحملت في قصصهم توترا وحرارة، وصاياهم بعض سيرهم الذاتية، ولعلها بعض سيرتنا للمستقبل، ولشمس تطل غدا، أكثر اشراقا ودفئا ونورا ودفعا لغيوم سوداء تعبر فضاء المدينة تؤذن بالنبوءة!..
كانت الضيعة ولا تزال صناعة نفسها، لا شيء فيها يضيع، كله يتحول، حتى الناس، يعودون الى التراب، ثم ينبتون في ولادات جديدة، ويأتي رزقهم معهم.. حتى من مجاهل إفريقيا!
كانت ضيعة تجمع اشياء جميلة، من كل مدينة فكرة، عدا الماء، كان حظها منه القليل، فالبحر وقف على مسافة منها أو هي وقفت على مسافة منه حين اتجهت شرقا، الانهار مرت من حولها، لم يتجرأ ماء أن يشق غفوتها، فعاشت على وعد بالماء.. تنتظر العباس!
وفي طرف الضيعة الشمالي نبتت قصور وفلل ومبان فخمة تتوزع في شوارع نظيفة منسقة الاشجار والورود والواجهات، تشعرك أنك في إحدى مدن السينما الدعائية، وفي سوق البلدة تشعر أن التاريخ توقف هناك، عند نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فإلى جانب السيارات الفخمة والغالية الثمن، لا يزال الحمار وسيلة نقل، والقبان وسيلة وزن، والشروال لباس عز!..
في الطرف الجنوبي للبلدة، بيوت متراصة تتداخل شرفاتها وناسها، خليط من الاصوات والأغاني الشعبية ومجالس العزاء، وصراخ الامهات يعلو على أولاد مشاغبين يلاحقون الكلاب والقطط والكرات المطاطية الفقيرة..
بعض الاحياء القليلة توحي بأن البلدية التي انتخبت حديثا تأخذ بعض القرارات الصائبة، إذ تبدو آثارها على طرقات وجدران وأشجار الشارع وبعض الحاويات الموزعة في الأحياء والشوارع الرئيسية، وعامل نظافة يحمل مكنسته يكنس أوساخ الناس من الطرقات.. وقلقهم، إذ كان يلتقي يالهندومة وتسر له بألغازها ونبوءاتها!
تبنت الضيعة وليا يحرس أطرافها، وينقل أخبارها الى السماء ويتوسط لمذنبيها وفساقها هناك، وليا ظل لسنوات طويلة مشغولا بإدارة صغريات الأمور في الضيعة، من المطر والبذار والزواج والرزق والشفاء من الطاعون وحراسة البيوت ليلا، والتفرغ لحماية الفلاحين نهارا من العقارب والأفاعي والكلاب الشاردة!..
نذرت كفر الكونية الدم والدمع لمكافأته على جهود جبارة، كان يصل فيها أرض الضيعة بطرق السماء، يدل على الصراط، ويعبر بالموتى البرزخ، ويخلص بعض المؤمنين من عذاب القبر ويسهل الولادات.. الى أن حلت اللعنة وتحققت مقدمات نبوءة قديمة!
حينها حصر الولي علاقته بالشباب، حديثي السن فقط، وبدأ يغيب معهم في الليل، وتفرغ للمهام الحقيقية التي هي شأن ولي.. أو امام!
وكان مهدي.. فتى من غبار حارات قديمة، قل اسميه النبوءة!
تستيقظ كفر الكونية باكرا مع أفرانها، بعد منتصف الليل وقبل الفجر عادة، إذ يخرج الخبز من فرن "اللوز" ساخنا طريا كوجوه الأطفال، ثم يفرج المسلخ عن خير كثير.. سبع بقرات سمان، قبل أن تفرغ شاحنات الخضار حمولتها.. يكون "أبو حسن" قد وزع قهوته وطيبته على الناس، عل يوما جديدا يكون أكثر فرحا وبهجة من سابقيه، ويأذن لشمسه بتوزيع دفئها على الناس بالعدل!..
تضج ساحة البلدة والمدينة لاحقا بأناس نعرفهم، أبناء هذه البلدة الذين احتلوا محالها الموزعة في سوق مربع الأضلاع، لا تخطئ متاجرها ومطاعمها ومقاهيها الحريصة على تأمين حاجيات البلدة والضيع المجاورة، ضروريات وكماليات الناس من كل شيء.. بما فيها النكات البذيئة والقصص القصيرة والكسيرة التي تروى على عجل!
في وسط البلدة تتوزع الأسواق والمحلات والمطاعم والمقاهي، تحيط بسوق اللحم الذي يتوسط سوق المدينة ويأخذ حصته من الذبائح والدخان والصراخ نهارا.. والكلاب الشاردة والعسس ليلا!
بعد الثامنة صباحا تختلط الوجوه، وتختلط بعض اللكنات واللهجات، ويعلو الصراخ، ويلبس الباعة والحرفيون والتجار وجوههم الحقيقية، ويطلقون النكات مع كل قرش يدخل حلالا في جيوب الطيبين!..
المحظوظون الذين صلوا الصبح في مسجدها القديم يرجعون الى بيوتهم باكرا، قبل صلاة الظهر عادة، الأقل حظا ينتظرون الى العصر وربما الى ما قبل الغروب حتى "الله يجبر"!..
الذين يبقون الى المساء والليل ربما قلة، هؤلاء تتوزعهم هموم ومشارب وبعض افكار خبيثة وماجنة يسترها الليل، ويغض أهل المدينة الطرف عنها، يتناقلون بعض احداثها صباح اليوم التالي، ما بقي منها في الذاكرة قليل، وبعض هذا القليل رحل مع من رحلوا من الرواة الذين احتلوا مساحات لتعبهم في المقبرة القديمة التي يتزايد عدد ساكنيها وزوارها المقيمين والعابرين!
ضاقت بالناس مقبرتان في وسط البلدة يفصل بينهما شارع وبعض اشجار هرمة، إذ توزعوا على شواهد تليق برحيلهم، تعرفهم بأسمائهم وتواريخ ميلادهم ووفاتهم، وإذا اضفت بعض الكيمياء والشعر والظرف والحكايات، يمكن أن تقدر كم من الخير يمكن أن يكونوا قد وهبوه لهذه البلدة وناسها ومحيطها..
في المقبرة الثالثة على طرف المدينة الشرقي الى الشمال تزاحم الشهداء، غصت بهم على رحابتها، في كل قبر سيرة حياة وشهادة، سنوات عشرون متوسط اعمارهم، تقل أو تكثر، تكثفت فيها حيواتهم فحملت في قصصهم توترا وحرارة، وصاياهم بعض سيرهم الذاتية، ولعلها بعض سيرتنا للمستقبل، ولشمس تطل غدا، أكثر اشراقا ودفئا ونورا ودفعا لغيوم سوداء تعبر فضاء المدينة تؤذن بالنبوءة!..
كانت الضيعة ولا تزال صناعة نفسها، لا شيء فيها يضيع، كله يتحول، حتى الناس، يعودون الى التراب، ثم ينبتون في ولادات جديدة، ويأتي رزقهم معهم.. حتى من مجاهل إفريقيا!
كانت ضيعة تجمع اشياء جميلة، من كل مدينة فكرة، عدا الماء، كان حظها منه القليل، فالبحر وقف على مسافة منها أو هي وقفت على مسافة منه حين اتجهت شرقا، الانهار مرت من حولها، لم يتجرأ ماء أن يشق غفوتها، فعاشت على وعد بالماء.. تنتظر العباس!
وفي طرف الضيعة الشمالي نبتت قصور وفلل ومبان فخمة تتوزع في شوارع نظيفة منسقة الاشجار والورود والواجهات، تشعرك أنك في إحدى مدن السينما الدعائية، وفي سوق البلدة تشعر أن التاريخ توقف هناك، عند نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فإلى جانب السيارات الفخمة والغالية الثمن، لا يزال الحمار وسيلة نقل، والقبان وسيلة وزن، والشروال لباس عز!..
في الطرف الجنوبي للبلدة، بيوت متراصة تتداخل شرفاتها وناسها، خليط من الاصوات والأغاني الشعبية ومجالس العزاء، وصراخ الامهات يعلو على أولاد مشاغبين يلاحقون الكلاب والقطط والكرات المطاطية الفقيرة..
بعض الاحياء القليلة توحي بأن البلدية التي انتخبت حديثا تأخذ بعض القرارات الصائبة، إذ تبدو آثارها على طرقات وجدران وأشجار الشارع وبعض الحاويات الموزعة في الأحياء والشوارع الرئيسية، وعامل نظافة يحمل مكنسته يكنس أوساخ الناس من الطرقات.. وقلقهم، إذ كان يلتقي يالهندومة وتسر له بألغازها ونبوءاتها!
تبنت الضيعة وليا يحرس أطرافها، وينقل أخبارها الى السماء ويتوسط لمذنبيها وفساقها هناك، وليا ظل لسنوات طويلة مشغولا بإدارة صغريات الأمور في الضيعة، من المطر والبذار والزواج والرزق والشفاء من الطاعون وحراسة البيوت ليلا، والتفرغ لحماية الفلاحين نهارا من العقارب والأفاعي والكلاب الشاردة!..
نذرت كفر الكونية الدم والدمع لمكافأته على جهود جبارة، كان يصل فيها أرض الضيعة بطرق السماء، يدل على الصراط، ويعبر بالموتى البرزخ، ويخلص بعض المؤمنين من عذاب القبر ويسهل الولادات.. الى أن حلت اللعنة وتحققت مقدمات نبوءة قديمة!
حينها حصر الولي علاقته بالشباب، حديثي السن فقط، وبدأ يغيب معهم في الليل، وتفرغ للمهام الحقيقية التي هي شأن ولي.. أو امام!
وكان مهدي.. فتى من غبار حارات قديمة، قل اسميه النبوءة!
202 مشاهدة
02 أغسطس, 2026
50 مشاهدة
02 أغسطس, 2026
86 مشاهدة
02 أغسطس, 2026