سامر مجذوب *
شكّلت الصورة التي خرجت من مدينة شاوينيغان خلال عطلة نهاية الأسبوع، والتي أظهرت مجموعة من الأشخاص يسيرون تحت شعار «أتذكر كيبيك البيضاء»، تذكيراً مقلقاً بأن الأفكار القائمة على الإقصاء والانقسام لا تزال تجد لها مكاناً في مجتمعنا.
وكانت الإدانات السريعة التي صدرت عن مسؤولين منتخبين من مختلف التوجهات السياسية ضرورية ومرحّباً بها. فلا مكان للعنصرية أو لتفوّق العرق الأبيض في كيبيك.
لكن الإدانة وحدها لا تكفي. فهناك سؤال أكثر صعوبة ينبغي طرحه: ما نوع المناخ الاجتماعي الذي يسمح لمثل هذه الرسائل بالظهور بهذه الجرأة والوضوح؟
على مدى سنوات، حذّرت أصوات عديدة من عواقب تطبيع الخوف والريبة والانقسام في الخطاب العام. فقد عبّر قادة مجتمعيون وأكاديميون وصحافيون ومواطنون عاديون عن قلقهم من السرديات التي تصوّر بعض الفئات، والمهاجرين، والكيبيكيين الجدد، بل وحتى بعض النساء في كيبيك، باعتبارهم مشكلات يجب إدارتها بدلاً من اعتبارهم مواطنين يجب احتضانهم واحترامهم.
كما أُثيرت مخاوف بشأن الخطابات التي تزرع التوتر داخل المجتمع الكيبيكي بدلاً من تعزيز التماسك الاجتماعي. وهذه التحذيرات لا ينبغي تجاهلها أو التقليل من شأنها.
ولا يعني ذلك رفض النقاش حول الهجرة أو الاندماج أو العلمانية أو الهوية الكيبيكية. فهذه قضايا مشروعة في أي مجتمع ديمقراطي. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين مناقشة السياسات العامة وبين تغذية مشاعر الخوف، وبين حماية اللغة والثقافة الكيبيكية وبين تصوير مجتمعات كاملة على أنها تهديد، وبين القيادة السياسية والانتهازية السياسية.
ويتذكر كثيرون التحذيرات التي سبقت الهجوم المروّع على مسجد مدينة كيبيك في كانون الثاني/يناير 2017. فقد تحدث قادة مجتمعيون آنذاك عن تنامي مشاعر العداء تجاه مواطنين من خلفيات ثقافية مختلفة، وعن مخاطر الاستقطاب المتزايد في النقاشات المتعلقة بالهوية والهجرة والدين. كما دعوا الشخصيات العامة إلى إدراك أن الخطاب العام يؤثر في تشكيل المواقف الاجتماعية.
ثم وقعت المأساة. قُتل ستة مصلين أبرياء أثناء أدائهم الصلاة، وتفككت عائلات، وفقد أطفال آباءهم، واضطرت كيبيك وكندا إلى مواجهة واحدة من أكثر اللحظات قتامة في تاريخهما الحديث.
ومن غير المسؤول تجاهل الدور الذي تلعبه السرديات العامة في تشكيل المناخات الاجتماعية.
ولا يدّعي أحد أن النقاشات السياسية أو السياسات العامة مسؤولة مباشرة عن أفعال المتطرفين العنيفين، فالأفراد وحدهم يتحملون مسؤولية جرائمهم. لكن من غير المسؤول أيضاً تجاهل أثر الخطابات المتكررة في تشكيل المزاج العام.
فالكلمات مهمة، والتكرار مهم. وعندما تُصوَّر مجموعات معينة باستمرار على أنها مشكلة، وعندما تصبح الشكوك أمراً طبيعياً، وتتحول المخاوف المرتبطة بالهوية إلى موضوع دائم في الخطاب العام، فإن آثار ذلك لا تبقى محصورة في الاستوديوهات أو صفحات الجرائد أو الحملات الانتخابية، بل تنعكس تدريجياً على طريقة نظر الناس إلى بعضهم البعض.
إن الغالبية الساحقة من سكان كيبيك ترفض العنصرية والتمييز والتطرف. وهم يدركون أن قوة كيبيك لم تأتِ يوماً من التجانس، بل من الثقة بلغتها وثقافتها ومؤسساتها، ومن قدرة أشخاص ينتمون إلى خلفيات مختلفة على المساهمة في بناء مستقبل مشترك قائم على القيم الديمقراطية للكيبيكيين.
لذلك، ينبغي النظر إلى ما حدث في شاوينيغان ليس فقط كحادثة معزولة، بل أيضاً كفرصة للتأمل والمراجعة. فهل بات القادة السياسيون مستعدين للابتعاد عن الخطابات القائمة على الخوف المرتبط بالهوية؟ وهل يدرك بعض المعلقين الإعلاميين حجم تأثيرهم في تشكيل الرأي العام؟ وهل نحن مستعدون للاعتراف بأن التماسك الاجتماعي يتعزز عندما يشعر الناس بالاحترام والاندماج والتقدير، لا عندما يُستهدفون بالقوانين والتوجيهات ويُعاملون كغرباء دائمين؟
هذه الأسئلة لا تتعلق باليمين أو اليسار، ولا بالفيدراليين أو السياديين، ولا بأي حزب سياسي بعينه. إنها تتعلق بنوع كيبيك الذي نريد بناءه. وإذا كنا نهتم حقاً بمستقبل هذه المقاطعة، فعلينا أن نعمل على توحيد سكانها لا تقسيمهم، وأن نبحث عن القواسم المشتركة بدلاً من تعميق خطوط الانقسام القائمة.
الخيار المطروح أمامنا ليس بين حماية هوية كيبيك وبين احتضان التنوع. فقد كانت كيبيك دائماً في أفضل حالاتها عندما جمعت بين الثقة بهويتها والانفتاح على مواطنيها. والخيار الحقيقي هو بين سياسة توحّد الناس وسياسة تقوم على الخوف والانقسام.
لقد شهدنا بالفعل العواقب المأساوية التي يمكن أن تنتج عندما يُسمح للكراهية بالنمو من دون رادع. ولا ينبغي أن نحتاج إلى مأساة أخرى كي نتذكر ما هو على المحك. فكيبيك تستحق قادة يوحّدون ولا يفرّقون، ونقاشاً عاماً قائماً على الاحترام لا على الاستياء، ومستقبلاً يُبنى على الكرامة والتضامن والاقتناع بأن لكل كيبيكي مكانه وانتماءه الكامل في هذا المجتمع.
*هذه المقالة نشرت باللغة الانكليزية في صحيفة الغازيت يوم امس الاثنين في الأول من شهر حزيران .
*سامر مجذوب هو المؤسس المشارك ورئيس المنتدى الإسلامي الكندي، وهي منظمة وطنية مقرها مونتريال تُعنى بتعزيز الاندماج والحوار والمشاركة المدنية والمواطنة الفاعلة.
شكّلت الصورة التي خرجت من مدينة شاوينيغان خلال عطلة نهاية الأسبوع، والتي أظهرت مجموعة من الأشخاص يسيرون تحت شعار «أتذكر كيبيك البيضاء»، تذكيراً مقلقاً بأن الأفكار القائمة على الإقصاء والانقسام لا تزال تجد لها مكاناً في مجتمعنا.
وكانت الإدانات السريعة التي صدرت عن مسؤولين منتخبين من مختلف التوجهات السياسية ضرورية ومرحّباً بها. فلا مكان للعنصرية أو لتفوّق العرق الأبيض في كيبيك.
لكن الإدانة وحدها لا تكفي. فهناك سؤال أكثر صعوبة ينبغي طرحه: ما نوع المناخ الاجتماعي الذي يسمح لمثل هذه الرسائل بالظهور بهذه الجرأة والوضوح؟
على مدى سنوات، حذّرت أصوات عديدة من عواقب تطبيع الخوف والريبة والانقسام في الخطاب العام. فقد عبّر قادة مجتمعيون وأكاديميون وصحافيون ومواطنون عاديون عن قلقهم من السرديات التي تصوّر بعض الفئات، والمهاجرين، والكيبيكيين الجدد، بل وحتى بعض النساء في كيبيك، باعتبارهم مشكلات يجب إدارتها بدلاً من اعتبارهم مواطنين يجب احتضانهم واحترامهم.
كما أُثيرت مخاوف بشأن الخطابات التي تزرع التوتر داخل المجتمع الكيبيكي بدلاً من تعزيز التماسك الاجتماعي. وهذه التحذيرات لا ينبغي تجاهلها أو التقليل من شأنها.
ولا يعني ذلك رفض النقاش حول الهجرة أو الاندماج أو العلمانية أو الهوية الكيبيكية. فهذه قضايا مشروعة في أي مجتمع ديمقراطي. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين مناقشة السياسات العامة وبين تغذية مشاعر الخوف، وبين حماية اللغة والثقافة الكيبيكية وبين تصوير مجتمعات كاملة على أنها تهديد، وبين القيادة السياسية والانتهازية السياسية.
ويتذكر كثيرون التحذيرات التي سبقت الهجوم المروّع على مسجد مدينة كيبيك في كانون الثاني/يناير 2017. فقد تحدث قادة مجتمعيون آنذاك عن تنامي مشاعر العداء تجاه مواطنين من خلفيات ثقافية مختلفة، وعن مخاطر الاستقطاب المتزايد في النقاشات المتعلقة بالهوية والهجرة والدين. كما دعوا الشخصيات العامة إلى إدراك أن الخطاب العام يؤثر في تشكيل المواقف الاجتماعية.
ثم وقعت المأساة. قُتل ستة مصلين أبرياء أثناء أدائهم الصلاة، وتفككت عائلات، وفقد أطفال آباءهم، واضطرت كيبيك وكندا إلى مواجهة واحدة من أكثر اللحظات قتامة في تاريخهما الحديث.
ومن غير المسؤول تجاهل الدور الذي تلعبه السرديات العامة في تشكيل المناخات الاجتماعية.
ولا يدّعي أحد أن النقاشات السياسية أو السياسات العامة مسؤولة مباشرة عن أفعال المتطرفين العنيفين، فالأفراد وحدهم يتحملون مسؤولية جرائمهم. لكن من غير المسؤول أيضاً تجاهل أثر الخطابات المتكررة في تشكيل المزاج العام.
فالكلمات مهمة، والتكرار مهم. وعندما تُصوَّر مجموعات معينة باستمرار على أنها مشكلة، وعندما تصبح الشكوك أمراً طبيعياً، وتتحول المخاوف المرتبطة بالهوية إلى موضوع دائم في الخطاب العام، فإن آثار ذلك لا تبقى محصورة في الاستوديوهات أو صفحات الجرائد أو الحملات الانتخابية، بل تنعكس تدريجياً على طريقة نظر الناس إلى بعضهم البعض.
إن الغالبية الساحقة من سكان كيبيك ترفض العنصرية والتمييز والتطرف. وهم يدركون أن قوة كيبيك لم تأتِ يوماً من التجانس، بل من الثقة بلغتها وثقافتها ومؤسساتها، ومن قدرة أشخاص ينتمون إلى خلفيات مختلفة على المساهمة في بناء مستقبل مشترك قائم على القيم الديمقراطية للكيبيكيين.
لذلك، ينبغي النظر إلى ما حدث في شاوينيغان ليس فقط كحادثة معزولة، بل أيضاً كفرصة للتأمل والمراجعة. فهل بات القادة السياسيون مستعدين للابتعاد عن الخطابات القائمة على الخوف المرتبط بالهوية؟ وهل يدرك بعض المعلقين الإعلاميين حجم تأثيرهم في تشكيل الرأي العام؟ وهل نحن مستعدون للاعتراف بأن التماسك الاجتماعي يتعزز عندما يشعر الناس بالاحترام والاندماج والتقدير، لا عندما يُستهدفون بالقوانين والتوجيهات ويُعاملون كغرباء دائمين؟
هذه الأسئلة لا تتعلق باليمين أو اليسار، ولا بالفيدراليين أو السياديين، ولا بأي حزب سياسي بعينه. إنها تتعلق بنوع كيبيك الذي نريد بناءه. وإذا كنا نهتم حقاً بمستقبل هذه المقاطعة، فعلينا أن نعمل على توحيد سكانها لا تقسيمهم، وأن نبحث عن القواسم المشتركة بدلاً من تعميق خطوط الانقسام القائمة.
الخيار المطروح أمامنا ليس بين حماية هوية كيبيك وبين احتضان التنوع. فقد كانت كيبيك دائماً في أفضل حالاتها عندما جمعت بين الثقة بهويتها والانفتاح على مواطنيها. والخيار الحقيقي هو بين سياسة توحّد الناس وسياسة تقوم على الخوف والانقسام.
لقد شهدنا بالفعل العواقب المأساوية التي يمكن أن تنتج عندما يُسمح للكراهية بالنمو من دون رادع. ولا ينبغي أن نحتاج إلى مأساة أخرى كي نتذكر ما هو على المحك. فكيبيك تستحق قادة يوحّدون ولا يفرّقون، ونقاشاً عاماً قائماً على الاحترام لا على الاستياء، ومستقبلاً يُبنى على الكرامة والتضامن والاقتناع بأن لكل كيبيكي مكانه وانتماءه الكامل في هذا المجتمع.
*هذه المقالة نشرت باللغة الانكليزية في صحيفة الغازيت يوم امس الاثنين في الأول من شهر حزيران .
*سامر مجذوب هو المؤسس المشارك ورئيس المنتدى الإسلامي الكندي، وهي منظمة وطنية مقرها مونتريال تُعنى بتعزيز الاندماج والحوار والمشاركة المدنية والمواطنة الفاعلة.
81 مشاهدة
02 يونيو, 2026
437 مشاهدة
31 مايو, 2026
314 مشاهدة
02 مايو, 2026