د. وفاء مروة - مونتريال
هناك أماكن لا تُقاس مساحتها بعدد البيوت أو طول الطرقات، بل بما تحمله من قصص وذكريات ووجوه تركت أثرها في القلب. هناك أماكن تسكن الإنسان قبل أن يسكنها، تبقى معه أينما ذهب، تحمل رائحة ترابها وصوت أهلها وضحكات أطفالها. ومن بين هذه الأماكن يبرز حيّ السيّاد… الحي الذي ليس مجرد بقعة جغرافية، بل حكاية عمر، ودفء عائلة، وذاكرة لا تموت.
حيّ السيّاد… حَيّنا الذي عُرف منذ القدم بالمحبة والطيبة والكرم. ما إن تطأ قدماك أرضه حتى تشعر بأنك دخلت إلى حضن عائلة كبيرة، فالوجوه فيه تحمل السلام، والقلوب مفتوحة للجميع. في أزقته وحاراته تختلط أصوات الناس بالضحكات والتحيات، حتى يصبح السلام على المارة عادة جميلة، لأن أهل الحي لا يعرفون الغربة بين بعضهم البعض.
كان الإنسان في حيّ السيّاد عنوان المكان. الجار أخ، والبيت بيت الجميع، والفرحة تُشارك، والحزن يُحمل بين الأكتاف. كانت العلاقات الإنسانية فيه أجمل ما يميّزه؛ علاقة مبنية على المحبة والاحترام والتكافل، حيث يعرف الجميع بعضهم البعض، وتبقى أبواب البيوت مفتوحة للخير والضيافة.
ومن أجمل الصور التي لا يمكن أن تُنسى في حيّ السيّاد تلك البيوت التي كانت تتزيّن أمام أبوابها بالنباتات والزهور. كان الحبق والمردكوش يملآن المكان بعطرهما، وكأن الحي يضع أجمل زينته لاستقبال من يمرّ به. كانت كل نبتة تحمل يد امرأة اعتنت بها، وكل شجرة تحمل حكاية عائلة.
وكانت الأشجار جزءًا من هوية الحي؛ شجرة الزنزلخت التي تمدّ ظلالها فوق الطرقات، وشجر التين والعريشة في بعض البيوت، كلها كانت شاهدة على الزمن الجميل، على أيام كان البيت لا يكتمل جماله إلا بحديقته الصغيرة وشجرته التي تكبر مع أهل الدار.
أما روائح حيّ السيّاد، فهي حكاية أخرى لا تُكتب بالحبر فقط، بل تُحفظ في الذاكرة. رائحة الكبّة والكمّونة والزعتر في أيام الصيف، رائحة الكشك والسماق، طعم الشراب البلدي، ودفء الخبز المرقوق الذي كانت تصنعه الأيادي الطيبة. كانت هذه الروائح تختصر تاريخ عائلات بأكملها، وتحمل معها ذكريات الأمهات والجدات والمواسم والأعياد.
لكن حيّ السيّاد لم يكن بعيدًا عن وجع الوطن. مرّت عليه الحرب القاسية، وتركت آثارها على الحجارة والقلوب. دُمّرت بيوت جميلة كانت تحمل ضحكات أهلها وذكريات سنوات طويلة، وغابت وجوه عزيزة من شباب وصبايا الحي الذين كانوا زينة المكان وحلمه القادم.
ورغم الألم، بقي حيّ السيّاد واقفًا… لأن قوة المكان ليست في الحجارة فقط، بل في أهله. بقي صامدًا بأبنائه، ثابتًا بمحبتهم، حيًّا بذكريات من رحلوا وبإصرار من بقوا. فالأرض التي ارتوت بدماء الشهداء ليست أرضًا عادية، بل أرض تحمل معنى التضحية والكرامة والانتماء.
في حيّ السيّاد، لكل زاوية قصة، ولكل حجر ذاكرة، ولكل طريق خطوات أناس أحبوا المكان وعاشوا فيه أجمل سنوات عمرهم. هو حيّ يجمع بين الإيمان والبساطة والإنسانية؛ فمن أراد أن يشعر بالسكينة، وأن يرفع يديه بالدعاء في مكان يحمل البركة، فليذهب إلى حيّ السيّاد، حيث التراب يحفظ أسماء الأحبة، وحيث الدعاء يخرج من قلوب عرفت الصبر.
يا حيّ السيّاد…
كم فيك من حكايات لا تنتهي، وكم فيك من وجوه لا تغيب.
قد تتغير البيوت، وقد تمرّ السنوات، وقد تترك الحروب آثارها، لكن روح المكان تبقى.
ستبقى حيّ السيّاد في قلوب أهلك…
حيّ المحبة والطيبة والحنان،
حيّ الذكريات الجميلة،
حيّ الشهداء والصابرين،
حيًّا ما بقي فينا قلب ينبض بالوفاء.
** حي السياد في قرية الزرارية في جنوب لبنان
* الصورة تعبيرية
36 مشاهدة
20 يوليو, 2026
159 مشاهدة
18 يوليو, 2026
106 مشاهدة
10 يوليو, 2026