وتأتي هذه التطورات عقب زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان إلى أوتاوا، حيث التقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في 27 أكتوبر الماضي، في إطار مساعٍ لتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين.
وخلال الزيارة، أعلن الجانبان عن تفاهمات تجارية جديدة وخطط لبدء مفاوضات بشأن اتفاقية لتسليم المطلوبين وأخرى للمساعدة القانونية المتبادلة في القضايا الجنائية.
منظمات حقوقية تحذّر من مخاطر الاتفاق
وأعربت أماني خلفان، المتحدثة باسم منظمة العدالة الاجتماعية «Inter Pares»، عن قلقها من توجه كندا نحو توقيع اتفاقيات قضائية ودفاعية مع الإمارات، متسائلة عن الرسالة التي قد يبعثها ذلك إلى المجتمع الدولي في ظل الانتقادات الموجهة إلى سجل أبوظبي الحقوقي. ووصفت خلفان سجل الاعتقالات غير القانونية والتعسفية في الإمارات بأنه «مروّع»، مستشهدة بقضية الناشط السوداني محمد فاروق سلمان محمود، الذي قالت إنه احتُجز لأكثر من عام ونصف من دون توجيه اتهامات إليه. وكانت السلطات الإماراتية قد أشارت إلى خضوعه للتحقيق بتهمة الإساءة إلى رئيس الدولة، فيما أكدت منظمة العفو الدولية الإفراج عنه في 22 أغسطس الماضي.
اتهامات مرتبطة بالحرب في السودان
وتطرقت الانتقادات أيضاً إلى دور الإمارات في النزاع السوداني، حيث تواجه أبوظبي اتهامات بدعم قوات مسلحة متهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وهي اتهامات تنفيها الحكومة الإماراتية. وقالت خلفان إن تعزيز الشراكات الاقتصادية مع الإمارات في ظل هذه الاتهامات يثير تساؤلات بشأن مدى التزام كندا بوضع حقوق الإنسان في صميم سياستها الخارجية. وحذّرت من أن إعطاء الأولوية للاستثمارات والتعاون الاقتصادي على حساب الاعتبارات الإنسانية قد يعرّض كندا لانتقادات أخلاقية وسياسية. وكانت 17 منظمة من المجتمع المدني قد وقّعت في وقت سابق من العام رسالة مفتوحة تحذّر فيها أوتاوا من تعميق علاقاتها مع الإمارات، معتبرة أن السياسة التجارية الكندية يجب ألا تأتي على حساب المبادئ الحقوقية.
أوتاوا تدافع عن الاتفاق: أداة لمكافحة الجرائم الخطيرة
في المقابل، دافعت وزارة العدل الكندية عن خطط التفاوض، مؤكدة أن تعزيز التعاون القضائي الدولي يشكّل أداة أساسية لمكافحة الجرائم الخطيرة وحماية المواطنين الكنديين.وأوضح المتحدث باسم الوزارة كوامي بونسو أن اتفاقية تسليم المطلوبين قد تساعد في ملاحقة الأشخاص المتهمين أو المدانين بجرائم مثل غسل الأموال والاتجار بالمخدرات والجرائم الإلكترونية. وأشار إلى أن الإمارات أبرمت اتفاقيات تعاون قضائي مماثلة مع دول أوروبية، بينها المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا والسويد وهولندا وبلجيكا وإيرلندا، ما يجعل الوقت مناسباً، وفق الحكومة الكندية، لإعادة النظر في بدء مفاوضات مع أبوظبي. كما أوضح أن اتفاقية المساعدة القانونية المتبادلة ستسهّل تبادل الأدلة والمعلومات بين سلطات البلدين خلال التحقيقات والملاحقات الجنائية. وبحسب القوانين الكندية، لا يمكن تسليم أي شخص إلى دولة أجنبية بصورة تلقائية، إذ تمر العملية بمراحل قانونية تشمل مراجعة وزارة العدل والمحاكم، مع إمكانية الطعن في قرار التسليم. كما يتيح القانون رفض التسليم إذا كان غير عادل أو ينطوي على اضطهاد، أو إذا كان الطلب مرتبطاً بملاحقة شخص بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته، فضلاً عن وجود أحكام تتعلق بالقضايا التي قد تنطوي على عقوبة الإعدام.
العفو الدولية: الضمانات الدبلوماسية لا تكفي
من جهتها، أعربت منظمة العفو الدولية في كندا عن مخاوف جدية بشأن المفاوضات المحتملة. وقالت الأمينة العامة للقسم الناطق بالإنجليزية في المنظمة، كيتي نيفياباندي، إن المنظمة وثّقت محاكمات جماعية تفتقر إلى معايير العدالة، وحالات اعتقال تعسفي واختفاء قسري في الإمارات. واستشهدت بقضية الشاعر عبد الرحمن القرضاوي، الذي قالت إنه اختفى عقب تسليمه إلى الإمارات عام 2025. وحذّرت نيفياباندي من الاعتماد على التعهدات الدبلوماسية وحدها لضمان سلامة الأشخاص الذين قد يجري تسليمهم، مؤكدة أن هذه الضمانات لا توفر بالضرورة حماية موثوقة من التعذيب أو غيره من الانتهاكات. وشددت على أن كندا ملزمة قانونياً بعدم تسليم أي شخص إلى دولة قد يواجه فيها خطراً حقيقياً بالتعرض للتعذيب أو سوء المعاملة. ودعت المسؤولين الكنديين إلى التعامل بحذر شديد مع المفاوضات، وعدم إبرام أي اتفاق قبل التأكد من وجود ضمانات فعلية لاحترام حقوق الإنسان.
استثمارات بمليارات الدولارات تعزز التقارب
وتأتي هذه المخاوف الحقوقية بالتزامن مع توسع العلاقات الاقتصادية بين أوتاوا وأبوظبي. وكان كارني قد زار الإمارات في نوفمبر 2025، وأعلن عقب الزيارة عن العمل على مشروع بقيمة مليار دولار لتوسيع قدرات معالجة المعادن الحيوية في كندا. كما تعهدت الإمارات باستثمارات تبلغ نحو 70 مليار دولار في الاقتصاد الكندي. وأكد مكتب رئيس الوزراء أن زيارة ولي عهد أبوظبي الأخيرة إلى أوتاوا أسفرت عن تقدم كبير بشأن تنفيذ الالتزامات الاستثمارية الإماراتية.
بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الحقوقية
وتضع هذه التطورات الحكومة الكندية أمام اختبار حساس، يتمثل في الموازنة بين سعيها لتنويع شراكاتها الاقتصادية وتعزيز التعاون الأمني والقضائي، وبين التزاماتها الدولية بحماية حقوق الإنسان ومنع التعذيب والاضطهاد. وفي حين تؤكد أوتاوا أن الاتفاقيات المقترحة تهدف إلى مكافحة الجريمة وتعزيز العدالة، ترى المنظمات الحقوقية أن أي تعاون في مجال تسليم المطلوبين يجب أن يخضع لضمانات صارمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدول تواجه اتهامات بانتهاكات جسيمة. ويبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع كندا توسيع شراكاتها الاقتصادية والقضائية مع الإمارات من دون المساومة على مبادئ حقوق الإنسان، أم أن المصالح الاستثمارية ستطغى على الاعتبارات الحقوقية؟
14 مشاهدة
02 نوفمبر, 2026
11 مشاهدة
02 نوفمبر, 2026
1 مشاهدة
02 نوفمبر, 2026