Sadaonline

قراءة في دلالات الانتخابات الأمريكية 2026 محاولة لتغيير هويتنا… لكن أولادنا أبطال الحاضر يعيدون كتابة الحقيقة

عدوك لا يحتاج إلى احتلال أرضك لكي ينتصر عليك

بقلم: د. وليد حديد
مونتريال

ما يحدث في الشرق الأوسط من محاولات لتغيير هويته العربية، وما يحدث في الغرب من حملات لتشويه صورة العرب والنيل من تاريخهم وإسهاماتهم، ليسا حدثين منفصلين عن بعضهما في سياق معركة الذاكرة والهوية.
إنها محاولة لتغيير هويتنا، وإعادة تشكيل وعينا بذاتنا وتاريخنا ومكانتنا في العالم. لكن أولادنا، أبطال الحاضر، يثبتون أن الحقيقة لا تموت، وأن الأجيال الجديدة قادرة على استعادتها وإعادة كتابتها.
في مقال سابق، كتبت أن عدوك لا يحتاج إلى احتلال أرضك لكي ينتصر عليك؛ يكفيه أن ينجح في تغيير هويتك، وأن يجعلك تنسى تاريخك وتشكّك في رموزك وإنجازاتك.
كنا نظن أننا نتحدث عن معركة قديمة، لكن نتائج الانتخابات الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر أثبتت، في قراءتي، أننا نتحدث عن معركة ما زالت حية، وإن اختلفت ساحاتها وأدواتها.
المشروع الذي حذّرنا منه لا يزال قائماً، وتتلخص مراحله في التشكيك بكل الرموز الإيجابية، ثم التشكيك في الشخصية الجماعية، وإعادة تشكيل المسارات التاريخية في الوعي، وتفتيت الفكرة الاجتماعية الجامعة، وصولاً إلى صناعة الفوضى، وإغراق المجتمع في أزماته اليومية، حتى ينشغل أفراده بتأمين الرغيف وينسوا السؤال الأكبر: سؤال الكرامة والهوية والمستقبل.
أما أدواته، فهي التي سبق أن أشرنا إليها: تزوير التاريخ بإعادة ترتيبه وحذف ما لا يخدم الرواية المطلوبة، واجتزاء الأحداث من سياقها، وقلب الأدوار، وطمس الإنجازات، وتضخيم الأخطاء وتعميمها، وتكرار الأكاذيب حتى تصبح مألوفة، وتوظيف الشهادات الانتقائية، واغتيال السمعة بدلاً من مناقشة الإنجاز.
هذه الأساليب لم تعد غريبة عن المجتمعات الحديثة، وقد شهدنا نماذج منها في التجربة الأمريكية خلال السنوات الماضية. لكن نتائج انتخابات الأمس حملت مؤشرات سياسية واجتماعية تستحق التوقف عندها.
ماذا حدث في الثالث من نوفمبر؟

استيقظت الولايات المتحدة صباح الرابع من نوفمبر على نتائج انتخابية تاريخية، بعدما نجح الديمقراطيون في استعادة السيطرة على مجلسي الكونغرس، منهين بذلك السيطرة الجمهورية على السلطتين التشريعيتين خلال العامين الماضيين من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب.

 

في مجلس النواب، حقق الديمقراطيون تقدماً واسعاً تجاوز عتبة الأغلبية، فيما تمكنوا في مجلس الشيوخ من قلب المعادلة، محققين أغلبية لا تقل عن 54 مقعداً وفق النتائج المعلنة حتى صباح اليوم، مع استمرار فرز بعض الأصوات.
ولم تكن أهمية هذه النتائج في عدد المقاعد وحده، بل في طبيعة الولايات التي شهدت تحولاً في مواقف ناخبيها، ومنها آيوا وكانساس وأوهايو ونورث كارولاينا وساوث كارولاينا وتكساس، إضافة إلى ولايات أخرى.
لقد أظهرت هذه الانتخابات أن ما كان يُعتبر مناطق انتخابية مضمونة لم يعد بالضرورة كذلك، وأن الناخبين قادرون على مراجعة خياراتهم ومحاسبة القوى السياسية التي منحوها ثقتهم سابقاً.
لماذا أولادنا هم أبطال الحاضر؟
هذا هو الاستنتاج الذي أريد التوقف عنده.
ليست المسألة مجرد حزب فاز على حزب آخر، ولا مجرد انتقال للأغلبية من الجمهوريين إلى الديمقراطيين. المسألة الأعمق هي أن جيلاً جديداً بدأ يفرض حضوره في الحياة العامة، ويرفض أن تكون ذاكرته ووعيه ومستقبله رهينة لرواية واحدة.
إن أساليب تشويه التاريخ التي تحدثنا عنها تعتمد على فكرة أساسية: أن تترك للخصم وحده حق كتابة التاريخ وتفسيره.
لكن جيل أولادنا لا يستمد معرفته من مصدر واحد، ولا يكتفي بما يُقدَّم له من روايات جاهزة. إنه يوثّق بالصورة والفيديو، ويحفظ الأرشيف الرقمي، ويقارن الوثيقة بالوثيقة، ويكشف الاجتزاء والتضليل، أحياناً في اللحظة نفسها التي تحدث فيها المحاولة.
حين يحاول البعض إقناعه بأن لا إنجازات له، يبحث بنفسه عن الحقيقة ويقدم الشواهد. وحين تُشوَّه الرموز وتُجتزأ مواقفها، يعود إلى الوقائع والسياقات الكاملة بدلاً من الاكتفاء بالأحكام المسبقة.
وحين يُراد حصر اهتمامه في لقمة العيش وحدها، يرفع هو سقف المطالبة إلى قضايا الكرامة والعدالة والحقوق والبيئة والحقيقة والمستقبل.
إن إعادة كتابة الحقيقة التي يقوم بها أولادنا ليست تزويراً جديداً للتاريخ، بل محاولة لتصحيح ما طاله التزوير، واستعادة الحق في رواية الأحداث وفهمها بعيداً عن المصالح والخصومات.
ولعلّ من أهم دلالات الانتخابات الأمريكية أن الأجيال الجديدة لم تعد مجرد جمهور يتلقى الرسائل السياسية والإعلامية، بل أصبحت طرفاً فاعلاً في تشكيل الرأي العام والتأثير في مسارات التغيير.
الخلاصة: معركة الهوية لا تنتهي
معركة الهوية لا تُحسم في الماضي، بل تُحسم في الحاضر، ويُرسم مستقبلها في وعي الأجيال القادمة.
إن عدوك ينجح في تغيير هويتك عندما يقنعك بأنك بلا ذاكرة، وبأن تاريخك لا يستحق أن يُروى، وبأن إنجازاتك لا قيمة لها.
لكن أولادنا، أبطال الحاضر، يثبتون أن الذاكرة لا تموت، وأن الحقيقة، مهما تعرضت للتشويه، تجد دائماً من يعيد البحث عنها والدفاع عنها.
إن نتائج الثالث من نوفمبر ليست نهاية هذه المعركة، ولا يجوز اختزالها في انتصار انتخابي عابر، لكنها تحمل درساً مهماً: لا يمكن السيطرة على وعي الأجيال إلى الأبد، ولا يمكن احتكار الحقيقة إلى الأبد.
وهنا تصبح حماية الذاكرة مسؤولية تتجاوز المؤرخين والباحثين؛ إنها مسؤولية أخلاقية وجيلية، تقع على عاتقنا جميعاً، لكنها تجد في أبنائنا أملاً متجدداً.
أولادنا ليسوا مجرد ورثة تاريخنا، بل هم صُنّاع تاريخ جديد، وأبطال الحاضر الذين يملكون أدوات الدفاع عن الحقيقة وصناعة المستقبل.