Sadaonline

اِندَمِجْ أَكثر او اصمُتْ أَفضل او ارحَلْ أَسرع! لك الخيار

العبث التشريعي ينمو ويزدهر في كيبيك، مترافقًا مع خطاب شعبوي يربط الهجرة بكل أزمة

د. علي ضاهر

نقابةُ المحامين في كيبيك، ذاك الجسم الوقور الذي اعتاد أن يختبئ وراء جدران الصمت كناسك في صومعته، لا يُسمَع له حسّ ولا يُرى له ظلّ، قرّر فجأة أن يفك اعتزاله، لتيقنه أنّ وباء تشريعيا ضرب هذه المقاطعة الكندية، فصعد إلى رؤوس ساستها، وعبَر إلى أدمغة مشرّعيها الرسميين فتركهم يتخبطون في بحر من النصوص والمواد، كأنهم يبحثون عن ماءٍ في الربع الخالي، فهاموا في حب اصدار القوانين وصار شغفهم بها كشغف جميل ببثينة: هذيان متواصل بالعلمانية، وغرام لا يهدأ بالدستور، وولع محموم بإصدار تشريعات لا تمتّ بصلة لا بحقوق الإنسان، ولا بالحرية، ولا بالمنطق. وكأنّهم وجدوا في التشريع لعبةً جديدة، يلهون بها كما يلهو الأطفال بالمعجون: يعجنون، ويفردون ويقصون ويشكلون اشكال مختلفة، ثم يصفّقون لأنفسهم كأنهم اخترعوا البارود.

هذا الانفلات القانوني أطاح بوقار نقابة المحامين، فدفعها إلى القول: "نحذر من تراجع دولة القانون في لحظة يتصاعد فيها النفوذ السلطوي عالميا، ونؤكد أن مشاريع القوانين المطروحة في كيبيك تفرض قيودًا خطيرة على الحريات العامة وقدرة المواطنين على الدفاع عن حقوقهم". فالنقابة لا تستطيع أن تعمل أذن من طين وأذن من عجين وتتغافل عمّا يجري حولها، لا لأنها مهووسة بالقانون، بل لأنّ الحكومة التي تضرب بمبدأ المساواة بين مواطنيها، وقعت في محظورات قانونية لا يمكن لأحفاد حمورابي السكوت عنها. مما دفعها الى خلع تحفظها والاسفار عن خوفها من تجاوزات الحكومة فرمت صمتها جانبا وأطلقت في وجه المشرّعين الرسميين صرخة مدوّية: يا ناس يا هووه، الديمقراطية في خطر! انتبهوا أيها السادة، فالقِدر يغلي!
فمنذ مدة، ودائما حسب رأى نقابة المحامين، العبث التشريعي ينمو ويزدهر في كيبيك، مترافقًا مع خطاب شعبوي يربط الهجرة بكل أزمة: من الجريمة إلى السكن إلى اللغة وحتى الى الخصوبة ومعدل الولادة وكأنّ عزوف النساء عن الولادة والجهل اللغوي المنتشر والعصابات المنظمة وعدم بناء المساكن سببهم كثرة القادمين الجدد. 
وبينما يحدث كلّ ذلك، تتقدّم أفكارُ اليمين العنصري بخطوات ثابتة، في وقت يقف فيه جزءٌ كبير من الجمهور مصفّقًا "كشاهد ما شفش حاجة"، وجزءٌ مهمّ من الإعلام متثائبًا كمن أُوقظ من نومه، وجزءٌ واسع من الطبقة السياسية يصفّق مستثمرا. مما يدفع إلى التساؤل: هل أصبحنا في كيبيك كالضفدعة التي وُضِعت في ماءٍ دافئ؟ مرتاحة، نعم، لكن الحرارة ترتفع ببطء، والوقت يمضي، والابتسامة الساذجة ما زالت على وجهها. فهل نقفز قبل أن يغلي القدر، أم لا نكتشف الحقيقة إلا بعد خراب البصرة، حين لا يعود الهروب خيارا، ولا يبقى سوى الاعتراف بأنّنا كنّا نطبخ على نار هادئة ونحن نضحك؟
ناقوس الخطر الذي دقّته نقابة المحامين يعود إلى إدراكها أن الأمر لم يعد يحتمل السكوت. فالموس قد يصل إلى لُحًى الجميع، فتنطبق علينا مقولة العرب: "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض". فالظلم عادة يتدرّج، ومن لا يقاومه في بدايته سيقع فيه لاحقًا. والنقابة أول من يفهم هذه الأمور. فموقفها العلني لم يأتِ بسبب قانون واحد، بل بسبب جملة من القوانين كما ونتيجة لثقافة سياسية جديدة تتعامل مع الحقوق الأساسية كأنها عائق يجب تخطيه، ومع الاعتراض كنكران جميل، ومع الاختلاف كتهديد. والأسوأ أنّ جزءًا مهما من الإعلام يتعامل مع هذه الأمور كما لو كانت أخبارًا خفيفة للتسلية ستمرّ كغيمة سحاب صيفية، هذا إذا لم يقم بعضه بصب الزيت. 
فحين تتخلى نقابة المحامين عن حيادها لتحذير الحكومة من اهتزاز دولة القانون، فهذا يعني أنّ السيل قد بلَغَ الزُّبى. لذا قالتها النقابة بتهذيب: لا لإضعاف حرّيات التعبير، لا لقصّ أجنحة الرقابة، لا لتضييق مساحة الاعتراض، ولا لتربية المواطن على الصمت عبر القوانين. فمن قانون العلمانية الذي حوّل الحياد إلى جهاز تفتيش على الملابس، إلى تلك التي تُقيّد الحق في التظاهر وتوسّع صلاحيات الدولة على حساب الأفراد، يبدو أنّ الحكومة وجدت في الخوف ضالتها. فإن كنت مسلمًا، أو مهاجرًا، أو كليهما، فأنت لست مواطنًا كامل الحقوق، بل حالة امنية يجب إدارتها، وظاهرة تحتاج إلى مراقبة، ومعضلةً يُستحسن حلها بنصوص القانون. وعندما يحذّر نقيب المحامين من قوانين تُعيق المواطن من الدفاع عن حقوقه، فهو لا يتكلّم كسياسي في محطة إعلامية لبنانية يرمي الكلام على عواهنه، لا احد يحاسبه، بل كرجل قانون يصف واقعًا يخاف ان تُصبح فيه الحقوق مشروطة بدين المواطن او أصله الإثني، او قابليته للاندماج. ففي كيبيك اليوم، لا تُقدِّم الحكومة مشاريع قوانين لحماية الحرّيات، بل لجعلها تتوافق مع معايير الانسجام. فالحرّية متاحة للجميع، شرط استخدامها كما يعجب السلطة. والاعتراض مكفول، شرط أن يبقى واطي السقف. والتنوّع مُرحَّب به، شرط ألا يُرى ولا يُسمَع، فإذا ارتدى حجابًا، اعتبر تحدّيًا للحياد وللعلمانية، وإذا تكلّم بلكنة تحيد عن المألوف، صُنِّف غير قابل للاندماج، وإذا أصرّ على الظهور أو التميّز ولو قليلًا، يُقال له: انتبه! شدّ حيلك! اندمج أكثر، واصمت أكثر، وتضاءل أكثر، وتلاشى خطوة خطوة، إلى أن تصبح ظلًّا. فإن فشلت، فالقانون جاهز ليقول لك: العطب ليس في النصوص، بل فيك أنت؛ والخلل ليس في النظام، بل في رأسك، أو ثيابك، أو لهجتك، عليك إصلاح نفسك والتحول الى مواطن صالح، لكن احذر! أنت تحت المراقبة المستمرة، تُوزن، وتُفحص، ويُعاد فحصك، إلى أن تقتنع بأنّ المشكلة فيك، وأنّ الحلّ أيضًا فيك! فإن لم تنجح، فالباب مفتوح، والله والنبي معك. الرسالة واضحة: نحبّك كما أنت، شرط أن تتوقف عن أن تكون أنت. وإن فشلت، نقولها بلباقة: اِندَمِجْ أَكثر او اصمُتْ أَكثر او ارحَلْ أَسرع، فلك الخيار!