Sadaonline

 حوار شامل مع الدكتورة الجامعية والشاعرة والروائية رلى الجردي حول مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي والأدب والشعر

دارين حوماني ـ  صدى اونلاين

"أمس في جامعتنا.. قلناها بالإنكليزيّة ونقولها بالعربيّة. نقف مع تلاميذنا. إنّ ما تفعله الجامعة مخجل. فمطالب التلاميذ عادلة، عقلانيّة وأخلاقيّة، وعلى رأس القائمة الإعلان عن الاستثمارات في الشركات الإسرائيليّة، خاصّة مصانع السلاح والتكنولوجيا، وسحب هذه الاستثمارات وإنهاء التواطؤ مع دولة عنصريّة إباديّة تحاول القضاء على بصيص الحياة في غزّة"، بهذه النبرة ترفع الدكتورة الجامعية والشاعرة والروائية رلى الجردي صوتها في مواجهة أصوات القنابل المرسلة على شكل استثمارات إلى غزة لإبادة الشعب الفلسطيني مرة بعد مرة، ولقتل الأطفال الفلسطينيين، وللسيطرة، على طريقة التوسع الإمبريالي الصهيوني نحو مياه غزة الغنية. ورلى الجردي درست علم الأنثروبولوجيا والتاريخ، وحصلت على الدكتوراه من جامعة ييل الأميركية Yale عام 1998، وهي باحثة أكاديمية تدرّس التاريخ الإسلامي والفقه السياسي في جامعة ماكغيل منذ عام 2004.

تدخل رلى الجردي في شرايين التربة اللبنانية وهي تكتب الرواية، تفكّك تفاهات الطائفية وما آلت إليه أوطاننا. وفي شعرها تأخذنا بيدنا في رحلة وجودية لنقف معها سويًا خارج هذا الكوكب. لها في الشعر ثلاث مجموعات شعرية "غلاف القلب" (2013)، "كَليلى أو كالمدن الخمس" (2016)، وما بعد الوردة (2022). ولها في الرواية ثلاث روايات هي "الكثافة: قصة حرب لبنانية" (2007)، "في علبة الضوء" (2017)، "مئة رعشة" (2021). كما نشرت مقالات وكتبًا أكاديمية تحيط باليسار والإسلام السياسي في لبنان، وأشكال التداخل بين العلمنة والتدين، والتحولات الفقهية السياسية في إيران والعراق وسوريا خلال القرن السادس والسابع عشر. فازت عن روايتها "في علبة الضوء" بـ"جائزة خيرالله" لعام 2020. وقد كان لصدى أونلاين هذا الحوار معها:

"مخيم من ضوء وسط الظلام.. تلاميذنا في جامعة ماكغيل يقاومون ضد الإبادة التي يتعرّض لها الشعب - الفلسطيني في غزة"، بهذه النبرة تتخذين موقفًا مع طلبة جامعة ماكغيل في اعتصامهم، وأنت الأستاذة المحاضرة في هذه الجامعة، وتشاركين معهم يوميًا منذ اليوم الأول للاعتصام الذي لا يزال مستمرًا منذ بداية حرب الإبادة إلى الآن، بداية، نود أن نتعرّف عن كثب عمّا يحصل هناك بين الطلاب وإدارة الجامعة، حيث أن ثمة مطالب ولكن لا يوجد تجاوب فعلي من قبل إدارة الجامعة. 

منذ سنتين بدأ صراع وهو لا يزال متواصلًا بين الهيئة الطلابية المنتخبة في جامعة ماكغيل وبين إدارة الجامعة لكي تقوم بمقاطعة إسرائيل، وتحديدًا مقاطعة كل الشركات الإسرائيلية المتعلقة بالسلاح والتكنولوجيا، وكذلك المقاطعة الأكاديمية لكل البرامج التي تقوم على التعاون الطلابي والأكاديمي مع الكيان الصهيوني. لا يزال هذا الصراع قائمًا، فقد رفضت الجامعة طلب المقاطعة، وأكثر من ذلك، لم تحترم الانتخابات التي قام بها الطلاب، والتي كانت نتيجتها أن حوالي 80% من الطلاب قاموا بالتصويت لإحلال وتطبيق بنود مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وتطبيق العقوبات. ما يهمّ الطلاب تحديدًا هو المقاطعة وسحب الاستثمارات، ولكن بدلًا من أن تلتقي إدارة الجامعة بالطلبة قامت بالتهويل والتهديد ومحاولة ضرب وحدة التلاميذ فتحدثت مع طالبَيْن وقالت لهم: "أنتما يجب أن تمثّلا التلاميذ وليس هم"، أي أنها قامت بالفتنة، ثم بالتهديد، كما صرّحت رئيسة الجامعة بأن بنود المقاطعة لا تتقاطع مع الأسس الديمقراطية في كندا وبأنها بشكل صريح معادية للسامية. إذًا، لم تحترم الجامعة رغبة الطلاب ولم تحترم نتائج الانتخابات. منذ ذلك الوقت، قمنا كأساتذة، أنا ومالك أبي صعب ودايانا آلن، وميشيل هارتمان التي هي إحدى قادة المعارضة، وهي معروفة في لبنان جيدًا، حيث هي أستاذة للأدب العربي ومترجمة لعدد كبير من الروايات العربية المعاصرة، وهي زميلتي في الجامعة، وهناك عدّة أساتذة آخرين، كنا قد وقفنا مع الطلاب، لنقول أن ما فعلته الإدارة إزاء الانتخابات الديمقراطية الطلابية هو عيب وغير مقبول، وهو تواطؤ مع كل أساليب العنف والقمع وقتل الأطفال والنساء، ومع سرقة الأرض والتمييز العنصري، واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، ومع أحوال السجناء، وكل ما قاموا به سابقًا في غزة، من قتل جماعي وحصار. بعد 7 أكتوبر، بدأنا نشهد السياسة الإبادية للكيان الصهيوني، انتفض الطلاب وبدأوا بتوزيع مناشير ثلاث مرات في الأسبوع ضد موقف الجامعة من الحرب، وبدأت التظاهرات والاعتصامات، وكنا نقوم بأفعال علنية وبأفعال غير علنية لكي نقول لإدارة الجامعة أن أيديهم مغمّسة بدماء الفلسطينيين، حيث تقوم الجامعة باستثمارات واسعة في قطاع شركات الأسلحة في الكيان الصهيوني، وهذا غير مقبول، التلاميذ يدفعون الأقساط لذلك صرّحوا بأنهم لن يدفعوا الأقساط فهذه الأموال تذهب إلى  الكيان الصهيوني وطالبوا بإحلال بنود المقاطعة. بدأت الجامعة باستخدام التهديد القانوني، وكانت وما زالت تفعل ذلك في رسائلها فلا تذكر كلمة "غزة" أو كلمة "الفلسطينيين". إذًا هناك سياسة ممنهجة متصهينة لهذه الجامعة وهناك برامج متواطئة مع الكيان، هي برامج في عدد من الكليات أبرزها في كلية الهندسة المعمارية، وفي كلية إدارة الأعمال، وفي كلية الحقوق، هناك تواطؤ من قبل الجامعة بالاستثمارات، هناك تعاون أكاديمي عميق مع الكيان الصهيوني، مثال على ذلك، أذكر المهندس المعماري الصهيوني من عائلة "صفتي"، وهو أحد مصمّمي الميركافا التي تم من خلالها التطهير العرقي للفلسطينيين سنة 1948 والملف الكامل لما يسمى المخطط المعماري موجود في ماكغيل وقد أُعطي لماكغيل لتدريس المادة ووضعها في المتاحف وعرضها، وهذا أكثر من مجرّد تطبيع، هذا التبادل الثقافي مع الكيان الصهيوني هو تصهْيُن في العمق. لقد قمنا بنوع من رحلة مشيًا على الأقدام بين كل كلية وأخرى، وبين كل مبنى وآخر، لنشهّر بهذا التاريخ المليء بالارتباطات العميقة مع الكيان الصهيوني، مع القتل، مع الإبادة، مع اقتلاع الشعب الأصلي من أرضه، ومع العذابات الأخرى التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني كل يوم. الجامعة إذًا لديها استثمارات عديدة، نحن نتحدث عن مليارات الدولارات، هناك صهاينة بأبشع وجوه الصهيونية، صهاينة يقومون بدفع المنح الطلابية للطلاب، وبالمقابل هناك استثمارات من قبل الجامعة بشركات الأسلحة والتكنولوجيا التي تقوم بالمراقبة والاعتقال وسجن الأطفال الفلسطينيين.

لا يوجد تجاوب أبدًا، أقام التلاميذ المخيمات منذ شهرين تقريبًا، وقد أصبحت المخيمات أمرًا واقعًا، حاولوا أن يتذاكوا على الطلاب بأن يقولوا حسنًا، نحن سنؤلف لجنة للبحث بمطالبكم. هذه اللجنة لا تعني شيئًا، لا يستطيع الطلاب في المخيم إنهاء حالة التظاهر فقط بوعد أنه سيكون هناك لجنة، أيضًا قدموا نقطة أخرى تافهة هو أننا نستطيع أن نقدّم منحًا طلابية لتلميذين من فلسطين، لكن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى شفقة من أحد، المقاطعة ليس لها علاقة بمثل ذلك، أن تأتوا بطالبين أن يتعلموا في الجامعة كل سنة لا ينهي الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون. ثانيًا، لا يوجد ضمانة بأن هذه اللجنة لن تُحلّ في أي وقت يريدونه، أي أنهم إذا أرادوا أن يحلوا اللجنة سيفعلون ذلك بكل سهولة. هذه هي المشكلة، أنه لا يوجد ضمانة، لا بل هناك أسوأ من ذلك، قالوا بأن لنا الحق ونحن نريد أن نتناقش في مطالبكم ولكن لنا الحق طوال الوقت أن نأخذكم إلى المحكمة وأن نرفع عليكم الدعاوى لاقتلاع المخيمات من الجامعة. فقالت اللجنة الطلابية المفاوضة لإدارة الجامعة: "هذا لا يجوز، هذا يسمى Conflict of Interest ، فيما نية النقاش يجب أن تكون سليمة، للبحث عن حل، ولتكون النية سليمة أنتم لا تستطيعون أن ترفعوا دعاوى في المحكمة ضدنا". من البداية هناك نوع من الغباء من قبل الجامعة، فقد قالت فاليري بلانت البارحة: "لا نستطيع أن نساعد ماكغيل، لأن إدارة ماكغيل حفرت حفرة لنفسها لأنها ذهبت مباشرة إلى المحكمة لترفع دعوى على الطلاب بدلًا من أن تحاول أن تصل إلى اتفاق معهم. من هذا المنطلق ما قدّمته الجامعة لا يساوي شيئًا. البعض يسومون المخيمات والطلبة بالعداء للسامية وبأمور أخرى اعتبرتها المحكمة شرعية وديمقراطية حيث كان ردّ المحكمة أنها لم تجد في الدلائل التي نظرت إليها ما يدين الطلاب وما يستطيع أن يجعل المحكمة تصدر قرارًا بإنهاء المخيمات. هذا الشبح الدائم الذي يخوّفوننا به أي العداء للسامية يبدو أنه لا يجد الفعالية التي كانت موجودة في السابق حتى بين اليهود أنفسهم. 

تهمة التجاوز ومعاداة السامية تلاحق المعتصمين من أساتذة وجامعيين، هل ترين أن ما يحصل قد يؤثر على المستقبل الأكاديمي في بلاد يتحكّم بجامعاتها لوبي صهيوني؟ وخصوصًا أنه يمكننا أن نقدّم أمثلة عديدة في هذا الصدد عن فصل أكاديميين في أوتاوا وغيرها.

أريد أن أنوّه بمسألة أكبر من اللوبي الصهيوني، هذا اللوبي قد يكون واضحًا نحن نعرف أسماء الأشخاص الفاعلين فيه، ولكن المسألة أبعد من ذلك. قال المؤرخ اليهودي إيلان بابيه المتعاطف جدًا مع القضية الفلسطينية: "فلسطين حرة من البحر إلى النهر"، وقد أوقف من قبل المخابرات الأميركية منذ أسبوعين، علمًا أنه يهودي، واضطر أن يترك إسرائيل لأنه يقف إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني، وقال جملة مهمة جدًا بأن السياسة الأميركية في تركيبتها الجينية هي صهيونية. ونحن ننظر إلى سياسة الجامعة على أنها سياسة صهيونية. هم يتشرّبون المقولات والأفكار وأسس الصهيونية ولا يرون مشكلة في التمييز العنصري الذي تعكسه هذه الأيديولوجيا. إدارة الجامعة متماهية مع الصهيونية، وهي جزء من الطريقة التي يحمون بها أنفسهم ويقفون ضد العدالة ولا يرفعون أصواتهم ضد الإبادة بحق الشعب الفلسطيني، لذلك هذه الجامعة تنتبه جيدًا عندما تكتب الرسائل إلى الطلاب أو إذا أعلنت قرارًا فإنها تركّز دائمًا على أن تصوّر الصراع على أنه صراع بين المسلمين واليهود.

احتمال فصل أكاديميين قائم، ولكن نحن نتمسك بحقنا بالتظاهر، وحقنا برفض ما يقولون، وحقنا باتهامهم مباشرة بالتواطؤ بما يتعلق بالإبادة ونحن لن نتوقف عن ذلك كأساتذة، حتى لو كان هناك احتمال لفصلنا، لأننا وصلنا إلى مرحلة اللارجوع في الواقع، هي مرحلة لا رجوع، إما أن نقول إننا لن نعيش في ظل جامعة تقوم بإمداد هذا الكيان المتوحش الذي أصبح منقطعًا عن العقل والضمير، فلا يوجد أي طريقة لتبرير وجود هذا الكيان. وأعتقد أن بشاعة هذا الكيان الآن تزداد لأن لا مناصّ من إنهائه. هناك دائمًا هذا الاحتمال وهذا الخوف من فصلنا، ولكننا نتمسك بفكرة الدفاع عن الإنسان وعن إنسانية الفلسطينيين وحقهم في الحياة، وإنهاء الإبادة.

وشخصيًا، بغضّ النظر عن القضية الفلسطينية، نحن في لبنان احتلت إسرائيل أرضنا في لبنان، وفهمنا منذ زمن بعيد، أن كل هذه اللجان وقرارات الأمم المتحدة لا قيمة لها. عرفنا أن الكفاح المسلح هو الطريقة الوحيدة لإخراجهم من أرضنا. هذه هي الطريقة الوحيدة، كل ما عدا ذلك كذب. هناك حوالي 48 بيانًا يدين إسرائيل منذ العام 1948، ماذا حصل؟ إسرائيل تزداد وحشية وقهرًا وتدميرًا وتخويفًا. لهذا السبب أعتقد أن الإنسان العادي وصل لمرحلة أنه لا يمكن أن يتعايش مع هذا الوضع، الآن هناك احتمالات، صحيح، ولكن هناك أساتذة حتى الذين فصلوا يستخدمون القانون ويدافعون عن أنفسهم من خلال القانون، من خلال ما يدّعون من أن هذا جهاز حكومي ديمقراطي؛ الديمقراطية المتصهينة، الديمقراطية التي تشرّبت الصهيونية وبات التفكير كصهيوني أمرًا طبيعيًا بالنسبة إليها.

ذكرتِ لي منذ قليل اسمين من الأساتذة الذين يشاركون في الاعتصام معكم، كيف ترين مواقف الأساتذة الأكاديميين في الجامعة بشكل عام، بمعنى آخر، كيف هو الجو داخل الجهاز الأكاديمي في الجامعة؟

هناك عدد كبير لا يستهان به من الأساتذة الداعمين لمخيّم الطلبة ومطالبهم، مثلًا عندما يُصدر الطلاب عريضة ما يتم دعمها من قبل هؤلاء الأساتذة على أساس حرية رأي الطلاب، وبأنه يجب أن يتم احترام آراء الطلاب الداعمين لمطالب الشعب الفلسطيني وإيقاف نزيف الدم والإبادة وبالطبع محاكمة ومعاقبة إسرائيل وإحلال المقاطعة BDS. هذا العدد من الأساتذة يزداد وهذا أمر جميل، وهناك 5 أساتذة من اليهود الذين أعرفهم وأحترمهم جيدًا من الذين يقفون معنا وهم داعمين لمقاطعة إسرائيل وإجبار الجامعة على سحب استثماراتها، ولقد حضروا إلى المحكمة حين سألت المحكمة إن كان هناك في المخيمات أي مظهر للعداء للسامية فتحدث زملائي اليهود مع القاضية وقالوا بأنهم لم يجدوا أي مظهر من مظاهر العداء للسامية. إذًا، رفضوا أن تستخدم الجامعة العداء للسامية كسلاح ضد الطلاب وقالوا ذلك علنًا.

يشارك في الاعتصام أيضًا طلاب يهود، وقد احتفلوا في وقت سابق بعيد الفصح اليهودي من قلب الاعتصام، هل من صورة معينة يمكن أن تعكسها مشاركتهم، كون تهمة معاداة السامية حاضرة بوجه الطلبة؟

بتجربتي، تحرّك الطلاب اليهود هو الأهم، وهم نسبة كبيرة، وهو أهم من موقف الأساتذة، الطلاب فرضوا أنفسهم، عبر العصيان المدني، لا يتراجعون، والأساتذة لا يريد أن يراهم الطلاب بصورة الجبناء. هناك منظمة مشاركة في المخيم اسمها "أصوات يهودية مستقلة" Independent Jewish Voices ولديهم قيادة رائعة، والنساء يلعبون دورًا مهمًا في إدارة هذه المنظمة داخل المخيم، وهؤلاء معادين للصهيونية بشكل كامل. الطلاب من أصل يهودي لعبوا دورًا مهمًا في دعم المخيمات. دعم الطلاب أكثر أهمية من دعم الأساتذة، أولًا من ناحية العدد، عدد الطلاب أضعاف أضعاف عدد الأساتذة، حيث أن عددهم بالآلاف. ثانيًا، بالنسبة للأساتذة، أنا كإنسانة ماركسية أعرف أن الأساتذة دائمًا يفكرون بمناصبهم وبالراتب الذي سيأتي آخر الشهر، يفكرون بعائلاتهم، ويحسبون كم يستطيع أن يغامر الأستاذ فيهم، وبالأخص أن كثيرًا من الأساتذة الموجودين هنا ليسوا موجوعين مثلنا. نحن قادمون من بلاد تفهم ماذا يعني إسرائيل. ولكن عن الدعم، نعم يوجد دعم من قبل الأساتذة اليهود، وهم من المقاطعين لإسرائيل ويعتبرون المقاطعة الطريقة الوحيدة للخروج من المستنقع الصهيوني. من هذه الناحية، المشاركة اليهودية ممتازة، وأعود وأقول أن الزخم الذي قام به الطلاب، والحركة التي قاموا به هي حركة تاريخية. هل تعرفين ماذا يعني أن يقيم المئات في هذه المخيمات تحت كل الظروف من مطر وبرد ورعد. حقيقة، كنت أشعر في الليالي الماطرة أني أريد فقط أن يطلع الصباح كي أذهب لمساعدتهم، صارت مسؤوليتنا، ونحن طوال الوقت "على أعصابنا"، كل يوم نحن موجودون في المخيم. هناك طلاب ملتزمون بشكل كامل لا يفارقون المخيم، وهناك نسبة من الطلاب داعمين، مثل بيئة حاضنة ولكن ليسوا على الأرض كل يوم. 

كندا هي حليفة المنظومة السياسية الأميركية، وتاريخ أميركا حافل بالاعتصامات الطلابية، ورغم ذلك تشهد الجامعات في البلدين تضييقًا على الطلاب المعتصمين، وقمعًا لهم في أماكن معينة، برأيك، القمع الذي تتعرّضون له ألا يخدش "الديمقراطية الليبرالية" و"حرية التعبير" اللتين تتوسّمهما هذه البلاد؟

 في الواقع، إذا نظرنا في العمق، إن هذه النيوليبرالية ملائمة لمثل هذا النوع من صمّ الآذان على الإجرام الذي يقومون به. فنحن نعرف أن أميركا قائمة على احتلال أراضي السكان الأصليين وإبادتهم وكذلك الأمر في كندا. نحن في جامعة ماكغيل نقف على أرض السكان الأصليين الموهوك، وإلى اليوم، الحكومة لا تعطي هذا الشعب حقه بهذه الأرض؛ حتى رفات أجدادهم المدفونة في رويال فكتوريا، لم يستطيعوا أن يوقفوا الحفريات ويقولوا "هنا أرض مقدسة، هنا أراضي أجدادنا"، وعلى الأقل أن ينقلوا الرفات ويمنعوا التشويه. إذًا، نحن نتحدث عن بلدين في العمق مع النيوليبرالية تسمح لنا بالتظاهرات والعصيان المدني ولكنها في عمقها لا تقبل بالتغيير الجذري الذي يعترف بحقوق السكان الأصليين. هي مسألة ممنهجة أن يتصرفوا بأن السكان الأوائل في الهامش، غير موجودين، فلماذا سيعترفون بحقوق الفلسطينيين، هناك تواطؤ ضمني، وتواطؤ صامت بينهم، والنيوليبرالية في الواقع لا تهدّد هذا التواطؤ، هي مشتبكة معه، لأن هناك مصلحة. مثلًا قصة الملكية الفردية في النيوليبرالية مهمة جدًا، يتحدثون بأن هذه الأرض هي أرض ملك خاص لماكغيل فيما تأتي تقريبًا كل أسبوع آلن غبريال وهي إحدى زعيمات شعب الموهوك، تقف مع الطلاب، هي تقف مع حقوق الفلسطينيين، وتردّد أيضًا أن هذه الأرض التي تقفون عليها هي أرض الموهوك ونحن نريدكم هنا، أن تنصبوا الخيم هنا، هي تأتي لتدحض ملكية ماكغيل لهذه الأرض.   

بالعودة إلى نتاجك الشخصي، تكتبين الرواية والشعر بشكل متلازم، إضافة إلى الأبحاث والمقالات وشغلك الأكاديمي، تنويعات جمالية أحب أن أسمّيها، ما هي تأثيرات عملك الأكاديمي على كتاباتك وعلى أسلوبك، وربما على انقطاعك أحيانًا عن النتاج الأدبي، هل تتأثر كتابة الرواية والشعر بالاشتغال الأكاديمي؟

سؤال جميل، بالنسبة للشعر لا يوجد انقطاع، لأن الشعر نوع مثل الأوكسيجين بالنسبة لي، لغة الداخل، فهي طريقتي بالتنفس، فالشعر لا يتأثر أبدًا ولكن الرواية تتأثر، لأن عملي الروائي مبني على أن أقوم ببحث معين في كتابة الرواية، وحين أكون متعاقدة مع دار نشر لإنهاء عمل أكاديمي أو نشره في مجلة لا أحب أن يكون هذا العمل متزامنًا مع كتابة الرواية، أشعر بأني أحتاج لأن أتفرّغ تمامًا للرواية، أن أتفرّغ نفسيًا وعقليًا لها، لذلك في بعض الأحيان يقف الاشتفال الأكاديمي حائلًا. هناك كتاب أكاديمي يجب أن أنتهي منه قبل شهر، وكنت قد كتبت رواية بالكامل منذ سنة وانتهت، أريد فقط أن أقوم بالتنقيح، ولكنني وضعتها جانبًا لأنني لا أحب أنقحّها وأنا أقرأ مخطوطات فارسية من القرن السادس عشر عن الفقه وأصول الفقه من أجل بحثي الأكاديمي، هناك نوع من التضاد بين هذين الحقلين.

في روايتك "مئة رعشة" تقولين: "تركتُ البلد، والذين لم يتركوا، باتوا يصارعون طواحين الهواء، لم يوقفوا النزيف..".. ثم تقولين: "أما أنا، فأردتُ أن أنقطع إلى نفسي، أن أرتوي من الانفصال. ربما كان قلبي يحتاج إلى شيء من العدم، انخفاض في العلاقات الإنسانية، مع ذلك لم تبتعد عني أصوات باب التبانة.. صراخ أطفال الحي... نداء المؤذنين.. اختصام بائعي الخضار، أصوات الموتسيكلات، أشعر بدفئها والتصاقها، وبقسوتها معًا"، هل نحن أمام أدب الاغتراب وتجربة الكتابة تحت وطأة الشعور بالشرخ عن الوطن، فكان ذلك تجسيدًا لما تشعرينه من معاني الانسلاخ عن المكان الأول ثم الانقسام النفسي الذي يرافقنا بين هنا وهناك؟

فعلًا، هي حالة متناقصة ومعقدة حيث الشعور بالحنين لا يتوقف أبدًا، ولكن هذا الشعور بالحنين أيضًا يرتبط بحالة الخروج من الوطن ومن البيئة الأولى، من البيت. هذا الخروج كان بسبب عوامل صعبة ومريرة وحزينة، لم يكن الاستمرار في البلد بعدُ ممكنًا، لا أكاديميًا، ولا اقتصاديًا، ولا سياسيًا، وهنا أتكلم عن الحرب الأهلية، حين وصلت الأمور "للقتل على الهوية"، بات من الصعب جدًا البقاء هناك، ولذلك أشعر أحيانًا بالغربة عن الإنسان الآخر الذي يحمل الضغائن القديمة، وكما قال جبران خليل جبران "الأفضل أن أكون غريبًا بين غرباء من أن أكون غريبًا بين أهلي"، هناك هذا الصراع، وبنفس الوقت لا يستطيع الإنسان أن ينفصل بالكامل، هناك تفاصيل صغيرة وحميمة جدًا تبقى في المخيلة ومع الوقت تأخذ أشكالًا أخرى، الألم يأخذ شكلًا آخر، والفرح يأخذ شكلًا آخر، ولكنه ينبع من المكان الذي أستقي منه الوحي، وأفكاري في الكتابة ومشاعري التي أكتبها، هي علاقة الماضي بالحاضر وهي طوال الوقت متغيرة. في هذا الانفصال والانسلاخ والاغتراب علاقة من الديالكتيك، علاقة جدلية بين الاثنين، والكتابة هي ما يحدث بين هذين النقيضين.

لديك موقف من الطائفية في لبنان، تكتبين على صفحتك الفيسبوكية: "علّمونا في لبنان بأنّ كلّ حادثة فرديّة أو غير فرديّة هي اعتداء على الطائفة، والاعتداء على الطائفة هو اعتداء على الوجود، والاعتداء على الوجود يتطلّب حربًا دائمة مفتوحة. هذا دأبنا، أن نغضّ النظر عن الأزمة الاقتصاديّة الخانقة، عن مصالح البنوك، عن عجز الدولة، عجز السيادة وعجز الأمن، عن الحروب والتهجير والمآسي التي تعرّض لها السوريّون والعراقيّون، والتي تركت آثارًا عميقة في المنطقة كلّها، والأهم الصراع الطبقي، والاستعمار وإسرائيل. لم أتحدّث بعد عن مأساة فلسطين. كلّا كل هذا لا معنى له أمام تفسير واحد أحد، استهداف الطوائف لبعضها البعض"، هل هذه الحروب الداخلية الصامتة تؤكد على يأسنا من الوطن وانسحابنا منه نهائيًا؟

في الواقع، أحيانًا يصل الإنسان إلى هذه النتيجة، نوع من اليأس، لا نستطيع أن نعيش داخل البيئات المغلقة التي تفسّر كل شيء من خلال الخطاب الطائفي والرؤية الطائفية. ولكنني أؤمن بالضوء، هناك مساحات جميلة قليلة في لبنان ولكنها موجودة، وهذه المساحات الخلاقة تظهر من بين الضغائن الطائفية، ويستطيع الإنسان أن يرى بوضوح ما يمكن أن يحصل في لبنان من تطور وجمال، هذا ممكن أن يحدث. نحاول أن نخلق هذه العوالم الجميلة الصغيرة في لبنان، لكي نقدر على أن نمارس حياتنا اليومية ولو بشكل طبيعي. حتى الحوارات اليومية هناك مثقلة بالضغائن الطائفية والمذهبية، إلى درجة يشمئز منها الإنسان. في بعض الأحيان، تجدين أنك توجهين حديثًا وتصحّحين وتقومين بتحدٍّ للأفكار، ولكن يتعب الإنسان مع الوقت.

تكتبين الشعر بالإنكليزية والعربية، وهذا نادرًا ما يحصل في الشعر، كيف قررتِ هذه الخطوة، هل هي اللغة التي تتملكنا وتتمسك بذواتنا عند سيلانها على الورق فتقرّر نفسها؟

فعلًا، تعرفين أن الشعر مسألة معقدة هي لغة أخرى تمامًا، لا أعرف لماذا بدأت أكتب بالإنكليزية، ففي الشعر، إن لم أشعر بأنني أكتب بالإنكليزية بالروح ذاتها الطبيعية لن أستطيع أن أكتب الشعر، إن لم أشعر بالراحة التامة داخل هذه اللغة. وهذا بالطبع لم يحدث منذ بدايات كتابتي للشعر، كان ذلك منذ 15 سنة تقريبًا مع أنني عشت هنا طويلًا أكثر من 25 سنة. بالطبع أشعر براحة، ورأيت أن هناك تلقّفًا لقصائدي بالإنكليزية، يُصار إلى قراءتها، وتُنتخب بالقائمة القصيرة في الجوائز، فهذا شجّعني، بأن أتواصل مع الشعراء هنا. في البداية يكون هناك قلق، أنا لا أتعجب إذا قال لي أحد "أنت تكتبين الشعر بالإنكليزية ولكن هو بالروح العربية"، بالطبع الشعر معقّد، هذا يجوز. نعم أكتب الشعر باللغتين، ولكن ربما هناك تواصل بين اللغتين، ولكن يجوز أن يكونا نظامين مختلفين من الشعر.

هل تجدين أن الترجمة خيانة للنص الأدبي الأصلي، كما يقول الإيطاليون؟

سؤال جميل، في الشعر أفضّل أن أترجم لنفسي، أشعر بأنني أستطيع أن أقوم بذلك، أحب أن آخذ رأي شاعر أو شاعرة يُترجم، لأن الشعر يحتاج لشاعر، الذي يشتغل بالشعر يجب أن يسأل شاعر، أنا مقتنعة بهذا الأمر. بالنسبة إلى الرواية، لا أظن أنني أستطيع أن أقوم بالترجمة إلى الإنكليزية فترجمتي للإنكليزية ستكون كمن يكتب بالعربية داخل الإنكليزية، لن تكون طيّعة، لكن الشعر يسمح لنا بتجاوز بعض القوانين باللغة الإنكليزية، يسمح لي أن أقوم بترجمة أقرب إلى نفسي التي يقوم بها الآخرون.

تستخدمين أسلوبًا سرديًا وشاعريًا في الآن نفسه في رواياتك؛ تلك الشاعرية التي تحقّق فرادة في حركة الكتابة، وتحقّق ما قاله الشاعر غيوم أبولينير عام 1917: "يمكننا أن نكون شعراء في جميع الميادين: يكفي أن نكون مغامرين وأن نلبّي بصدق هذه النزعة فينا"، هل ثمة فاصل غير مرئي بين الشعر والرواية، وهو الذي يحدّد الصوت الأدبي للكتابة؟

لا شك أنني من الأشخاص الذين يقاومون التجنيس الأدبي الصرف الذي يقول هذا شعر أو هذا رواية، تمامًا كما تقولين، ولكن هناك مساحات في الرواية أشعر أنني أستطيع أن أوصل الفكرة وهو شعور وهو قرار ولكن بهذه الطريقة الشاعرية. إذا كان هناك رؤية فلسفية أراها، من الأسهل لي أن أقولها شعرًا من أن أقولها فقط كسرد روائي صرف. فلا شك أن هناك خيطًا يستطيع الإنسان أن يتجاوزه بين الرواية والشعر، هناك الشعر على طريقة سرد الرواية، كما نجد كثيرًا بين الشعراء مثل سعدي يوسف، كثير من قصائده مثل رواية صغيرة. هذا موجود صراحة. تخطي التجنيس الأدبي مهم لفهم عوامل الإبداع في الكتابة الأدبية كلها.  

يقولون أن الرواية يمكن أن تنفصل عن ذات كاتبها أما الشعر فلا يمكن إلا أن يُترجم روح الشاعر وسيرته الذاتية في مواجهة العالم.. ماذا تقولين في ذلك؟

تمامًا، أعتقد أن لغتي الأولى هي الشعر. عندما أُسأل متى كتبتِ روايتك الأولى أستطيع أن أقول أي سنة بدأت كتابة الرواية، أما الشعر فلا أستطيع أن أذكر متى بدأت كتابة الشعر، كنت صغيرة جدًا، لأن الشعر هو تمامًا لغة الأعماق، هو تعبير عن الأعماق وهو أشياء غير موجودة في الوعي، لذلك، الشعر ملتصق أكثر بالسيكولوجيا وبروح الإنسان. 

الكلمات الدالة

معرض الصور