Sadaonline

المؤمن العاقل ينصر الحقّ ويخذل الباطل

القرآن الكريم لا يفتح باب “الحياد” حين يتمايز الحقّ والباطل

سماحة الشيخ حسان منعم ـ مونتريال

من أخطر صور الانحراف في فهم منهج أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أن تُؤخذ كلماته الشريفة على نحوٍ انتقائي؛ فيُستمسك ببعضها ويُترك بعضها الآخر، حتى يُنتَج من ذلك فهمٌ مبتور يبرّر التخلّي عن الواجب الشرعي تحت عنوان “الحياد” أو “الاعتزال”. ومن أبرز ما يُساء الاستدلال به في هذا الباب قولُه (عليه السلام): «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ»، فيُتوهَّم أنّ الإمام (عليه السلام) يدعو إلى الانسحاب المطلق من مواطن الصراع، وعدم الانحياز إلى الحقّ ولو كان واضحًا بيّنًا. والحال أنّ هذا الفهم لا ينسجم مع سائر كلمات الإمام (عليه السلام)، ولا مع نهجه العملي في نصرة الحقّ ومواجهة الباطل. وقد وردت هذه الكلمة في نهج البلاغة، الحكمة الأولى.  
إنّ القرآن الكريم لا يفتح باب “الحياد” حين يتمايز الحقّ والباطل، بل يرسم للمؤمن وظيفةً أخلاقيةً وشرعيةً واضحة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، ويقول أيضًا: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]، ويقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]. فالأصل القرآني ليس التفرّج على الظلم، ولا الاحتماء بشعار السلامة الشخصية، بل القيام مع الحقّ، ومنع الباطل من أن يجد في صمت الناس أو تردّدهم مجالًا للتمدّد.
وعلى هذا الأصل نفسه تكلّم أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً رَأَى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأَى جَوْرًا فَرَدَّهُ، وَكَانَ عَوْنًا بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ». فالإمام (عليه السلام) لم يجعل الموقف الشرعي مجرّد تفرّجٍ متحفظ، بل جعله قائمًا على ركنين: نصرة الحقّ وردّ الجور. وهذا نصّ صريح في أنّ المؤمن لا يُعفى من المسؤولية إذا تبيّن له وجه الحقّ، ولا يملك أن يختبئ وراء “المنطقة الرمادية” حين يكون التكليف واضحًا.  
بل إنّ الإمام (عليه السلام) أدان صراحةً موقف الذين لم ينخرطوا في نصرة الحقّ، فقال في وصف بعض المعتزلين: «خَذَلُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَنْصُرُوا الْبَاطِلَ»، وفي نقلٍ آخر: «لَمْ يَنْصُرُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَخْذُلُوا الْبَاطِلَ». وهذه العبارة في غاية الدلالة؛ لأنّها تكشف أنّ عدم الوقوف مع الباطل لا يكفي وحده في تبرئة الإنسان، إذا كان في المقابل قد ترك نصرة الحقّ. فالموقف الشرعي ليس مجرد “ألا أكون مع الباطل”، بل أن أكون مع الحقّ حين يتعيّن. ولذلك كان هذا “الاعتزال” عند الإمام (عليه السلام) تقصيرًا لا فضيلة، وخذلانًا لا ورعًا.  
وتتجلّى هذه الحقيقة بوضوح في حوار الإمام (عليه السلام) مع الحارث بن حوط، حين قال له: «يَا حَارِثُ، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ، إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ أَهْلَهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ». فلمّا قال الحارث إنّه يعتزل مع سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، أجابه الإمام: «إِنَّ سَعْدًا وَعَبْدَ اللَّهِ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ وَلَمْ يَخْذُلَا الْبَاطِلَ». فالإمام (عليه السلام) لم يعتبر الاعتزال في هذا المقام رشدًا، بل كشف أنّه ناشئ إمّا من عدم تشخيص الحقّ، أو من عدم القيام بمقتضاه بعد معرفته. وفي الحالتين معًا تكون النتيجة واحدة: تركُ الحقّ بلا نصير، وفتحُ الطريق أمام الباطل ليتقوّى. وهذه الكلمة من نهج البلاغة، الحكمة 262، وقد نُقلت أيضًا في بحار الأنوار.  
ومن هنا يتبيّن أنّ رواية «كن في الفتنة كابن اللبون» ليست قاعدةً عامّة للانسحاب من كلّ نزاع، بل هي توجيهٌ مخصوص بموارد الاشتباه والالتباس، حيث تختلط الوجوه وتُستغلّ الطاقات في غير وجهتها الشرعية. أمّا إذا تميّز الحقّ من الباطل، ووضح سبيل العدل من سبيل الجور، فلا يكون “الحياد” حيادًا في الحقيقة، بل يتحوّل إلى صورةٍ من صور الخذلان. وهذا المعنى تؤيّده سائر كلمات الإمام (عليه السلام) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفض السكوت عن الجور.  
ويؤكّد هذا المعنى أيضًا ما رُوي عن الإمام الرضا (عليه السلام): «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ». كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيُولّى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يُستجاب لكم». فترك المواجهة الشرعية للمنكر لا يبقى أثره محصورًا في دائرة الفرد، بل ينعكس على مصير المجتمع كله، حتى يتسلّط الأشرار ويضعف صوت الصالحين.  
وفي روايةٍ شديدة الدلالة عن الإمام الصادق (عليه السلام): «العاملُ بالظلم، والمعينُ له، والراضي به، شركاءُ ثلاثتهم». فالرواية لا تحصر الإثم في الظالم المباشر، بل تُدخل في دائرة المشاركة مَن أعانه، بل ومَن رضي بفعله. وإذا كان الرضا بالظلم مشاركةً فيه، فإنّ الصمت الذي يُفضي إلى تقوية الظالم، أو التخلّي عن نصرة المظلوم مع القدرة، ليس أمرًا هيّنًا في ميزان الشريعة. وقد ورد هذا النص في الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب الظلم، ج2، ص333.  
كما ورد في الروايات الحاثّة على نصرة المؤمن والمظلوم: «ما من مؤمنٍ يعين مؤمنًا مظلومًا إلا كان أفضلَ من صيام شهرٍ واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمنٍ ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلا نصره الله في الدنيا والآخرة، وما من مؤمنٍ يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلا خذله الله في الدنيا والآخرة». وهذه النصوص تبيّن بوضوح أنّ النصرة ليست خيارًا ثانويًا، بل فريضةٌ أخلاقية وإيمانية، وأنّ الخذلان ليس موقفًا سلبيًا محايدًا، بل له تبعةٌ عند الله تعالى.  
وعليه، فليس للمكلّف أن يتذرّع بالحذر أو الاعتزال كلّما استدعى الموقف كلمةَ حقّ أو موقفًا ناصرًا للعدل. نعم، قد يكون التثبّت مطلوبًا حين تشتبه الأمور، لكنّ التثبّت شيء، وترك نصرة الحقّ بعد اتضاحه شيء آخر. فمتى بان وجه الحقّ، لم يعد “الحياد” فضيلة، بل صار عجزًا أو تخلّيًا أو خذلانًا؛ لأنّ السكوت في موضع البيان خيانة، والتردّد في موضع النصرة تقصير، والحياد عند وضوح الحقّ انحيازٌ غير معلن إلى الباطل. وأمّا تنزيل هذه القاعدة على الوقائع المعاصرة، فلا بدّ أن يكون على بصيرةٍ وعدلٍ وتثبّت، وبالرجوع إلى أهل العلم والبصيرة، لا إلى الحماسة المجرّدة ولا إلى الانتقائية في قراءة النصوص. وتؤيّد هذا الخاتمةَ كلمةُ أمير المؤمنين (عليه السلام): «وما أعمال البرّ كلّها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثةٍ في بحرٍ لُجّي».