فضيلة الشيخ احمد قنديل*
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الذي أنزل الكتاب هدايةً للناس، وجعل شريعته قائمة على العدل والرحمة، وحفظ بها الدين والنفس والعقل والمال والعرض، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأقام مجتمعًا يقوم على الإيمان، والعدل، والوفاء، وحسن المعاملة مع الناس جميعًا.
أما بعد،
فإن من سنن الله تعالى في خلقه أن تتعاقب عليهم الفتن والابتلاءات، وأن تتوالى الأحداث التي تمتحن ثبات المؤمن على دينه، وتكشف مقدار التزامه بميزان الشرع بعيدًا عن ضغوط الواقع وتقلبات الأهواء. وليس من منهج الإسلام أن تُقرأ الوقائع بعاطفة مجردة، أو أن تُبنى المواقف على الانفعال، وإنما تُوزن بميزان الوحي، وتُرد إلى مقاصد الشريعة التي جاءت لتحقيق العدل، ودفع الظلم، وإقامة الحق.
وقد أعادت حادثة برلين الأخيرة إلى الواجهة مشهدًا يتكرر كلما وقع اعتداء في بلد من البلدان الغربية؛ إذ يسارع بعضهم إلى تحميل الإسلام والمسلمين تبعة أفعال أفراد لا يمثلون إلا أنفسهم، ويُستغل الحادث لإحياء خطاب الكراهية، وإثارة الريبة تجاه الجاليات المسلمة، مع أن مقتضى العدل أن المسؤولية شخصية، وأن أحدًا لا يُؤاخذ بذنب غيره، وهي قاعدة قررها القرآن الكريم، وأجمع عليها العقلاء، واستقرت عليها الشرائع والقوانين.
وفي المقابل، فإن المسلم لا ينتظر إدانة من أحد ليعلن رفضه لكل اعتداء يقع على نفس معصومة، لأن حرمة الدماء أصل عظيم من أصول هذا الدين، وحفظ النفوس من أعظم مقاصد الشريعة، فلا يجوز الاعتداء على إنسان بسبب دينه، أو فكره، أو جنسه، أو انتمائه، كما لا يجوز اتخاذ الغضب أو الظلم الواقع على المسلمين ذريعة لتجاوز حدود الله، فإن الظلم لا يُدفع بظلم، والباطل لا يُقاوم بباطل.
وفي الوقت نفسه، يعيش المسلمون في كندا تحديًا من نوع آخر، يتمثل في اتساع الفعاليات الداعمة للمثلية الجنسية في عدد من المدن الكندية، وتعد فعاليات مونتريال من أبرزها، وهو واقع يفرض على المسلم أن يزداد بصيرةً بدينه، وأن يدرك كيف يجمع بين الثبات على العقيدة، وحسن التعامل مع المجتمع الذي يعيش فيه.
لقد بيّن القرآن الكريم أن العلاقات التي تخالف الفطرة التي خلق الله الناس عليها منكر عظيم، وأنها كانت سببًا في هلاك أمة من الأمم، وجعل قصة نبي الله لوط عليه السلام عبرةً باقية للأجيال. ولذلك انعقد إجماع علماء المسلمين قديمًا وحديثًا على تحريم هذا الفعل، وعدِّه من كبائر الذنوب، ولم يعرف في تاريخ الفقه الإسلامي خلاف معتبر في أصل هذا الحكم، لأنه ثابت بالنصوص القطعية من القرآن الكريم والسنة النبوية.
غير أن ثبات المسلم على هذا الحكم الشرعي لا يبيح له ظلم أحد، ولا الاعتداء على إنسان، ولا الانتقاص من حقوق الآخرين، لأن الإسلام جمع بين الأمرين: الثبات على الحق، والعدل مع الخلق. فالشريعة التي حرمت الفواحش هي نفسها التي حرمت سفك الدماء، ونهت عن الظلم، وأمرت بالإحسان، وجعلت الوفاء بالعهود من علامات الإيمان، وربطت صلاح المجتمعات بقيام الناس بالقسط فيما بينهم.
ومن هنا كان من الخطأ أن يُظن أن إنكار المنكر يقتضي العدوان على أصحابه، أو أن مخالفة الإنسان في معتقده أو سلوكه تسقط عنه ما ثبت له من الحقوق الإنسانية التي كفلها الشرع. فالنبي صلى الله عليه وسلم عاش بين المخالفين في الدين، وتعامل معهم بيعًا وشراءً، وقبولًا للهدايا، وحسن جوار، والتزامًا بالعهود، مع بقاء البراءة من عقائدهم، وعدم المداهنة في أحكام الله. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم؛ واضح العقيدة، مستقيم السلوك، رحيمًا بالناس، عادلًا معهم، لا يخلط بين إنكار الفعل وبين الاعتداء على فاعله.
والمسلم الذي اختار الإقامة في كندا، أو دخلها بعهد أو أمان، أصبح ملتزمًا شرعًا بما يقتضيه هذا العهد من احترام النظام العام، والمحافظة على الأمن، وعدم الاعتداء على الأنفس والأموال، وأداء الحقوق، والصدق في المعاملات، لأن الوفاء بالعهد ليس مجرد التزام قانوني، بل هو عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، وقد جعله الإسلام من أعظم أخلاق المؤمنين.
ومن هنا فإن مسؤولية المسلمين اليوم ليست أن يغيروا أحكام دينهم إرضاءً لأحد، ولا أن يقابلوا المخالفين بالغلو أو العنف، وإنما أن يقدموا النموذج الذي يجمع بين قوة المبدأ، ورحمة الخلق، وبين وضوح العقيدة، وحسن المعاملة، فيكون المسلم داعيةً إلى الله بأخلاقه قبل كلماته، وبسلوكه قبل شعاراته.
إن ما تشهده الساحة من أحداث متلاحقة، سواء في برلين أو في غيرها، وما يعيشه المسلمون في المجتمعات الغربية من تحديات فكرية وثقافية، يزيد الحاجة إلى ترسيخ هذا الفقه المتوازن؛ فقهٍ يحفظ العقيدة من الذوبان، ويحفظ المجتمع من الفوضى، ويصون الدماء، ويرعى العهود، ويؤكد أن الإسلام دين هداية ورحمة وعدل، لا دين غلو ولا انتقام.
وبذلك يبقى المسلم شاهدًا على الناس كما أراد الله له، ثابتًا على دينه، معتزًا بعقيدته، مستقيمًا في أخلاقه، وفيًّا بعهوده، رافضًا للباطل أيا كان مصدره، ورافضًا كذلك للظلم والعدوان على أي إنسان، ليجتمع في شخصه ما جمعه الإسلام من صدق الإيمان، وسمو الأخلاق، وعدل الأحكام، ورحمة الخلق.
*امام مسجد الروضة في مونتريال والرئيس السابق لمجلس ائمة كيبك
14 مشاهدة
28 يوليو, 2026
21 مشاهدة
27 يوليو, 2026
91 مشاهدة
23 يوليو, 2026