د. طنوس شلهوب - مونتريال
أورد موقع «صدى أونلاين»، في خبر نشره في 9 تشرين الأول 2026، أن مقاطعة كيبيك سجّلت 1166 جثماناً لم يطالب بها أحد، استناداً إلى بيانات نُقلت عن هيئة الصحة في كيبيك ومكتب الطبيب الشرعي. ووفقاً للخبر، بلغ عدد الحالات المسجلة لدى الجهات الصحية 992 حالة خلال عام 2025، إضافة إلى 174 حالة تعامل معها مكتب الطبيب الشرعي خلال الفترة 2025–2026، مقابل نحو 1008 حالات عام 2024 و448 حالة عام 2020.
وراء هذه الأرقام حكايات بشرية لا نعرف تفاصيلها. أشخاص عاشوا بيننا، وكانت لهم أسماء وذكريات وعلاقات وآمال، ثم انتهت حياتهم من دون أن يتقدم أحد للمطالبة بجثامينهم. قد يكون بعضهم عاش وحيداً، أو انقطعت صلته بأسرته، أو عجز أقاربه عن تحمل نفقات الجنازة. ولا تسمح البيانات المنشورة بتحديد أسباب كل حالة، لكن الظاهرة تطرح سؤالاً يتجاوز مصير الموتى: كيف يمكن لمجتمع غني، يمتلك مؤسسات للرعاية الصحية والاجتماعية، أن يشهد هذا العدد من البشر الذين ينتهي بهم المطاف من دون أن يتولى أحد أمر وداعهم الأخير؟
من السهل إرجاع هذه الحالات إلى التفكك الأسري أو تراجع القيم الأخلاقية، لكن مثل هذا التفسير، وإن تناول بعض جوانب المشكلة، لا يكفي لفهم أبعادها الاجتماعية. فالإنسان لا يعيش خارج المجتمع، وعلاقاته لا تتشكل بمعزل عن ظروف العمل والسكن والدخل والصحة وشروط الحياة اليومية.
قد تؤدي البطالة، أو الفقر، أو فقدان المسكن، أو المرض، إلى جانب التقدم في العمر وتراجع العلاقات الاجتماعية، إلى دفع الإنسان تدريجياً نحو العزلة والتهميش. وما يبدو في النهاية مأساة فردية قد يكون حصيلة تراكم ظروف مادية واجتماعية تحدّ من قدرة الفرد على المشاركة في الحياة العامة، أو حتى على الحفاظ على روابطه بالآخرين.
ولا يعني ذلك أن كل من يعيش وحيداً مهمَّش، أو أن كل جثمان لا يطالب به أحد يعود إلى الفقر أو التفكك الاجتماعي. لكن فهم الظاهرة يقتضي البحث في الظروف التي تجعل العزلة أكثر انتشاراً، وفي مدى قدرة المؤسسات الاجتماعية على الوصول إلى الأشخاص الأكثر عرضة لها.
ويشير الخبر إلى ارتفاع تكاليف الجنازات بوصفه أحد العوامل المحتملة وراء عدم مطالبة بعض العائلات بجثامين أقاربها، وينقل عن المديرة العامة لمنظمة «Les Petits Frères» أن المساعدة الحكومية المخصصة لنفقات الجنازة، والبالغة 2500 دولار، لم تُرفع منذ نحو ثلاثين عاماً، وأنها لا تغطي حتى نصف التكلفة الإجمالية للجنازة.
إذا عجزت عائلة عن دفن أحد أفرادها بسبب الكلفة، فإننا نكون أمام مفارقة تكشف كيف يمكن للضغوط الاقتصادية أن تصطدم حتى بالواجبات الإنسانية والعائلية. فقد تكون الأسرة مثقلة بأعباء السكن والغذاء والديون، أو تواجه البطالة والمرض، فلا تستطيع تحمل نفقات إضافية مرتفعة.
وهنا يتجاوز السؤال قيمة المساعدة المخصصة للدفن إلى مسألة أوسع: هل تكفي السياسات الاجتماعية لتأمين الحاجات الأساسية للناس، أم أن تزايد تكاليف الحياة يوسّع الفجوة بين ما يحتاجون إليه وما يستطيعون الحصول عليه؟
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياق الاجتماعي الذي تتشكل فيه العلاقات الإنسانية في ظل الرأسمالية. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تراجع أخلاقي أو انتشار الأنانية بين الأفراد، بل بنمط إنتاج يقوم على المنافسة والسعي إلى الربح، ويجعل السوق وسيطاً أساسياً في تأمين جانب واسع من الحاجات الإنسانية.
في هذا السياق، لا تبقى الفردانية مجرد نزعة شخصية، بل تجد في بنية المجتمع شروطاً مادية تعززها وتعيد إنتاجها. فالإنسان الذي يدخل علاقات الإنتاج والتبادل بوصفه قوة عمل أو مستهلكاً يجد نفسه ضمن منظومة تحتل فيها المنفعة والمردود والقدرة على الاستهلاك مكانة أساسية. ومع اتساع هذا المنطق، تصبح العلاقات الإنسانية نفسها عرضة للتسليع والتشييء، أي التعامل معها كما لو كانت أشياء أو خدمات قابلة للتبادل، بدل أن تقوم على الاعتراف المتبادل بالحاجات والكرامة الإنسانية.
ولا يعني ذلك أن كل فرد يصبح أنانياً. فالعلاقات العائلية والصداقة والتكافل والمبادرات الجماعية تظل قائمة، وهي تشكل أشكالاً من المقاومة لآثار التهميش. لكن التناقض يكمن في أن العلاقات القائمة على المنافسة والمصلحة الخاصة تتعايش مع حاجات إنسانية لا يمكن تلبيتها إلا بالتعاون والتضامن.
وتظهر المفارقة حين ينتج المجتمع ثروة هائلة، فيما يعجز بعض أفراده عن تأمين شروط حياة كريمة أو يجدون أنفسهم في عزلة لا يكترث بها أحد. فوجود الثروة لا يضمن تلقائياً استفادة الجميع منها، لأن توزيع الموارد وفرص الحصول على الخدمات يتحددان ضمن علاقات اجتماعية واقتصادية غير متكافئة.
ومن أجل تفسير الظاهرة المطلوب هو فهم الشروط التي قد تجعل العزلة والفقر والتهميش أكثر احتمالًا، وتحدّ من قدرة المجتمع على الاستجابة لها قبل أن تتفاقم.
إن ضمان الكرامة الإنسانية لا يمكن أن يتوقف على وجود أسرة قادرة على المساعدة، أو على امتلاك الفرد موارد مالية كافية. فليس كل إنسان محاطاً بأسرته، وليس كل من له أقارب قادراً على الاعتماد عليهم. لذلك، لا بد أن تتحمل المؤسسات العامة مسؤولية توفير الرعاية الأساسية، وتعزيز الخدمات الموجهة إلى كبار السن والأشخاص الذين يعيشون وحدهم، ومساعدة من يواجهون الفقر أو التشرّد، ومراجعة المساعدات الاجتماعية بما يتناسب مع تكاليف الحياة.
لكن الاستجابة لا ينبغي أن تقتصر على إدارة النتائج بعد وقوعها؛ فمعالجة العزلة تقتضي أيضًا العمل على شروط إنتاجها، من خلال الحد من الفقر وعدم الاستقرار السكني، وتوسيع إمكانات المشاركة الاجتماعية، وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية اللازمة.
كما أن معرفة الظروف التي عاش فيها المتوفون وأسباب عدم المطالبة بجثامينهم ضرورة لفهم الظاهرة ووضع سياسات مناسبة. فالأرقام المتاحة لا تثبت أن جميع هؤلاء الأشخاص كانوا فقراء أو مشرّدين، لكنها تطرح تساؤلات جدية عن العلاقة بين العزلة والتهميش والضغوط الاقتصادية، وعن مدى كفاية الاستجابة المؤسسية.
إن المأساة قد لا تبدأ عند موت الإنسان من دون أن يسأل عنه أحد، بل قبل ذلك بسنوات، حين يتراجع حضوره في حياة الآخرين، وتضيق إمكاناته المادية، وتضعف علاقاته، ولا تجد حاجاته استجابة كافية.
إن المجتمع لا يُقاس فقط بحجم الثروة التي ينتجها، بل أيضاً بطبيعة العلاقات التي تحكم إنتاجها وتوزيعها، وبقدرته على حماية أفراده من التهميش. فالإنسان لا ينبغي أن يُختزل إلى قوة عمل أو قدرة استهلاكية، ولا أن تصبح كرامته رهينة موارده الفردية أو موقعه الاجتماعي.
إن السؤال الذي تطرحه هذه الظاهرة يتجاوز من سيتولى دفن الموتى الذين لم يطالب بهم أحد. إنه سؤال عن مجتمع تتقدم فيه، في جوانب من الحياة، اعتبارات السوق والمصلحة الفردية على حاجات الإنسان. ومواجهة هذه الظاهرة تقتضي أكثر من الدعوة إلى استعادة القيم الأخلاقية: إنها تتطلب شروطاً مادية واجتماعية تعزز التضامن، وتجعل الرعاية حقاً، وتحفظ للإنسان مكانته بوصفه غايةً في ذاته، لا سلعةً تُقاس قيمتها بقدرتها على الإنتاج والاستهلاك.
46 مشاهدة
15 أكتوبر, 2026
64 مشاهدة
15 أكتوبر, 2026
21 مشاهدة
15 أكتوبر, 2026