Sadaonline

الكتاب في زمن الغزو التكنولوجي: فجوات معرفية ومحاولات إنقاذ!



دارين حوماني ـ مونتريال

صدى اونلاين

في كتابه "ذاكرة القراءة" يقول الكاتب الأرجنتيني/ الكندي ألبرتو مانغويل "المجتمعات التي قامت حول الكلمة المكتوبة مآلها النسيان من دون المكتبات، ومن دون الفهم الواعي لدور هذه المكتبات"، لكن ما نشهده اليوم، هو عدم اعتراف بدور المكتبات في بناء الأجيال، والأفكار، والنفوس؛ ثمة انحدار حادّ في قراءة الكتب بفعل التطورات الرقمية المتسارعة التي اكتسحت فضاءاتنا في غزو تكنولوجي لم يشهده التاريخ خلق فجوات معرفية هائلة، وأثّر حتى على شخصياتنا وعلى تفاعلاتنا مع العالم، فلم تعد المعرفة تُكتسب بين رفوف المكتبات بقدر ما تُكتسب معرفات ترفيهية أخرى قلّصت الرغبات بالقراءة، وخصوصًا القراءات المطوّلة أو العميقة.  

تتحدث تقارير وإحصاءات مختلفة في كندا عن تراجع نسبة القراءة، وخصوصًا بين الشباب، تراجع يصل إلى 10% عن السنوات الماضية، وصولًا إلى قراءة كتاب واحد سنويًا، ما أدّى إلى إغلاق العديد من المكتبات، من بينها مكتبات عامة تأخذ تمويلًا من الدولة، وكانت أسباب الإغلاق الموضوعة من قبل السياسيين هي إمكانية رقمنة الكتب لمواجهة التكاليف. ورغم ذلك، فثمة دعم من الدولة موجود حتمًا. لكن ماذا تفعل المكتبات غير العامة أمام انحدار مستويات الرغبة في اقتناء الكتب وفي قراءتها؟ هي الرغبة التي تبدأ عند الأهل وتنتقل إلى الأطفال، في عملية تلقين وتوجيه ضرورية لمعرفة أهمية الكتب والقراءة، لكن هذه الرغبة نفسها تنحدر، بتأثيرات عديدة، وهي موصولة بانعدام تقدير قيمة الكتب في حياتنا.

في مدينة لندن (أونتاريو)، يواجه فرعين لمكتبة لندن العامة، في كارسون وغلانورث، تهديدات بالإغلاق الدائم، بحال لم تحصل المكتبتان على التمويل اللازم من بلدية المدينة. وتشكّل المكتبات العامة حيّزًا ثقافيًا واجتماعيًا مهمًا في مثل تلك المناطق النائية عن وسط المدن، حيث تزداد أهمية المكتبات.

وفي مدينة وينيبيغ، أغلقت مكتبة Family Book Exchange أبوابها العام الماضي، وكان آخر منشور لها على فيسبوك يشوبه الحزن: "جميع الكتب الموجودة في المتجر حتى الساعة 4 مساءً اليوم مجانية. احضر حقيبتك أو صندوقك أو أي شيء آخر لأخذ كتبك. شكرًا لجميع عملائنا على مرّ السنين!". كما أفرغت مكتبة Nerman’s Books and Collectibles رفوفها قبل عام، وقلّصت مكتبة Burton Lysecki Books أيام افتتاحها ليوم واحد أسبوعيًا، ونقلت البيع ليكون عبر الإنترنت.

وسبق أن واجهت مكتبة  People's Co-opفي فانكوفر صعوبات مالية، بعد 75 عامًا على تأسيسها، ولم تستمر إلا بعد إطلاق حملات دعم وتبرّع. وكانت مكتبة مونتريال للأطفال، في وقت سابق، قد أغلقت فرعين لها في ليتل بيرغاندي وفي وسط مونتريال، بسبب نقص التمويل.

مكتبة الشرق الاوسط

ماذا عن مكتبة الشرق الأوسط، المكتبة العربية الوحيدة غير الافتراضية في مونتريال، والتي ليست مكتبة بقدر ما هي مساحة انتماء ووجود ككيان عربي على أرض كندية. افتتح عدد من المهتمين مكتبات عربية في المدينة ولكنها لم تستطع الاستمرار، بقيت مكتبة الشرق الأوسط، تستحضر جذورنا، تعمّرها من جديد مع كل كتاب جديد يصل إليها، تشكّل هويتنا العربية السائلة نحو هويات أخرى بلغات أخرى، مكتبة مكتنزة بالأمكنة العربية المختلفة، أدباء وكتّاب ومفكرون من كافة الدول العربية من كل الانتماءات الدينية والسياسية. واجهت المكتبة العام الماضي خطر إغلاقها، أرسل صاحبها حسن عز الدين نداءات كثيرة لإنقاذها، بعد تدهور صحته، مكتبة عمرها أكثر من ثلاثين عامًا، تتضمن كتبًا من كافة المجالات، في السياسة، الفكر، الفلسفة، الأدب، الفنون، الأديان، لكن لم تجد من ينقذها، إلا من داخلها. كارولين عيد، التي حاورناها عن المكتبة والحفاظ على وجودها كرسالة وانتماء وهوية.

 

(*) نود أن نتعرف أولًا على تاريخ هذه المكتبة، وعلى علاقتك بهذه المكتبة، كيف نَشَأت، وصولًا إلى أخذ القرار بمنعها من الإغلاق؟

تأسست مكتبة الشرق الأوسط في العام 1990، عمرها اليوم 34 سنة في خدمة الجالية العربية في كندا وأميركا. إنها أقدم وأكبر مكتبة عربية في شمال أميركا وقد لُقِّبَت بـ "سفارة الكتاب العربي في المهجر". بدأتُ العمل في المكتبة عام 2008 في قسم الترجمة كمترجمة معتمدة. أحمل ماجستير في الترجمة واللغات من جامعة الروح القدس الكسليك – لبنان، وأنا عضو في نقابة المترجمين في كيبيك. وعلى مر السنوات، أصبحت تربطني علاقة عائلية مع الشيخ حسن عزالدين، أحد مؤسسي مكتبة الشرق الأوسط، ومع فريق العمل الرائع. وبعد إصابة الشيخ حسن بوعكة صحية أجبرته على التغيّب عن المكتبة لتلقي العلاج والراحة لحوالي العام، قرر بيع المكتبة كونه بحاجة للراحة والاهتمام بصحته بعد سنوات من العمل الدؤوب. وعندما لم يتم إيجاد الشاري المرجوّ، تقرر إغلاق المكتبة نهائيًا. ولكننا لم نشأ أن يغلق هذا الصرح الثقافي العريق، فتسلحنا بالإيمان وتوصّلنا إلى اتفاق مع الشيخ حسن الذي رحّب بعرضنا لأنه لم يكن يريد رؤية مكتبته تغلق بعد مسيرة طويلة من النجاح.

(*) ألم يتطلب هذا القرار جرأة منك، وأنت كنتِ موظفة فيها، ولستِ صاحبة استثمارات، وخصوصًا أن مثل هذه المكتبة الغنية تحتاج ميزانية كبيرة؟

نعم والكثير من الجرأة. ولكنني لما كنت استطعت تحقيق حلمي هذا لولا دعم الأصدقاء المقرّبين ومساعدة زميلتي وصديقتي مهى جاويش التي كانت وما زالت المشجّعة الأولى لخوض هذه المغامرة. كلانا يعمل اليوم بجهد كبير لمواصلة الرسالة التي بدأت منذ 34 سنة. مهنتي الترجمة القانونية المعتمدة، وقد مارستها لأكثر من 20 سنة وأتقن كافة تفاصيلها بخبرتي الواسعة في هذا المجال، وكما قلتِ لستُ صاحبة استثمارات، فهذه هي تجربتي الأولى في مجال الأعمال، ولكن بإذن الله ستكون تجربة ناجحة، وأنا أعتمد كثيرًا على إرشادات الشيخ حسن المستمرة، وعلى الخبرة الطويلة التي يتمتع بها فريق العمل الحالي. لقد تعلّمت الكثير خلال السنة الماضية منذ استلامي إدارة المكتبة وما زال أمامي الكثير لأتعلمه وأنا أستمتع بذلك كثيرًا.    

(*) ما هي التحدّيات التي تواجهك لمواصلة العمل في المكتبة؟ هل من تحديات تخافين منها قد توقف المكتبة في العمل؟

هناك تحديات كثيرة نواجهها في الوقت الحاضر وأهمها ارتفاع تكلفة الورق وزيادة سعر الكتب الورقية من المصدر، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة الشحن من الشرق الأوسط إلى كندا، وداخل كندا أيضًا. وهذا ينعكس على سعر الكتاب محليًّا. كما وأن الوضع الأمني والاقتصادي الصعب الذي تعيشه أوطاننا اليوم يحول دون استلامنا للكتب في الوقت المناسب. وبالرغم من كل هذه التحديات، لست خائفة على مستقبل المكتبة إذ أننا وضعنا استراتيجية جديدة للسنوات القادمة من أجل تأمين الإصدارات الجديدة للكتب بأقل تكلفة ممكنة. أما بالنسبة للتحديات التي يطرحها الكتاب الإلكتروني، فبسبب التحول الرقمي الهائل وثورة التكنولوجيا، أصبح البعض يريد العودة للشكل التقليدي للكتاب من أجل الهروب من صخب التكنولوجيا وتأثير الأشعة السلبية على صحة الإنسان. وهذا التحوّل نلحظه من حماس الزبائن وإصرارهم على شراء الكتاب الورقي للاستمتاع بقراءته. كما أن الكتاب الورقي يمثل علاقة بين الكاتب والقارئ الذي بإمكانه تدوين ملاحظاته داخل الكتاب الورقي. وهذه العلاقة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الكتاب الورقي.

(*) هل من تواصل مع جهات رسمية عربية من أجل المساهمة في تغذية المكتبة، كنوع من الدعم؟

كلا لم نتواصل مع أي جهة رسمية عربية للحصول على أي دعم مادي، لكننا نحظى بدعمها المعنوي إذ أننا نتعاون باستمرار في خدمة الجالية مما يعود على جميع الأطراف بالمنفعة من كافة النواحي.

(*) في فترة سابقة، كان يتم العمل على ندوات ثقافية في المكتبة، في الطابق العلوي، هل لا يزال هذا المشروع قائمًا؟

للأسف، بعد بيع المبنى لم يعد بإمكاننا الاستفادة من الطابق العلوي وهو الآن مخصّص لأغراض أخرى. ولكن مع المساحة الجديدة الموجودة في الطابق الأرضي نستطيع تنظيم بعض النشاطات الثقافية. وبالفعل، تنظّم المكتبة في الوقت الحاضر دورة ثقافية تحت عنوان "فن كتابة الرواية" بإشراف الكاتب الروائي أيمن مارديني. تتناول الدورة كافة جوانب ومراحل كتابة الرواية والتقنيات الواجب تطبيقها لتحقيق الغاية. وسينتهي المشاركون إلى وضع مخطّط مفصّل للرواية التي يعملون على كتابتها. انطلقت هذه الدورة في الأول من حزيران/ يونيو وتستمر حتى 23 حزيران/ يونيو الجاري.

(*) حسب خبرتك، هل من قرّاء غير عرب يقصدون المكتبة، أو جهات معينة غير عربية تتواصل معكم للحصول على كتب عربية؟ كيف تلحظين هذا الاهتمام؟

هناك الكثير من الجهات الأجنبية التي تعمل على نشر الثقافات الأجنبية، وفي طليعتها الثقافة العربية، إذ تعتبر الجالية العربية من أهم وأكبر الجاليات الموجودة في كندا وأميركا. ونحن على تعاون وثيق مع تلك الجهات لتوفير الكتاب العربي في متناول الجميع.   

(*) هل من خدمات معيّنة تقدّمها مكتبة الشرق الأوسط، للوصول إلى توازن مالي مع انخفاض نسبة شراء الكتب؟

لدينا خدمة الترجمة القانونية المعتمدة. بصفتي مترجمة معتمدة، وعضو في نقابة المترجمين في كيبيك، أحرص على توفير خدمة عالية الجودة وفق المعايير المعتمدة في كندا، لأبناء الجالية العربية والقادمين الجدد. وتشمل الترجمة جميع الوثائق والمستندات الرسمية وبخاصة تلك المطلوب تقديمها للمحاكم ودائرة الهجرة ووزارة التربية ودائرة معادلة الشهادات ودائرة رخص السواقة وغيرها. كما وأننا نقدّم خدمة تصديق المعاملات والوثائق لدى وزارة الخارجية الكندية والسفارات العربية. ولدينا أيضًا مكتب سفريات MarYas Travel يوفر حجوزات بطاقات السفر إلى كافة أنحاء العالم وبخاصة إلى الشرق الأوسط.

(*) هل من أفكار مستقبلية للمكتبة، أو مشروع معيّن؟

لدينا الكثير من المشاريع المستقبلية للمكتبة سنعلن عنها في وقتها. ما زلنا في طور تثبيت القاعدة الأساسية للعمل ونسير بخطوات ثابتة نحو تطوير الأعمال والنشاطات بما يتماشى مع متطلّبات العصر واحتياجات الزبائن. 

الكلمات الدالة

معرض الصور