المحامي وليم خربوطلي ـ مونتريال
في لحظة دولية تتسم بالانقسام، والحروب التجارية، وعودة السياسات الحمائية، جاءت جولات رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الإمارات العربية المتحدة، الصين، وقطر كإشارة واضحة إلى تحوّل استراتيجي في السياسة الاقتصادية الكندية. لم تكن هذه الزيارات مجرد نشاط دبلوماسي تقليدي، بل محاولة واعية لإعادة تموضع كندا في نظام اقتصادي عالمي لم يعد مستقرًا ولا مضمون القواعد، خاصة في ظل العلاقة المعقدة والمتوترة مع الولايات المتحدة في عهد إدارة دونالد ترامب.
اختار كارني أن يتحرك بمنطق الاقتصادي لا السياسي فقط: تنويع الأسواق، توزيع المخاطر، وجذب رؤوس الأموال. غير أن هذه الاستراتيجية، رغم ما تحمله من فرص، تفتح أيضًا أبوابًا لتحديات عميقة تمس بنية الاقتصاد الكندي واصطفافه الدولي.
بداية نبذة مختصرة عن طبيعة العلاقة بين كندا وهذه الدول الثلاث.
المحادثات التجارية بين كندا والإمارات المتحدة كانت شبه معدومة منذ إدارة ستيفن هاربر ولذلك لأسباب تتعلق في احترام حقوق الإنسان وخاصة حقوق العمال الأجانب في الإمارات.
أما قطر، فزيارة كارني لها تعتبر زيارة تاريخية حيث أنها اول زيارة لرئيس وزراء كندي لهذه الدولة. في السابق حاولت قطر كثيرا لقاء رئيس الوزراء السابق جوستان ترودو دون أية نتيجة.
أما الصين، كانت زيارة كارني إليها واحدة من أهم خطواته في السياسة الخارجية منذ توليه منصبه؛ إذ تُعد أول زيارة لرئيس وزراء كندي للصين منذ نحو ثماني سنوات. فالعلاقات الكندية-الصينية كانت متوترة منذ 2018 بعد قضية احتجاز مسؤولة شركة هواوي (نائبة الرئيس) وتبعاتها السياسية والاقتصادية تطبيقا لقرار قضائي أميركي، ثم فرض كندا تعريفات جمركية عالية على السيارات الكهربائية الصينية مما أثار ردود فعل صينية ورفع تعريفات انتقامية على صادرات زراعية كندية. ناهيك عن ملف أقلية الأويغور المسلمة في الصين والتقارير التي أشارت الى ارتكاب ممارسة غير إنسانية في حقهم، كإلزامهم على اكل لحم الخنزير، منعهم من الصلاة، الخ...
دعونا ننتقل الآن الى التحليل الموضوعي لهذه الزيارات وتبعاتها الاقتصادية والجيوسياسية على كندا.
أولاً: قطاع الطاقة – بين الفرص الخليجية وحساسية التوازنات الدولية
يُعد قطاع الطاقة العمود الفقري للاقتصاد الكندي، خصوصًا في مجالات النفط، الغاز الطبيعي، والطاقة المتجددة. وقد جاءت زيارات كارني إلى الإمارات وقطر لتفتح آفاقًا جديدة أمام هذا القطاع.
الآثار الإيجابية
في الخليج، وجدت كندا شركاء يمتلكون سيولة مالية هائلة وخبرة طويلة في إدارة مشاريع الطاقة العملاقة. الاستثمارات الإماراتية والقطرية المحتملة في:
- الغاز الطبيعي المسال،
- الهيدروجين الأخضر،
- مشاريع التحول الطاقي،
تمنح كندا قدرة أكبر على تمويل انتقالها الطاقي دون تحميل الخزينة العامة أعباء إضافية. كما تتيح لها تقليل اعتمادها شبه الكامل على السوق الأميركية في تصدير الطاقة.
الآثار السلبية والمخاطر
غير أن هذا الانفتاح يحمل في طياته مفارقة حساسة: فكندا، التي ترفع خطابًا بيئيًا قويًا، قد تُتهم بازدواجية المعايير عند توسيع شراكاتها مع دول تعتمد اقتصاديًا على الوقود الأحفوري (Fossil Fuel). كما أن أي تقارب طاقي كبير مع قطر أو الإمارات قد يُقرأ في واشنطن كإعادة توزيع للنفوذ الطاقي خارج المدار الأميركي، ما قد ينعكس توترًا سياسيًا أو تجاريًا. ناهيك عن احتمال التأثير على العلاقة مع المملكة العربية السعودية الفاترة أصلا.
ثانيًا: الزراعة – الرابح الصامت من الانفتاح على الصين
لطالما كانت الزراعة من أكثر القطاعات الكندية تضررًا من الخلافات السياسية، خاصة مع الصين. وقد شكّلت زيارة كارني إلى بكين نقطة تحوّل في هذا المجال.
النتائج الإيجابية
إعادة فتح السوق الصينية أمام:
- الكانولا،
- القمح،
- البقوليات،
منحت المزارع الكندي متنفسًا اقتصاديًا حقيقيًا. فالصين ليست مجرد سوق بديلة، بل سوق ضخمة قادرة على امتصاص فائض الإنتاج وتوفير استقرار نسبي للأسعار. هذا الانفتاح خفّف أيضًا من الضغط الناتج عن الرسوم أو القيود الأميركية المحتملة.
المخاطر الكامنة
لكن هذا الاعتماد المتجدد على الصين يعيد إلى الواجهة إشكالية قديمة: تسييس التجارة. إذ يبقى القطاع الزراعي الكندي عرضة لأي توتر دبلوماسي مفاجئ مع بكين، ما يجعل الاستقرار طويل الأمد هشًا إذا لم يُدعَّم بتنوع أكبر في الشركاء.
ثالثًا: الصناعة والتكنولوجيا – بين الإغراء الصيني والقلق الأميركي
يُعد هذا القطاع الأكثر حساسية سياسيًا. فالاتفاقات مع الصين في مجالات:
- السيارات الكهربائية،
- البطاريات،
- التكنولوجيا النظيفة،
تحمل وعودًا كبيرة للاقتصاد الكندي.
الإيجابيات
الاستثمارات الصينية المحتملة تعني:
- نقل تكنولوجيا،
- خلق وظائف صناعية،
- تعزيز موقع كندا في سلاسل التوريد العالمية.
كما أنها تتيح لكندا لعب دور الوسيط الصناعي بين آسيا والغرب، بدل أن تكون مجرد مورد خام.
السلبيات والتحديات
لكن هنا تحديدًا تكمن أعقد الإشكاليات. فالتقارب الصناعي مع الصين قد يُنظر إليه في واشنطن كتهديد مباشر للأمن الاقتصادي الأميركي. إدارة ترامب، المعروفة بنهجها التصادمي، قد ترد عبر:
- فرض رسوم جديدة،
- تقييد سلاسل التوريد المشتركة،
- الضغط على الشركات الأميركية لتقليص تعاونها مع كندا.
فضلا عن مدى الأثر السلبي الذي يمكن أن يسببه هذا الأمر على سوق صناعة السيارات في أونتاريو كما عبر عنه رئيس وزرائها دوغ فورد.
والتحول نحو الصين قد يثير أيضا قلق الشركاء الغربيين بشأن القضايا الأمنية وحقوق الإنسان، خصوصاً في ظل خلافات حول تايوان وسينجكيانغ.
أما الجدوى الاقتصادي والسياسي لتقليل الاعتماد على الشريك التجاري الأكبر (الولايات المتحدة) لا يزال محل جدل، لأن الصين تمثل حتى الآن أقل من 4٪ من صادرات كندا مقارنة بالولايات المتحدة.
وهكذا تجد كندا نفسها أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من الصين دون خسارة الولايات المتحدة من جهة ومواجهة معارضة داخلية في محافظة اونتاريو.
رابعًا: القطاع المالي والاستثماري – سيولة خليجية ونفوذ محتمل
زيارة قطر والإمارات فتحت الباب أمام تدفقات استثمارية ضخمة في:
- البنية التحتية،
- العقارات،
- الذكاء الاصطناعي،
- الرعاية الصحية.
المكاسب
هذه الاستثمارات تعزز النمو وتخفف الضغط على المديونية العامة، كما تمنح الاقتصاد الكندي مرونة أكبر في مواجهة التقلبات العالمية.
الهواجس
في المقابل، يثير تنامي دور صناديق الثروة السيادية أسئلة حول:
- النفوذ السياسي غير المباشر،
- استقلالية القرار الاقتصادي،
- قبول الرأي العام الكندي لهذا النوع من الشراكات.
خامسًا: العلاقة مع الولايات المتحدة – اختبار التوازن الصعب
لا يمكن فصل هذه الجولات عن السياق الأميركي. فإدارة ترامب تنظر بعين الشك لأي محاولة كندية لتوسيع خياراتها خارج الإطار الأميركي التقليدي.
المكاسب الاستراتيجية
تنويع الشراكات يمنح كندا ورقة تفاوض أقوى ويقلل من قدرتها على التعرض للابتزاز الاقتصادي أو السياسي.
المخاطر
لكن أي انزلاق في التوازن قد يؤدي إلى:
- تصعيد تجاري،
- إضعاف اتفاقيات قائمة، خاصة اتفاقية التبادل التجاري بين كندا، الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك التي ستخضع لأول إعادة نظر شاملة في الأول من تموز 2026 بعد مرور ستة سنوات على توقيعها في العام 2020 والتي ألمح الرئيس الأميركي الى احتمال عدم تجديدها أصلا.
- تعقيد سلاسل التوريد العابرة للحدود.
في الخلاصة، تعكس جولات مارك كارني رؤية واقعية لاقتصاد عالمي لم يعد يسمح بالاعتماد على شريك واحد أو مسار واحد. لقد فتحت هذه الزيارات أبوابًا حقيقية للنمو، خاصة في الطاقة، الزراعة، والتكنولوجيا، لكنها في الوقت نفسه وضعت كندا أمام اختبار استراتيجي صعب: كيف تستفيد من الشرق دون أن تخسر الغرب الأميركي؟
النجاح لن يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة كندا على إدارة التوازنات، حماية قطاعاتها الحساسة، والحفاظ على استقلال قرارها الاقتصادي في عالم تتقاطع فيه المصالح أكثر مما تتلاقى.
89 مشاهدة
03 مارس, 2026
110 مشاهدة
03 مارس, 2026
134 مشاهدة
01 مارس, 2026