سامر مجذوب* ـ مونتريال
في زمن تتصاعد فيه خطابات الخوف والانغلاق، لم تعد الإسلاموفوبيا مجرد ظاهرة هامشية في النقاش العام، بل تحولت في كثير من المجتمعات الغربية إلى قضية سياسية وثقافية تلامس جوهر القيم التي تقوم عليها الديمقراطيات الحديثة. فحين تصبح الكراهية تجاه دين أو جماعة بشرية موضوعاً للنقاش الانتخابي، أو أداة لحشد الأصوات، فإن المجتمع كله يكون أمام اختبار أخلاقي حقيقي.
لقد وجدت التيارات اليمينية المتطرفة والحركات الشعبوية و لوبيات الضغط في أوروبا وأميركا الشمالية أرضية خصبة لتغذية الشكوك تجاه مواطنين من أصول مسلمة ، مستفيدة من أزمات الهوية والهجرة والتحولات الاجتماعية. ومع الوقت، لم يقتصر الأمر على خطاب إعلامي أو جدل سياسي، بل امتد في بعض الحالات إلى مبادرات تشريعية أو سياسات عامة تُصوَّر على أنها دفاع عن القيم، بينما تمسّ في جوهرها مبادئ المواطنة المتساوية والحريات الفردية. وغالباً ما تكون المرأة المسلمة ضحيتها و في قلب هذا الجدل، حيث تتحول حريتها في اختيار لباسها أو التعبير عن هويتها العقائدية إلى ساحة صراع أيديولوجي، في مفارقة لافتة باسم الدفاع عن الحرية.
وسط هذا الواقع، يحيي العالم في الخامس عشر من مارس اليوم العالمي لمواجهة الإسلاموفوبيا، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة للتذكير بخطورة التمييز ضد المسلمين، والدعوة إلى ترسيخ قيم الاحترام المتبادل والتعايش بين الأديان والثقافات.
لكن رمزية هذا اليوم لا تنفصل عن ذكرى مأساوية هزّت ضمير العالم، هي هجوم كرايستشيرش على المسجدين 2019 في مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا، حين تحوّل خطاب الكراهية إلى رصاص استهدف مصلين داخل بيوت العبادة. لقد كان ذلك الحدث صدمة عالمية، لكنه كان أيضاً تذكيراً قاسياً بأن الأفكار المتطرفة لا تبقى دائماً في حدود الكلمات.
وفي كندا، البلد الذي يفاخر بتجربته في التعددية الثقافية، لم تكن هذه التحديات بعيدة. فالهجوم الدموي على المصلين في هجوم مسجد كيبيك 2017 في كيبيك سيتي، ثم حادثة الدهس التي استهدفت عائلة مسلمة في هجوم الدهس في لندن أونتاريو 2021 في لندن (أونتاريو)، شكّلا لحظتين مؤلمتين في الذاكرة الوطنية. فقد أظهرتا بوضوح أن خطاب الكراهية، مهما بدا هامشياً، يمكن أن يتحول إلى عنف حقيقي عندما يجد من يغذيه أو يبرره.
غير أن مواجهة الإسلاموفوبيا لا يمكن أن تكون مجرد رد فعل على المآسي. إنها مسؤولية مستمرة تتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية في الدفاع عن مبادئ المساواة، حتى عندما يكون ذلك غير شعبوي. كما تتطلب دوراً أكبر للمؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ ثقافة المعرفة والحوار بدلاً من الخوف والشيطنة.
إن المجتمعات الديمقراطية لا تُقاس فقط بقوة مؤسساتها، بل أيضاً بقدرتها على حماية أضعف مكوناتها من التمييز والكراهية. فحين يشعر أي مواطن بأن دينه أو أصله يجعله موضع شك أو استهداف، فإن فكرة المواطنة نفسها تصبح مهددة.
لذلك فإن مواجهة الإسلاموفوبيا ليست قضية المسلمين وحدهم، بل هي في جوهرها معركة دفاع عن القيم التي تدّعي المجتمعات الديمقراطية أنها قامت من أجلها: الحرية، والمساواة، والكرامة الإنسانية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي الذي يواجه العالم اليوم: هل ستبقى هذه القيم مبادئ راسخة تُطبَّق على الجميع، أم أنها ستتراجع تحت ضغط الخوف والسياسة؟
* رئيس المنتدى الاسلامي الكندي
27 مشاهدة
15 مارس, 2026
122 مشاهدة
08 مارس, 2026
210 مشاهدة
27 فبراير, 2026