Sadaonline

من إيران إلى غزة والأندلس: مهرجان العالم العربي في مونتريال يحتفي بالحضارة الفارسية ويناقش قضايا الحاضر

تواجه الحضارة الفارسية العريقة، القريبة من الثقافة والتاريخ العربي، تهديدات وجودية عديدة. ولذا، تهيمن إيران على جزء كبير من برنامج هذا العام

دارين حوماني- مونتريال

يأتي مهرجان العالم العربي في مونتريال بنسخته الـ27 هذا العام ليضيء على الحضارة الفارسية بما تكتنفه من تراث غني ومتنوع وفريد. انطلق المهرجان في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 ويستمر حتى 15 تشرين الثاني/ نوفمبر، في سلسلة من العروض الموسيقية والندوات الفكرية وعروض الأفلام التي تتوزع على عدد من مسارح مونتريال منها Place Des Arts وPlaza و Beanfieldوجامعة UQAM والمراكز الثقافية.

يذكر بيان المهرجان أن هذه الدورة تنطلق "في عالم يعاني من انقسامات تطفو على السطح باستمرار وتزداد شيوعًا. انقسامات تهزّ العالم العربي وما وراءه بلا هوادة... وفي خضم هذه الاضطرابات وما يكتنفها من غموض، تواجه الحضارة الفارسية العريقة، القريبة من الثقافة والتاريخ العربي، تهديدات وجودية عديدة. ولذا، تهيمن إيران على جزء كبير من برنامج هذا العام، من خلال عروض وأعمال أصلية وعروض سينمائية ونقاشات حيوية". ويلخّص البيان تطلعه إلى أن تسهم الفنون في "جعلنا نحلم بغدٍ أقل قسوة، وأكثر دفئًا".

ويقدّم المهرجان برنامجًا واسعًا يستحضر الثقافة الفارسية، ويضيء على تاريخ التفاعل العربي الفارسي، إلى جانب محطات عن الأندلس وفلسطين والجزائر ولبنان. ويجمع البرنامج بين أعمال تستعيد التراث وأخرى تتناول قضايا الحاضر، في محاولة لفتح مساحات للحوار والتأمل. وللاطلاع على كامل الفعاليات:

https://festivalarabe.com/programmation

إضافة إلى الروائع الموسيقية ضمن برنامج المهرجان والمتاح تفاصيل عنها على موقع المهرجان، فإن البرمجة تتضمن سلسلة من الندوات المهمة، منها:

"تكريمًا لليلى شهيد": يستعيد اللقاء مسيرة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد وإرثها في الدفاع عن شعبها، بمشاركة زاهية المصري ووسيلة تمزالي ولويز هاريل، وتديره علياء فرحات.

"هؤلاء الغربيون الذين يحبون التحدث باللغة العربية": يناقش اللقاء دوافع تعلّم غير الناطقين بالعربية هذه اللغة، وما يصاحب ذلك من إعجاب أو تصورات استشراقية وأسئلة عن الانتماء الثقافي؛ بمشاركة لحسن الغازي وإكرام مصمودي وهورتنس دوبوس وعقيلة سخري.

لقاء مع بشرى مناعي: تتحدث الكاتبة والناشطة بشرى مناعي عن كتابها "رسالة حب إلى بابا"، الذي يصل بين تجربتها الشخصية وقضايا المرأة والمنفى والالتزام السياسي؛ ويدير اللقاء رباح مولى.

 

"الخوارزمي، رائد الذكاء الاصطناعي": يستكشف اللقاء إسهام الخوارزمي في نشأة مفهوم الخوارزمية وصلته بتاريخ العلوم والذكاء الاصطناعي اليوم، بمشاركة كريم جربي وفانيسا حديد وخولة شهبوني وبرنارد ر. هودجسون.

"غزة المنسية": تتناول الحلقة تراجع الاهتمام الإعلامي بغزة رغم استمرار احتياجات سكانها وآثار الحرب في حياتهم، بمشاركة رولا قبيسي وإيمانويل خوري وهبة زفران، وتديرها علياء فرحات.

"العلاقات العربية الفارسية: ما يدين به العالم العربي لإيران": تبحث الحلقة في التبادل الثقافي والفكري بين العرب والفرس، وإسهام العلماء الفرس في الحضارة العربية الإسلامية؛ بمشاركة براشانت كيشافمورثي ومحمد قاسمي وسعيدة قدير، التي تدير النقاش أيضًا.

"هرمز، أو حطام سفينة القانون الدولي": يناقش اللقاء الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والقانونية لمضيق هرمز، وما يكشفه التوتر حوله من تحديات للقانون الدولي، بمشاركة ميلود شنوفي وهانية ضيائي ومنى قاسمي، ويديره رباح مولى.

كما تتضمن سلسلة من الأفلام المؤثرة، نذكر منها "مهرج غزة" للفلسطيني عبد الرحمن صباح (2025)، "بصيص من النور" للإيراني علي عسكري (2026)، و"البارحة لم تنم العين" للفلسطيني ركان مياسي (2026).  

***

إيميلي عواد: مهرجان العالم العربي يقدّم الرؤية الثقافية على الحسابات التجارية

تواصلنا مع إدارة مهرجان العالم العربي في مونتريال، وأجرينا حديثًا مع إيميلي عواد، مسؤولة الإعلام في المهرجان، حول رؤية المهرجان وبرنامجه والتحديات التي تواجهه.

قالت عواد إن المهرجان، منذ انطلاقه عام 2001، سعى إلى الجمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، وإبراز حيوية الحضارة العربية وتنوعها، موضحةً أن الهدف كان خلق "مساحة تلتقي فيها الحضارات وتتحاور".

وأشارت عواد إلى أن المهرجان قدّم أعمالًا تمزج بين تقاليد ثقافية مختلفة، مستشهدةً بعرض "Je me souviens" عام 2009، الذي جمع الدبكة والتراث الجبلي في الشرق الأوسط برقصة "الجيغ" الأيرلندية والكيبيكية، وبعمل "Le Centre de l'extase" عام 2003، الذي مزج التصوف السوري بالترانيم الغريغورية المرتبطة بالطقوس الكاثوليكية. وقالت: "اشتغلنا كذلك على المزج بين الثقافات في الموسيقى والرقص".

ولفتت إلى أن رؤية المهرجان تطورت مع الوقت، في ظل التحديات والأحداث التي يشهدها العالم، ولا سيما الشرق الأوسط. وأضافت أن التعليقات التي تنطوي على الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ازدادت في كيبيك خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت تقتصر سابقًا على حالات قليلة، وقالت: "الأجواء هذا العام مختلفة عمّا اعتدناه".


وتحدثت عواد عن حضور غزة في برنامجي العام الماضي وهذا العام، موضحةً أن الحرب وما رافقها جعل إقامة المهرجان في هذا السياق مصدرًا لشعور بالمرارة، ودفع إلى تخصيص مساحة للموضوع في الأفلام و"صالون الثقافة" والبرنامج الموسيقي. وأشارت كذلك إلى حضور الثقافة الفارسية الإيرانية في دورتي المهرجان، قائلةً: "احتلت غزة مساحة كبيرة في برنامج المهرجان هذا العام والعام الماضي".

وفي ردها على سؤال عن تقديم إيران من خلال الثقافة بعيدًا عن اختزالها في السياسة، قالت عواد "ما نقدّمه هو الثقافة الفارسية، وهي ثقافة تمتد جذورها إلى آلاف السنين، وتنتمي إلى حضارة عريقة وكبيرة. الموسيقى التي تُقدَّم في البرنامج هي موسيقى عريقة تمتد إلى آلاف السنين، وتستخدم آلات موسيقية قديمة. وهناك أيضًا أشعار جلال الدين الرومي وعمر الخيام، إلى جانب نصوص وعناصر تراثية قديمة لا تتعلق بالسياسة".

وأضافت أن المهرجان يضع هذه الثقافة في سياق إنساني أوسع وأن "هناك أزمة إنسانية، في فلسطين ولبنان واليمن، وهناك شعوب تعاني. ونحن نعرض ثقافةً عريقة، تظهر في الموسيقى وغيرها من الفنون. كما يتضمن "صالون الثقافة" حوارًا بعنوان "La peur de la paix"، على ما أذكر، يتناول ما قدّمته الحضارة الفارسية للعالم العربي".

وعن آلية اختيار الأعمال، أوضحت عواد أن بعضها يبدأ من موضوع يقرّر المهرجان التركيز عليه، فيما تصل إليه مشاريع فنية عبر موقعه الإلكتروني أو من خلال علاقاته بالفنانين، كما يقترح فريقه أحيانًا أفكارًا على فنانين لتنفيذها معًا. وشددت على أن الاختيار لا يقوم دائمًا على حجم الجمهور المتوقع، قائلةً: "تركيزنا أكبر على الرؤية الثقافية منه على الجانب التجاري".

وضربت مثالًا بعرض "Le livre d'Airain"، الذي يختتم المهرجان هذا العام ويمزج الثقافة الفارسية بالأوبرا الغنائية الغربية. وقالت إن هذا النوع من الأعمال قد لا يجذب كل الجمهور، لكنه يستحق أن يكون حاضرًا لما يحمله من قيمة فنية وثقافية: "نختار أحيانًا أعمالًا صعبة، أو متخصصة، قد يكون جمهورها محدودًا".

وأكدت عواد أن الجمهور الكيبيكي كان حاضرًا منذ بدايات المهرجان، وإن كان حضوره قد يتأثر بالأزمات والنقاشات السياسية. واستعادت نقاشات حول "التكيّف المعقول" والحجاب، مشيرةً إلى أن مثل هذه الأجواء قد تدفع بعض الجمهور إلى الابتعاد، لكنها شددت على أن "الجمهور الكيبيكي كان حاضرًا في المهرجان منذ انطلاقه".

وتطرقت إلى التعليقات السلبية التي تتهم المهرجان بالانتماء إلى جهة معينة، قائلةً إن كثرتها تثير الاستغراب وتدفع العاملين إلى التساؤل عن المجتمع الذي يعيشون فيه وعن قدرة المهرجان على التقريب بين الناس. وأوضحت أن إدارة المهرجان لا تحذف هذه التعليقات، معتبرةً أنها تتيح للناس رؤية ما يحدث، وقالت: "نرى فيها، أولًا، مساحة للتعبير عن الرأي".

وعدّت عواد التمويل التحدي الأكبر للمهرجان، موضحةً أن الدعم لا يتناسب دائمًا مع حجمه والجهد اللازم لتنظيمه، وأن بعض الرعاة أبدوا تحفظًا على ارتباط أسمائهم باسم المهرجان. كما أشارت إلى أن تغيّر الحكومات قد يبدّل أولويات المؤسسات وسياسات التمويل، ويجعل التخطيط طويل الأمد صعبًا، إذ "تعمل مؤسسات كثيرة يومًا بيوم".

وعن أثر أحداث السابع من أكتوبر في موقف الجهات الداعمة، قالت عواد إنه "لم يتغير الدعم".

وفي حديثها عن دعم الفنانين، ذكرت عواد أن بعض الفنانين القادمين من خارج كندا يشاركون للمرة الأولى في أميركا الشمالية، وأن مسارات دولية لفنانين بدأت من خلال المهرجان. كما أشارت إلى مساحة "Espace Aleph" المجانية ضمن برنانج المهرجان التي تتيح للفنانين المحليين في بداياتهم عرض أعمالهم والتعريف بأنفسهم، مؤكدةً: "الشهرة ليست شرطًا".

وفي ختام الحوار، شددت عواد على أن "المهرجان لا يتبنى موقفًا سياسيًا مؤيدًا لجهة بعينها، بل ينطلق من منظور إنساني"، وأن الفن يتيح للجمهور التعرف إلى ثقافات مختلفة قبل تكوين أحكام مسبقة عنها. وأوضحت أن المهرجان اعتاد اختيار موضوع سنوي، بينما يركّز برنامجه الآن على ثقافات أو موضوعات محددة، مضيفةً: "ندعو الجمهور إلى التعرّف إلى الثقافة قبل تكوين حكم مسبق عليها".

بشرى مناعي: الكتابة عن التجربة الشخصية جعلتني أرى حياتنا بوصفها شأنًا سياسيًا

تواصلنا أيضًا مع الكاتبة والباحثة ومفوّضة مكافحة العنصرية السابقة في مونتريال بشرى مناعي التي تشارك في مهرجان العالم العربي بندوة عن كتابها "رسالة حب إلى بابا" يوم 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026.

تكتب مناعي في كتابها إلى والدها عن الحب والحرية والعدالة، وتربط حكايتها الشخصية بقضايا المنفى ومكانة المرأة العربية والمسلمة.

في حديثنا معها، تقول مناعي إن الكتاب لم يكن معنيًا بتجربتها وحدها، بل أرادت من خلاله التعبير عن تجارب أوسع: "كان الكتاب بالنسبة إليّ وسيلة لإظهار تنوّع تجارب النساء العربيات والمسلمات. أعرّف نفسي بوصفـي امرأة مسلمة، وأعرف أن تجربتي كامرأة من شمال أفريقيا قد تكون قريبة أيضًا من تجارب نساء عربيات من فلسطين أو لبنان، مثلًا. أردت أن أصل بين تجربتي الشخصية وتجاربنا الجماعية".

وترى مناعي أن انتقالها من البحث في تجارب الآخرين إلى الكتابة عن نفسها تطلّب منها مراجعة حياتها، بعدما اعتادت تناول الظواهر الاجتماعية والواقع الحضري من موقع الباحثة. وتقول إن بحثها جعلها تدرك ضرورة النظر إلى أثر الأحداث في حياتها، مضيفةً: "كان من السهل عليّ أن أكتب عن الآخرين والظواهر والواقع الحضري، لكن البحث جعلني أدرك أن عليّ أيضًا أن أتأمل تجربتي".

وتوضح أن قضايا الهجرة والسياسة لا تبقى خارج الحياة الخاصة، بل تنعكس على العلاقات اليومية، وخصوصًا حين ترتبط حياة أحد الطرفين ببلد يعيش الحرب. كما تتحدث عن والدها الذي شجعها على الكتابة، لكنها كانت ترى فيه الكاتب في العائلة، لا نفسها، وتقول: "لم أكن أتصور نفسي كاتبة؛ كنت أرى أبي هو الكاتب".

وتضيف مناعي: "جعلني البحث في الهجرة والقضايا السياسية التي يعيشها العرب والمسلمون أدرك أن عليّ أن أرى نفسي واحدةً من هؤلاء الناس أيضًا. فالتأمل في نفسيتنا بوصفنا مهاجرين وأفرادًا في الشتات هو عمل سياسي كذلك".

وتعود مناعي في الكتاب إلى الرسالة الطويلة التي كتبها لها والدها قبل عشرين عامًا، وتحاول فهم ما كُتب فيها وما غاب عنها. وتقول إن نظرتها إلى الرسالة تغيرت مع الوقت، وإنها سعت إلى فهم الصمت الذي تركه والدها فيها: "هناك ما كتبه أبي فيها، وهناك أيضًا كل ما لم يكتبه". وتضيف أن الرسالة، التي كان يفترض أن تتناول الحب والزواج، انشغلت في معظمها بالسياسة وعلم الاجتماع، قبل أن تنقطع من دون أن يكملها.

وتقول مناعي إنها تشعر بالامتنان لأن والدها وأخيها دعماها لتكوين حريتها وكرامتها كامرأة، وترى أن هذا الدعم يفسر تحول الرسالة الأولى التي أرادت كتابتها إلى والدها إلى كتاب كامل. وتوضح أن الكتابة أتاحت لها نقل الحديث الخاص إلى المجال العام: "كانت عملية الكتابة محاولة للتحرر من الحوار الحميم، وتحويل هذا الحوار إلى قضية سياسية".

وعن سؤالنا لها حول حملة مركز إسرائيل والشؤون اليهودية (CIJA) التي دعت إلى إقالتها من منصبها وشبّهت مناعي بهتلر، ربطت مناعي التجربة بوالدها أحمد المناعي. وتحدثت عن إصابته بجلطة دماغية في أيلول/سبتمبر، قبل بدء الإبادة بفترة قصيرة، وعن وجودها معه بعد أيام من بدايتها، حين لم يعد قادرًا على الكلام رغم بقاء مشاعره حاضرة. وقالت: "كان الأمر مؤثرًا جدًا بالنسبة إليّ؛ فهو رجل كتب عن العالم العربي وحلّله، وكرّس حياته من أجل حرية بلداننا".

وتوفي أحمد مناعي، والد بشرى، بعد بضعة أشهر من بدء الإبادة، لكن مناعي تستعيد مشاركته في تظاهرة بباريس في كانون الأول/ديسمبر، حين كان على كرسي متحرك برفقة ثلاث من بنات أخيها. وكان يحمل لافتة كُتب عليها: "فلسطين ستحرّرنا جميعًا". وتقول مناعي إن استحضار والدها في سياق حديثها عن الترهيب والإساءات العنصرية والصهيونية يعكس التزامًا عائليًا، مضيفةً: "شعرت كأنني أقول لهم: أنتم لا تعرفون من هو أبي".

وتقول مناعي إنها لا تعرف إن كانت ستكسب دعوى التشهير، مضيفة: "بصراحة ما يشغلني هو رسم حدّ واضح أمام من يحاولون ترهيبنا في أماكن عملنا وفي حياتنا اليومية. كثير من الناس يخافون حتى من الكلام. لذلك أردت أن أقول إن علينا ألا نخاف أبدًا من التعبير عن آرائنا".

وتضيف: "هذا ما علّمني إياه أبي من خلال كتاباته عن التعذيب في السجون بتونس، وعن السجون والواقع الذي يعيشه الأسرى والفلسطينيون في إسرائيل. أعتقد أن ذلك منحني الشجاعة لأكون نفسي".

وتصف مناعي أهمية الحديث عن الإبادة: "كان الحديث عن الإبادة ضرورة. لم نطالب بأمور إجرامية؛ أردنا فقط ألّا يتعرض الناس للقصف. وأعتقد أن هذا مطلب أساسي".

محمد قاسمي: التبادل العربي الفارسي أسهم في تشكيل إرث علمي مشترك

يشارك الباحث والأكاديمي محمد قاسم في ندوة "العلاقات العربية الفارسية: ما يدين به العالم العربي لإيران"، وقد تواصلنا معه للتعرّف إلى طبيعة الأفكار التي يتمحور حولها طاولة النقاش.

عن سؤالنا له عن إسهام الفرس في العلوم الإسلامية، رأى قاسمي أن حضور العلماء من أصول إيرانية امتد إلى مجالات دينية وعلمية متعددة، مستشهدًا بالفقه والطب والفلك. وقال: "عدد كبير من العلماء في معظم فروع العلوم الإسلامية كانوا من أصول فارسية"، مشيرًا إلى الإمام أبو حنيفة النعمان، مؤسّس المذهب الحنفي أنه كان فارسيًا.

وأكد قاسمي أن التأثير بين العرب والفرس لم يكن أحادي الاتجاه، بل شمل تبادلًا لغويًا وثقافيًا أسهم في تطوير اللغتين. وأشار إلى دخول مفردات عربية كثيرة إلى الفارسية، وإلى قدرة الفرس على استيعابها من دون الإخلال ببنية لغتهم، قائلًا: "تمكّن الفرس من إدخال الكلمات العربية إلى لغتهم، كما طوّروا قواعدها النحوية". كما أشار إلى سيبويه، مؤسّس علم النحو العربي، وأنه فارسي، وإلى إسهام علماء إيرانيين في العلوم، فضلًا عن دور عالم إيراني في التعامل مع الغزو المغولي واعتناق المغول الإسلام، ثم تأسيس المدرسة النظامية في بغداد.

وعن التبادل الفكري في العصر العباسي، ربط قاسمي اتساعه بالتنافس داخل البيت العباسي وسعي بعض الخلفاء إلى توطيد علاقاتهم بالإيرانيين. وذكر استدعاء العلماء إلى البلاط العباسي، حيث شاركوا في نقاشات حول علم الكلام والفلسفة والفقه، موضحًا: "كان العلماء يتحاورون ويتناظرون من دون خوف من الانتقام أو العقوبة بسبب آرائهم". وأضاف أن المناظرات كانت تجري وسط احترام متبادل، وأن المتناظرين واصلوا الحوار حتى بعد أن يُعلَن فوز أحدهم أو خسارة الآخر.

وعن إمكان الاستفادة من التاريخ المشترك لفتح حوار بين إيران والدول العربية في ظل التوترات الراهنة، قال قاسمي "إن الطرفين لا يملكان بديلًا من استئناف الحوار، وإن التدخل الخارجي من أبرز مشكلات التاريخ المعاصر". ورأى أن "العداء بين إيران والسعودية أو دول الخليج يفضي إلى خسارة الطرفين"، مضيفًا: "لا أعتقد أن من مصلحة السعودية أو دول الخليج أن تكون بينها وبين إيران حالة عداء؛ فهذا وضع يخسر فيه الطرفان".

وأشار قاسمي إلى أنه قد يوسّع حديثه في حلقة النقاش التي ستُعقد في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر ليشمل إسهام الإيرانيين في اللغة العربية ومعاجمها وقواعدها، ولا سيما دور سيبويه وأبي علي الفارسي. وقال إن جهود هؤلاء العلماء أسهمت في حفظ العربية ووضع قواعد دقيقة للنطق وضبط الكلمات، مضيفًا: "لو لم يكن لسيبويه، ثم لأبي علي الفارسي، هذا الإسهام، لما بلغت اللغة العربية ونحوها ما بلغا إليه اليوم". كما أشار إلى رواية عن سيبويه تقول إنه قرر وضع قواعد للغة بعد أن أُحرج بسبب خطأ في نطق كلمة.

وفي مجال الطب، يأتي ذكر ابن سينا. ومن العلماء الفرس الذين كتبوا بالفارسية حافظ وسعدي والرومي والفردوسي، يقول قاسمي: "من اللافت مقدار ما استخدموه من مفردات عربية في كتاباتهم. فحافظ، مثلًا، نظم قصائد كثيرة يرد فيها شطر بالعربية وآخر بالفارسية".

وأضاف قاسمي: "أصبحت المفردات العربية جزءًا كبيرًا من اللغة الفارسية، حتى إن حضورها طغى أحيانًا على بعض المفردات الفارسية، وإن لم يؤدِّ ذلك إلى تهميش اللغة الفارسية على نطاق أوسع".

وتناول قاسمي التداخل اللغوي في أعمال شعراء الفرس، مثل حافظ وسعدي والرومي والفردوسي، مشيرًا إلى استخدامهم المفردات العربية وظهور أبيات تجمع العربية والفارسية. وأوضح أن هذا التأثير أثار في إيران، أحيانًا، حركات ثقافية دعت إلى الحد من استعمال الكلمات العربية والحفاظ على المفردات الفارسية، لكنه رأى أن التفاعل بين الاتجاهين أسهم في إثراء اللغتين، قائلًا: "نشأ تفاعل بين من يستخدمون المفردات العربية في الفارسية، ومن يسعون إلى الحفاظ على المفردات الفارسية، وقد أسهم هذا التفاعل بين اللغتين في ازدهارهما وتطورهما".

 

 

معرض الصور