د. علي ابراهيم - مونتريال
شكّل الاتفاق الإطاري الأخير بين لبنان وإسرائيل، الذي وُقّع برعاية أميركية عقب جولة مفاوضات مكثفة في واشنطن، محطة مفصلية أثارت نقاشاً واسعاً حول مضمونه وانعكاساته السياسية والأمنية. فبينما قُدّم الاتفاق باعتباره خطوة نحو تثبيت الاستقرار ووقف المواجهات، فان القراءة المتأنية لبنوده تطرح أسئلة جوهرية حول مدى توازن الالتزامات التي يفرضها على كل من لبنان وإسرائيل، وما إذا كان يعالج جذور الصراع أم يكرّس واقعاً جديداً يحمّل لبنان وحده مسؤولية التنفيذ، مقابل التزامات فضفاضة على الجانب الإسرائيلي.
وفي ما يلي قراءة في أبرز بنود الاتفاق، وما تحمله من دلالات سياسية وقانونية، بعيداً عن الشعارات، ومن خلال النصوص نفسها وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج.
أولاً، الإطار العام للاتفاق يضع هدف “السلام والأمن” بصيغة قد تبدو - للوهلة الاولى - متوازنة ، لكنه عملياً يعيد تعريف النزاع على أنه مشكلة ناتجة عن “جماعات مسلحة غير تابعة للدولة”، وليس عن احتلال أو اعتداءات إسرائيلية تاريخية. هذا التحول في توصيف المشكلة يعد محاولة لنزع الشرعية عن المقاومة وتحويلها إلى مجرد تهديد أمني داخلي.ثانياً، البنود المتعلقة بنزع السلاح خصوصاً البندين 2 و4 تفرض التزامات واضحة ومفصلة على لبنان، تشمل تفكيك البنية العسكرية للمقاومة ونزع سلاحها بالكامل، مع آليات تحقق دولية وإشراف أميركي. في المقابل، لا نجد التزامات مماثلة أو محددة على إسرائيل، بل مجرد وعود عامة بإعادة الانتشار “تدريجياً” و”عند تحقق الشروط”، ما يفتح الباب أمام إبقاء وجودها العسكري أو تدخلها بحجة عدم اكتمال التنفيذ.
ثالثاً، الربط بين انسحاب إسرائيل ونزع سلاح المقاومة يجعل الانسحاب مشروطاً بالكامل بسلوك الطرف اللبناني، وليس التزاماً مستقلاً. هذا يعني عملياً أن إسرائيل تحتفظ بحق البقاء أو التدخل طالما تعتبر أن الشروط لم تتحقق، وهو ما يُفسَّر كإضفاء شرعية على استمرار الاحتلال أو العمليات العسكرية.
رابعاً، البند الخامس يمنح إسرائيل غطاءً سياسياً وقانونياً عبر تبني روايتها بأن عملياتها العسكرية كانت “دفاعية” ورداً على تهديدات. هذا التوصيف، يبرئ إسرائيل مسبقاً من أي مسؤولية عن الاعتداءات، ويؤسس لحقها في تكرارها مستقبلاً تحت عنوان “الدفاع عن النفس”.
خامساً، البند السابع الذي يؤكد حق الطرفين في الدفاع عن النفس يبدو متوازناً شكلياً، لكنه عملياً يخدم إسرائيل أكثر، لأنها دولة تمتلك تفوقاً عسكرياً وتستخدم هذا المفهوم لتبرير عمليات واسعة النطاق، بينما يُحرم أي طرف غير الدولة اللبنانية من هذا الحق، بما في ذلك المقاومة. فمن سيدافع عن لبنان في وجه الاعتداءات الاسرائيلية
سادساً، إدخال الولايات المتحدة كضامن ومشرف رئيسي على التنفيذ يُعد كعامل انحياز، نظراً لعلاقتها الاستراتيجية بإسرائيل. وبالتالي، فإن آليات التحقق والرقابة قد تُستخدم للضغط على لبنان دون ممارسة ضغط مماثل على إسرائيل.
سابعاً، البنود الاقتصادية وإعادة الإعمار 9 و10 و11 تربط المساعدات الدولية بشكل صارم بتنفيذ نزع السلاح، ما يُفسَّر كأداة ضغط إضافية على لبنان، حيث يصبح التعافي الاقتصادي مشروطاً بتفكيك المقاومة، وليس بإيقاف الاعتداءات أو الانسحاب الإسرائيلي.
ثامناً، غياب أي إشارة واضحة إلى قضايا مثل الانتهاكات الإسرائيلية السابقة، أو التعويضات، أو ترسيم الحدود بشكل نهائي، يعزز الانطباع بأن الاتفاق لا يعالج جذور النزاع، بل يركز فقط على إزالة عنصر المقاومة.
بناءً على ذلك، فان الاتفاق يعيد صياغة الصراع بطريقة تُحمّل لبنان مسؤولية إنهائه عبر نزع سلاح المقاومة، بينما يمنح إسرائيل حرية الحركة تحت غطاء “الدفاع عن النفس”، دون إلزامها بتعهدات واضحة أو قابلة للمساءلة، ما يجعله أقرب إلى إطار يشرعن الواقع القائم بدلاً من تغييره.
47 مشاهدة
27 يونيو, 2026
138 مشاهدة
16 يونيو, 2026
150 مشاهدة
16 يونيو, 2026