Sadaonline

لا تطلبوا من المسلم أن يعتذر عن إيمانه

المسلم في المجتمع التعددي ملتزم بالعهد والقانون وحرمة الدماء والأموال، لكنه ليس ضيفًا صامتًا ولا مؤمنًا محبوسًا في المجال الخاص

د. إسماعيل الحاج علي - غاتينو

الإسلام أمام محكمة العصر

يروق لي أن أُثالث مقالتَي جناب الشيخ أحمد قنديل وسعادة الدكتور طنوس شلهوب، لا لأنتصر لأحدهما على الآخر، بل لأقول ما أراه مكمّلًا للرؤيتين؛ فقد أصاب الأول في الجمع بين ثبات العقيدة وحرمة الإنسان والوفاء بالعهد، وأصاب الثاني في توسيع النظر إلى المجتمع والطبقة والإسلاموفوبيا وعلاقات القوة. لكن السؤال الأعمق هو: هل نقرأ الإسلام بعقل العصر لنفهمه، أم نحاكمه بمعايير العصر من دون أن نحاكم هذه المعايير نفسها؟ ففي كل مرة يرتكب فيها مسلم جريمة، يُستدعى المسلمون جميعًا إلى منصة الاعتذار، بينما لا تُحاكم فلسفات الدول وحضاراتها حين تقتل الآلاف، بل يسمى عنفها أمنًا أو حربًا أو دفاعًا عن النفس. نعم، المسؤولية الجنائية فردية، ولا تحمل جماعة ذنب فرد، لكن ذلك لا يمنع نقد الخطابات والظروف التي تنتج التطرف، على أن يطبق الميزان نفسه على عنف الأفراد والدول والاحتلال معًا. فنحن لا نهرب من نقد الغلو في داخلنا، ولا نقبل في المقابل أن يتحول المسلم والمهاجر إلى متهم دائم أو كبش فداء لأزمات السكن والعمل والأسعار التي صنعتها سياسات أكبر منه.

الإيمان في مجتمع التعددية

ومن حق المسلم أن يرى فعلًا ما محرمًا، من دون أن يهين فاعله أو يعتدي عليه؛ فالإنسان أكبر من فعل واحد، وكرامته لا تتوقف على موافقتنا له. لكن حماية الإنسان لا تعني إرغام المؤمن على تغيير عقيدته، والتعايش لا يعني الصمت عن الاختلاف، والمساواة في الحقوق لا تجعل جميع الأفعال متساوية أخلاقيًا. ومن المنظور الإسلامي، فإن المسلم في المجتمع التعددي ملتزم بالعهد والقانون وحرمة الدماء والأموال، لكنه ليس ضيفًا صامتًا ولا مؤمنًا محبوسًا في المجال الخاص؛ بل مواطن كامل يملك حق نقد القانون والعمل السلمي لتغييره، من دون أن يستولي على حق القضاء أو العقوبة. إننا لا نريد فرض الدين بالقوة، ولا نقبل أن تُفرض علينا فلسفة أخرى باسم الحياد. نريد إيمانًا مرفوع الرأس، رحيم القلب، قوي الحجة؛ نقرأ الإسلام بعقل عصرنا حتى نفهم الواقع، ونقرأ العصر بعقل الإسلام حتى نكشف حدوده. فلا نربح عقيدتنا بخسارة الإنسان، ولا نربح اندماجنا بخسارة أرواحنا؛ بل نحمل الحقيقة برحمة، والاختلاف بعدل، والمواطنة بوفاء. 

والسلام