بقلم: حبيبة أديب* – مونتريال
على امتداد سنوات عهده، واجه رئيس وزراء كيبيك، فرانسوا لوغو، سلسلة من العثرات البنيوية التي أفضت إلى تآكل الرصيد الشعبي لحكومته، وزعزعت المرتكزات السياسية لحزبه (CAQ). فبعد سنوات من الوعود بالتغيير الجذري، يبدو أن "التحالف" الذي بناه لوغو بدأ يواجه مخاضاً عسيراً يهدد بقاءه السياسي.
ففي قطاع الصحة، لم تفلح الإصلاحات الموعودة في تذليل العقبات أمام الوصول إلى الخدمات أو كبح جماح فترات الانتظار. ورغم التغيير الهيكلي العميق باستحداث وكالة "صحة كيبيك" (Santé Québec)، فقد اعتُبرت هذه الخطوة في نظر الكثيرين مجرد "زيادة في البيروقراطية" لم تلمس أوجاع المريض الكيبيكي. وقد قوبلت سياساته، لاسيما ما يتصل بمنظومة تعويضات الأطباء، بممانعة شديدة داخل الوسط الطبي، بل وأحدثت تصدعات داخل كتلته البرلمانية ذاتها.
أما على صعيد الرقمنة، فقد استحال مشروع تحديث الخدمات في هيئة تأمين السيارات (SAAQclic) إلى أيقونة لسوء التقدير؛ إذ تسبب التعثر التقني في ارتباكٍ واسع وتجاوزات مالية فجة، مما استجلب سهام النقد من الهيئات الرقابية ووضع كفاءة الإدارة الحكومية على المحك، كدليل صارخ على فجوة الأداء بين الخطاب السياسي والواقع التنفيذي.
اقتصادياً، حاصرت الانتقاداتُ الحكومةَ جراء التبديد المفترض للمال العام في مشاريع استراتيجية لم تؤتِ أكلها، بالتوازي مع تفاقم العجز المالي وتضخم الدين العام، في سياقٍ اتسم بإنفاقٍ سخيّ لم يُترجم إلى عوائد ملموسة على جودة الخدمات الأساسية أو النمو المستدام.
وعلى المضمار السياسي، سُجّل انحدارٌ دراماتيكي في شعبية لوغو، تجسّد بوضوح في الانكسار الانتخابي المدوّي في دائرة "جان تالون" (Jean-Talon)؛ تلك الهزيمة التي اعتُبرت بمثابة "زلزال سياسي" كشف عن تصدّع المعاقل الحصينة للحزب، وأذنت ببدء مرحلة من التفسخ في تماسك الكتلة الحكومية مع اقتراب نهاية الولاية.
كما أثار النهج التشريعي لحكومة لوغو لغطاً مستمراً، لاسيما التعسف في استخدام الآليات البرلمانية لتقويض النقاش وتمرير تشريعات جدلية، ما دفع بالمعارضة ومؤسسات المجتمع المدني إلى اتهامها بتقويض التقاليد الديمقراطية وتهميش دور المؤسسة التشريعية.
وفي ملفي الهجرة واللغة، تذبذبت الحكومة بين مطرقة حماية "الهوية الفرانكوفونية" وسندان احتياجات سوق العمل، مما خلق حالة من الجفاء مع الأوساط الاقتصادية وشرائح واسعة من المجتمع المدني التي رأت في قرارات الحكومة تغليباً للأيديولوجيا على المنطق الاقتصادي.
ولم تكن الجالية العربية بمنأى عن هذا السخط؛ فقد نصبت السياسات الهوياتية لحكومة لوغو، ولاسيما قوانين العلمانية (القانون 21) واللغة (القانون 96)، حاجزاً نفسياً وسياسياً حال دون انخراط هذه الشريحة الحيوية في مشروع "التحالف". وبالنسبة للكثير من الكيبيكيين ذوي الأصول العربية، تمثل استقالة لوغو فرصةً لاستعادة خطاب سياسي أكثر احتواءً، يعترف بالتنوع بوصفه قيمةً مضافةً لا تهديداً للهوية.
هذا الاحتقان لم يظل حبيس الأروقة، بل ترجمته لغة الأرقام الصادمة؛ ففي أكتوبر 2025، كشف استطلاع للرأي أن 74% من الكيبيكيين يحبذون رحيل لوغو قبيل الاستحقاق الانتخابي القادم أو تزامناً معه، بينما لم تتجاوز نسبة المتمسكين بترشحه لولاية جديدة عتبة الـ 16%.
ماذا بعد؟
أمام هذا المشهد المتأزم، يبرز السؤال الجوهري: ماذا بعد حقبة لوغو؟ إن كيبيك اليوم لا تقف أمام مجرد تغيير في الوجوه السياسية، بل أمام ضرورة مراجعة العقد الاجتماعي الذي صاغه "التحالف من أجل مستقبل كيبيك". هل سيفلح الحزب في اجتراح "صحوة" سياسية تعيد ترميم شقوقه العميقة، أم أننا نشهد مخاض ولادة بديل جديد يستثمر في هذا الفراغ؟ الأكيد أن الناخب الكيبيكي، الذي منح لوغو تفويضاً تاريخياً فيما مضى، بات اليوم أكثر ميلاً لمحاسبة النتائج لا الوعود، مما يجعل المرحلة القادمة مرحلة "إعادة ترتيب الأوراق" بامتياز، حيث لن يكون للصمت أو المناورة مكان في تشكيل مستقبل المقاطعة.
*حبيبة أديب: أديبة وباحثة مقيمة في مونتريال، كندا. تهتم برصد التحولات السياسية والاجتماعية في المجتمع الكيبيكي.
88 مشاهدة
03 مارس, 2026
108 مشاهدة
03 مارس, 2026
134 مشاهدة
01 مارس, 2026