Sadaonline

في "تكريم كبارنا".. الجيل الذي كرّس الهوية والانتماء

دارين حوماني ـ صدى اونلاين

تتعدّد حكايات كبارنا في مونتريال، حكايات تعود بنا إلى الستينيات وصولًا إلى الثمانينيات من القرن الماضي، تكاد تكون معادلة رمزية حقيقية لمعاني الفقد والانسلاخ عن الوطن، والمواجهة الحقيقية أيضًا مع حياة أخرى ندر فيها وجود لغة عربية ما عزّز الشعور بالفقد والبُعد، ومع زمن لم يكن رقميًا ولم يكن فوريًا في التواصل، وكان للرسالة المكتوبة طعم آخر ومعنى تواصلي وحيد لا يدرك قيمته الجيل الجديد، هو "حفل تكريم كبارنا" في المجمّع الإسلامي في مونتريال الذي جرى مساء أمس في 29 حزيران/ يونيو 2024 وهو فكرة لها أهميتها الكبيرة في تقديم ولو القليل لهؤلاء الكبار مما يستحقونه، كما تكمن أهميته في الاشتباك الحسّي للجيل الجديد مع تجارب وحكايات ذلك الجيل الذي قدّم الكثير ليصير حضور الجالية في مونتريال كما هو الآن، حضور يميّزه ليس البُعد الاقتصادي والمادي للجالية بل ذلك البُعد المعرفي والديني لشبّان وشابات الجالية.

الحاج بهيج سلامة

افتتح الحفل التكريمي بآي من الذكر الحكيم للمقرىء الحاج عبد الله صفا .

"عمري بروحي لا بعدّ سنيني/ وسأسخرن غدًا من التسعينِ.. عمري إلى الثمانين يركض مسرعًا/ والروح ثابتة على العشرين".. هي أبيات مقتبسة عن الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي استهلّ بها الحاج بهيج سلامة تقديمه للحفل.

وسلامة هو أحد أقدم المهاجرين إلى كندا منذ العام 1971، وحيث أثنى في كلمته على خطوة التكريم التي يقيمها اليوم المجمع الاسلامي، وتحدّث عن بدايات المركز الإسلامي في مونتريال وتأسيسه بجهود أوائل من وصلوا إلى هذه البلاد تاركين بصماتهم على الجالية، "هذه الثلة الطيبة الصابرة التي أرست قواعد العمل الإسلامي في هذا البلد فرفعت بنيانه وأشادت جوانبه حتى أصبح مجتمعًا متماسكًا"، وروى سلامة تلك البدايات حيث جاء هو عام 1971 وكانوا 12 شابًا من الطلبة أو جاؤوا للعمل، فقرروا إقامة سهرات أسبوعية من أجل الالتقاء على الرغم من اختلاف الأفكار السياسية والهويات الفكرية بينهم، ثم تحولت إلى حلقات دينية ومجالس ثقافية يقدّمون دروسًا في القرآن والفقه الإسلامي كل سبت وأحد، ويتناقشون فيها. وإذ كانت البداية مع استئجار مركز على شارع سانت هوبير St-Hubert  واستمر المركز عامًا، أقيمت فيه أول ذكرى عاشوراء في مونتريال وفي كندا. ثم لما بدأت الجالية تتوسّع تم شراء المركز على شارع غوان Gouin وكان المركز يتسع لـ167 شخصًا فقط فاضطروا بعد اتساع الجالية أن يستأجروا مركزًا بشارع Sauvé، "هناك مارسنا العمل الثقافي والديني والرياضي بأجمل ما يمكن، وكنا نحمل آمالًا عريقة وكبيرة لأن تصبح جاليتنا قوية ومتماسكة، إلى أن تم شراء المركز الإسلامي اللبناني لأن الإيمان هو الذي كان يدفعنا للعمل.. فمن لا إيمان في قلبه لا كرامة في حياته". وتابع سلامة أن ذلك المركز "كان يمثّل مركز وحدتنا"، وأن المسؤوليات كبرت بعد ذلك وانطلقت المسيرة بيد الجيل الثاني من الشباب، وكانت كشافة الرسالة وكان كشاف الشباب المسلم وهذا المجمّع الإسلامي على يد الشيخ علي سبيتي الذي أعطاه القوة والنشاط، ثم حركة شباب لافال. وختم قائلًا "علينا أن نستمر وعلى كل واحد أن يضيء شمعة في ساحتنا الاغترابية حتى تتحوّل ساحتنا الاغترابية إلى ميادين مملوءة بالشموع، ويزرع كل واحد فكرة من قمح، حتى تتحول أرضنا الترابية إلى سنابل من قمح، فالمسلمون الأوائل لم ينتصروا بالعدّة والعدد بل بالصبر والإيمان والثبات والجهد".

الدكتور عاطف عواضة : كل الجهود كانت بهدف الحفاظ على أبنائنا من خطر الضياع

ثم تحدث الدكتور عاطف عواضة، الذي عرّف عنه سلامة بأنه ابن والد الجالية ومن مؤسسي المركز الإسلامي، وسرد كيف أتى إلى مونتريال عام 1980 مع زوجته وأطفاله بعد فترة من الرعب والخوف جرّاء القصف الصهيوني على القرى الجنوبية المحاذية للشريط الحدودي، ومنذ أن وصل إلى مونتريال كان هناك كفاح متواصل حيث كان طالبًا وعليه مسؤوليات عائلية. ثم تحدّث عواضة عن مساعدة أخويه له الذين وصلوا قبله إلى مونتريال معتبرًا أنها من نعم التربية الإسلامية الشرقية التي تحفظ بنيان الأسرة بما فيها من قيم، ثم انضم للنشاط الاجتماعي في مونتريال وعلى رأسه بهيج سلامة وأبو علي رضا وإخوته. كما تحدّث عن جهود الحاج أبو علي السارجي الذي حوّل منزله لمقر لإحياء المناسبات واستقبال الوافدين الجدد من لبنان فشكّل مع زوجته "حركة أملٍ للقادمين في ذلك الوقت". كما سرد عواضة كيف تم تأسيس المركز في شارع غوان مثنيًا على جهود بهيج سلامة، وعن زيارة العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله للجالية والراحل الشيخ عفيف النابلسي والراحل الشيخ محسن سبيتي الذي واكب الجالية لفترة من الزمن، ثم السيد نبيل عباس كمبعوث من المجلس الشيعي الأعلى. معتبرًا أن كل تلك الجهود "بهدف الحفاظ على أبنائنا من خطر الضياع بعد ما نشاهده الآن، من تصويب ممنهج على هدم الأسرة والعبث بهوية الفرد، حيث كان الجدل النظري والفكري في الجامعات يدور حول كيفية احتواء المهاجرين، وكان المطروح أمران، واحد معتدل يهدف إلى استيعابهم وتأقلمهم في المجتمع المضيف أو ما يسمى الاندماج وآخر يجنح إلى سلخ هوية الوافدين وذوبانهم في المجتمع  Assimilation and accommodation، أما الآن فنحن أمام خطر داهم يرقى إلى مستوى الإبادة، ليس المهاجرين فقط، بل جميع المجتمعات تحت غطاء الحرية والعولمة وتشجيع الشذوذ ومحو الهوية من قبل منظمات عالمية ودولية تسعى إلى السيطرة على العالم واخضاع البشر والتسلط والهيمنة وهذا ما يضعنا أمام مسؤوليات كبيرة تقتضي التعاون والتكاتف ضد هذا الطغيان البعيد عن القيم التي فطر الله الإنسان عليها".

الحاج أحمد رضا : يجب أن نخرج من الصناديق المقفلة

من المتحدثين الحاج أبو علي أحمد رضا الذي كان رئيسًا للمركز الإسلامي اللبناني أكثر من مرة. عاد الحاج أبو علي رضا بدايةً إلى طفولته "أنا من قرية احتلت سنة 1948 صلحا، وقع فيها مجزرة استشهد فيها ما يقارب 20% من سكانها، عندما أرى الإجرام في غزة والجنوب أتذكر المعاناة التي يعانيها الناس". ثم تحدث رضا عن بدايات قدومه إلى مونتريال وأن هدفه لم يكن الإقامة، وفي عام 1975 قرّر الاستقرار وكان شعار والده "وين ما تروح أعمل وطن، ما تعيش الغربة، أوجد أصدقاء، حافظ على الناس".  وأضاف رضا "لكي تعيش مرتاحًا في وطن يجب أن تحافظ على تراثك وتبني علاقات اجتماعية كما كنتَ تعيش في وطنك"، وهكذا بدأ أبناء الجالية يتجمّعون وأغلبهم من القرى الحدودية الجنوبية مارون الراس، يارون، عيترون، وغيرها، وهذه اللقاءات أسّست لوجود المركز الإسلامي، وكانوا أول من احتفل بمولد الرسول في أميركا الشمالية. وفي إحياء ذكر أهل البيت وإحياء عاشوراء "هذا مزروع في قلوبنا وضميرنا، وكان هو الدافع". وتحدث رضا عن وجود رموز عندها خبرة بالعمل الإسلامي في ذلك الوقت وآخرين لديهم ميول يسارية ولكنهم كانوا يجتمعون من أجل تعزيز حضور وقوة الجالية، رغم عدم وجود إمكانيات مالية، أما اليوم فالجالية غنية وفيها عدد كبير من المثقفين والمتعلمين "لكن واقعها تعيس" كما عبّر، مشدّدًا على أهمية انفتاح الجالية على بعضها البعض ومن لديه تجربة في مجال معين يأخذ الفرصة ليعمل من أجل الجالية، "لا يمكن أن نعيش في صناديق.. يجب أن نخرج من الصناديق المقفلة"، بحيث ينفتح المجال لكل الاختصاصيين للعمل سويًا، مضيفًا "نحن نعاني من عقلية الهيمنة وإلغاء الآخرين للحفاظ على نفسنا" معتبرًا أنه لا يمكن نكران عمل الأوائل في الجالية وأنه يجب وجود الوعي وإعطاء كل إنسان حقه حيث الكثير من الناس الآن عندها نوع من اليأس. وأكّد على دور المركز الإسلامي اللبناني الذين كان أول مركز شيعي بكندا، وأصبحت مونتريال ثاني أكبر مدينة بالتواجد الشيعي بعد ميشيغان، ونوّه رضا بمسألة مهمة بأنهم لم يكونوا طائفيين في ذلك الوقت حيث كان يلقي الخطب مشايخ من أهل السنة، وكان المسيحيون يحضرون مجالسهم الثقافية، وعندما ضعفت الحالة الوطنية في لبنان تشاركت كل الطوائف هنا وكانوا سندًا لبعضهم، ومستذكرًا كيف تساعد عدد من أبناء الجالية لشراء مركز غوان عبر قرض من البنك. ثم أعاد تشديده على مسألة الانفتاح على الاختصاصيين كي يشتغل الجميع من أجل قوة الجالية، وقال "لا يُنظر إلى عدد أفراد الجيش بل إلى عدد فرسانه، الآن الفرسان قليلون بالنسبة لتلك الفترة".

المهندس أحمد صبح : كان النواب والوزراء يشاركون في فعاليات الجالية لأجل القضايا العربية وكأن القضية قضيتهم

أما المهندس أحمد صبح الذي ترأس المركز الإسلامي اللبناني لفترة، فكان له كلمة استذكر فيها جهود الشيخ الراحل محسن سبيتي للجالية. وثم تحدث عن المشاركات الطلابية في المظاهرات من أجل القضية الفلسطينية، في ذلك الزمن، حيث كان يشارك معهم بين 5 آلاف و10 آلاف من أصول كندية وكانوا يساندون القضايا العربية في فلسطين وفي لبنان. كما تحدث عن صعوبات بداياته في العمل مستذكرًا أفضال السيد عفيف والحاج علي دبوق، وقال إن الجالية اتفقت، مع وجود اختلافات فكرية، للعمل من أجل الجالية. كما تحدّث عن انتسابه لحزب Parti Québécois حيث كان عضوًا فعالًا فيه مشدّدًا على أهمية المشاركة السياسية الفعالة لأبناء الجالية، ومنتقدًا سعي الجالية للجانب المادي وعدم اكتراثها بالعمل السياسي، ومستذكرًا كيف كان النواب والوزراء الكنديين يشاركون في الفعاليات التي تنظمها الجالية لأجل القضايا العربية وكأن القضية قضيتهم، أما الآن فثمة بُعد بين الجالية والسياسيين ما أدى إلى ابتعادهم عن القضايا العربية المهمة. وقال إنه يجب الدخول في الأحزاب السياسية لتأخذ الجالية دورها الفعال، وأضاف إن الكنديين "الكيبيكوا" ليسوا عنصريين كما يُقال، بل كنا نحن العنصريين، حيث ينمو كره بين الطوائف اللبنانية، وهو ما يجب التخلص منه والتوحّد على قضايا عربية مثل قضية غزة الآن، والتظاهر والعمل لوقف الحرب ولأن ما يحدث في غزة قد يحدث في لبنان. وختم أنه ليس من السهل الحديث عن 54 سنة من عمره في كندا، ومن الأمور المهمة هو اشتغاله بإخلاص مع الراحل الشيخ محسن سبيتي، ثم حضور الشيخ علي سبيتي الذي ناضل أيضًا من أجل الجالية حيث "كانت هناك ظروف تفرض وجود مركز ثاني وثالث للجالية".

الشيخ علي سبيتي : تضحيات كبيرة ومعاناة كبيرة في البدايات مهّدت الطريق

وكان لفضيلة الشيخ علي سبيتي كلمة، ومما قال فيها:

"من الجميل أن نضع في صالونات بيوتنا تاريخ الجالية على شكل صور ولفتات، من أجل ذاكرة أولادنا كي لا تكون فارغة من المعلومات والصور عن الماضي ومن أجل أن يقدّروا النعمة التي بين أيديهم حاليًا. قد يفكر أولادنا أن الناس خلقوا هنا وفي فمهم ملعقة من ذهب. هناك تضحيات كبيرة ومعاناة كبيرة في البدايات مهّدت الطريق. لا نريد لأحد أن يحزن ويتأثر، وليس المقصود الوقوف عند أطلال التاريخ، بل المطلوب أن يُستفاد من ذلك وشحن الهمم من أجل مستقبل أفضل، نتلافى الأخطاء والعمل عل تصحيحها، ونفتح نافذة أمل للجيل الصاعد، ونضع أمامه هذه التجارب والأفكار.. ونقول لمن يشتغل في سبيل الله، انه لا ينبغي ان يبالي إذا كرّم أو لم يكرّم. طبعًا ثقافة الشكر ثقافة جميلة ومطلوبة، الإسلام حثّ كثيرًا على التهادي، هذه اللمسة الإنسانية هي التي تعزّز العلاقات البشرية ذات الطابع الأخلاقي، والبعيدة عن المصالح الآنية".

وأضاف الشيخ سبيتي:

"صدقة السر أفضل من صدقة العلن، والملائكة ترى كل شيء، فلنؤسّس لهذه الثقافة.. وهنا أصل الفكرة، التلاقي والتكريم والتشجيع والشدّ على الأيدي وإعطاء دفع لهذا الجيل الصاعد الذي يواجه تحديات كبيرة وصعبة في عالم متوحش وظالم وقاسي، عبر دعمكم وتعاونكم، وإلغاء فكرة القطيعة والكراهية والبغضاء، كلها تعزّز من وضعنا المعنوي في الساحات، وبمناسبة عيد الغدير والأب، كل هذه الذكريات من المهم الوقوف عندها، في ظل ثقافة القتل والتدمير والإعدام والإحراق والتجويع؛ نحن في عصر سفرتنا ممتلئة فيما أطفال تموت رسميًا من الجوع في غزة أمام الكاميرات، في عصر التطور والحضارات، انظروا إلى بشاعة هذا العالم. يجب تقوية جيلنا ليحل العدل والسلام، وليشارك هذا الجيل بكل مشروع يعزّز فكرة العدالة ويدعو إلى عدالة حقيقية وإلى سلام حقيقي من خلال الإمكانيات التي تتوافر، ومن خلال السعي لإلغاء الفراغات الكبيرة التي ما زالت تنتظرنا". وختم قائلًا: "التعددية يجب أن لا تكون سببًا للخوف والخطر. التعددية هي حديقة فيها زهور وألوان متعددة ولكن كلها تعبق بجمال واحد، المهم أن لا تحمل الشوك".

شريط ذكريات بدايات وجود الجالية

كما تم عرض شريط مصوّر، خلال الكلمات المذكورة، تضمّن سردًا لبدايات عدد من أفراد الجالية المؤسّسين الذي قدموا إلى مونتريال في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ومن المتحدثين الحاج إبراهيم خنافر الذي تحدّث عن صعوبة التواصل مع الأهل في لبنان في ذلك الزمن، وعن صعوبة الحياة في مكان لم تكن تعرف لغته، وكيف كان يفكر دائمًا بالعودة. كما تحدث الحاج جعفر كوثراني عن صعوبة الاتصال بلبنان، ووصول الرسائل بعد شهرين وأكثر، وهو ما أكّد عليه السيد أحمد صبح خصوصًا أيام الحرب الأهلية حيث كان الأهل في الأشرفية ثم انتقلوا لمكان آخر. وسرد الحاج فضل عيسى تجربته بافتتاح أول مطعم Fast Food عام 1975. واستذكر الحاج علي فحص صعوبة الطقس البارد في ذلك الوقت وظروف انتقاله من العراق الى مونتريال . الحاج عبد الله عكوش تحدث عن دراسته في مجال الفندقية وانتقاله الى مونتريال للعمل في هذا المجال . أما نورما جبران السارجي فتحدثت عن وجود فرص عمل كثيرة، وعن عدم وجود محجبات، وعن بدايات العمل الإسلامي النسائي في مونتريال وتكوين حلقات دينية للأطفال. وقال الحاج بهيج سلامة كيف كان العمل الديني فرديًا أول الأمر، ولم يكن من وجود للحجاب، وكيف قرّر العمل على تثقيف القادمين إلى كندا دينيًا وكيف أحضر كتب دينية من لبنان وبدأ يتوزيعها.

 كما قدّم عدد من المتحدّثين في الشريط المصوّر نصائح لأبناء الجالية بالتمسّك بالعلم فهذه بلاد العلم، وأن يتمسكوا بالثقافة والتقرّب من الكيبيين والكنديين وحتى الأميركيين، لتقديم فكرة مختلفة عن العالم العربي وتغيير الصورة السلبية النمطية التي كرّسها الصهاينة في عقول الشعوب الغربية، وأن يتعاون أبناء الجالية من الجيل الجديد مع بعضهم البعض ولا يأخذ أحد حق أحد، وأن يدخلوا في كل المجالات دون خوف من هاجس العنصرية. وقدّمت الحاجة نورما جبران السارجي نصيحة للفتيات بالتمسّك بالحجاب. وشدّد الحاج أبو علي رضا على أهمية أن يكون للجالية قياديون لهم حضورهم الفكري والثقافي ويرعوون شؤونها، كما لكل جسم عقل، وأن يكون للجالية تكوينها السياسي والاجتماعي والثقافي، ففيها الكثير من حملة الشهادات المثقفين والاختصاصيين، وخصوصًا في الانتخابات، وأن يكونوا فعالين في المجتمع، وشدّد على أهمية التواصل قائلًا "خصمك هو جذعك الثاني، تعاونوا من أجل الجالية".

الحاج عبد الله عكوش شدد في نصيحته للشباب على ضرورة التعاون فيما بينهم . فالتعاون بحسب الحاج عكوش يساعدهم على التقدم. وان يعملوا للوصول الى حقوقهم من دون التعدي على حقوق الآخرين . .

كما تحدث الدكتور حسين مرعي عن تجربته منذ وصوله إلى كندا ومن ثم الدراسة وصولًا إلى نيله درجة الدكتوراه في علم الاجتماع.

وتناول السيد أمين فرحات (أبو نعيم) ظروف انتقاله إلى كندا وبعدها تجربته تأسيس فرن فرحات الذي كان أول فرن يقدم الخبز اللبناني .  

آراء مشاركين في حفل التكريم

وكان لموقع صدى أونلاين لقاءات مع عدد من الحاضرين في الحفل: 

 

الحاج جواد جواد قال في حديثه لصدى أونلاين إنه قدم من بلدة حبوش إلى مونتريال عام 1977 وإنه عند وصوله ترك ثيابه في الحقيبة 4 أشهر بنية العودة. ثم أتى بأهله وتزوج عام 1988. وتحدّث كيف تغيّرت مونتريال وكبرت، حيث يسكن الآن في بروسارد ولم يكن أحد يسمع فيها في ذلك الزمن، معتبرًا أن التغيير للأفضل، حيث لم يكن يُسمع في مونتريال أي أحد يتكلم العربية، لدرجة أنه حين كان يسمع أحدًا يتكلم العربية يأخذ رقم هاتفه، فقط ليتواصل معه لاحقًا ويسمع لغة عربية. وفي الشتاء، كيف كانوا يزيلون الثلج عن الطرقات وفي نفس اللحظة تمتلئ الطرقات كأنهم لم يفعلوا شيئًا. وكان الثلج يستمر 9 أشهر، وإذا حدثت العاصفة وأنت في مكان تبقى محبوسًا فيه حتى تنتهي العاصفة ولو بعد يوم وأكثر. ثم تحدثت زوجته مريم قميحة معتبرة أن البداية صعبة دائمًا "هي فكرة النوستالجيا موجودة أينما ذهبنا خارج لبنان"، ثم تحدثت كيف أصبحت الحياة أفضل مع مرور الوقت، ودرست تعليم الأطفال المصابين بالتوحد، وعلّمت في مدرسة حكومية حتى فترة غير بعيدة عند وصولها لسن التقاعد. ثم وجّه الزوجان شكرهما لهذه الخطوة التكريمية المهمة "القائمين كيف تذكروا أهلهم والكبار هي خطوة مميزة وجميلة جدًا، وأن نجتمع بهدف التلاقي وليس لأي حدث آخر".

كما تحدّث أبو علي السارجي من حارة صيدا وزوجته نورما جبران من راشيا الوادي عن وصولهما إلى كندا عام 1975، وحيث بدآ بالعمل منذ وصولهما في شركة تابعة لأحد أقارب الزوجة، ثم غيّرا وظائفهما، شاكران المجمّع على هذه الخطوة الرائعة، كما عبّرا.

وقال الحاج أبو علي أحمد رضا لصدى أونلاين "نحن من الأوائل منذ عام 1972، يومها لم يكن في مونتريال 20 لبنانيًا، حتى لا يعدّون على أصابع اليد. لا أستطيع أن أعبّر كم كانت الأمور صعبة، وخصوصًا للملتزم دينيًا، فلم يكن من لحم حلال، أما الحياة المهنية فكانت جيدة. أنا جئت بطلب من أبي لأطمئن على أخي الذي جاء إلى مونتريال عام 1967. وفي عام 1975 قررت أن أبقى، وتزوجت، ويومها قلت "يجب أن أؤسّس لوطن هنا، ولحياة اجتماعية تتناسب معي"، ثم تحدث رضا عن بداياته مع تأسيس المركز الإسلامي العربي سنة 1977 وكيف تم تأسيس مركز لبناني لاحقًا، وكيف أصبحت مونتريال مع الوقت ثاني مدينة بالتعداد الشيعي بعد ديترويت بشمال أميركا، حيث كان اللبنانيين عادة يقصدون نيويورك وميشيغان، وأضاف "أصبحنا نحن القديمون نستوعب القادمين الجدد ليفهموا الوضع هنا.. وقمنا بعملية توعية دينية قدر الإمكان، وانشهرت مونتريال بإحيائها المناسبات الوطنية والدينية وصارت محطة لرجال الدين، ولنواب لبنانيين، ويرجع الفضل لهؤلاء المكرّمين هنا ولآخرين رحلوا هيأوا الحياة الاجتماعية لمن جاء بعدهم".

وفي سؤال صدى أونلاين عن البدايات في مونتريال وتأثير الهجرة على الأبناء، قال د. عاطف عواضة إنه جاء عام 1980 وكانت مونتريال مختلفة عمّا هي الآن، جاء كطالب، ودرس الدكتوراه في الجغرافيا الاجتماعية، وكانت دراسته عن كيبيك، وبهذا تعرّف على تفاصيل مجتمعية عديدة، لكنها كانت سنوات صعبة حيث كانت عليه مسؤوليات عائلية وخاصة، وأضاف "الصعوبة في هذه البلاد أن وقتك ليس لك، يحتاج الشخص لأن يركض باستمرار كأنه آلة أو عبد للنظام الموجود هنا. كل شيء يجبر الإنسان أن يركض، متطلبات الحياة، المصاريف، النظام مبني على أن يكون الإنسان عبدًا للآلة ولرأس المال. حكمًا بشكل عام المجتمع الرأسمالي هكذا. كانت حياتنا عملية طويلة وشاقة".

وأضاف عواضة: "ما كان يؤثر علينا دائمًا أننا كنا مرتبطين ببلدنا ونفكر بالعودة كل يوم ونقول: غدًا نعود. وكان التواصل صعبًا. أنا من عيترون، قرية حدودية، وهذا أثّر على مستوى التواصل مع البلد الأم.. بيتنا كان محافظًا دينيًا لم يتأثر الأولاد بمسألة الدين لكن تأثروا بموضوع اللغة، وانصدموا بالواقع الذي كان". وسرد عواضة تجربة له حين أخذ ابنه إلى لبنان، وزارا القرية وكيف وقفا أمام حاجز بوابة بيت ياحون، وكانت مغلقة، وانتظرا كثيرًا فيما تعب ابنه وتساءل عن سبب عدم الفتح، ثم مرّ الطفل بتجربة التفتيش، ثم صعوبة الخروج من القرية، يقول عواضة "بقيت هذه الذكريات عالقة بذاكرته ولا تزال مؤثرة فيه، ولكن لها وجه إيجابي أنها جعلته يحب بلده، ويحب الذهاب إلى لبنان باستمرار". ويضيف عواضة أنهم تعبوا من أجل الإبقاء على الرابط مع الوطن. وعلى صعيد الجالية، أعرب عواضة عن فرحته لما وصلت إليه الجالية والوجوه الجديدة التي تشتغل للجالية، وعن سعادته بهذا اللقاء حيث رأى وجوهًا قديمة لم يرها منذ زمن، معتبرًا أن في الجالية طاقات هائلة، ولكن يجب أن تكون فاعلة سياسيًا. كما قال بأن الهدف هو الوصول ليصبح للجالية تكتل سياسي، ولوبي ضاغط. وشكر القيمين على فكرة جمع المؤسّسين من الرعيل الأول الذين اشتغلوا على المسائل الدينية بوقت كان صعبًا ذلك، وكيف أسّسوا المركز الإسلامي اللبناني، وأخرجوا جيلًا نشطًا في أكثر من مركز.

وقال أخوه يوسف عواضة لصدى أونلاين، وهو الذي قدم عام 1975 دون معرفة باللغة ولا معرفة بعادات البلد، إنه واجه صعوبة كبيرة، وكيف كان يحلم بسماع كلمة عربية واحدة، وعندما يرسلون رسالة إلى لبنان تصل بعد شهرين. وقال إن الأوائل هم الذين يدفعون الضريبة. ثم سرد كيف تعلّم وتوظّف في شركة، ثم عمل في شراء وبيع العقارات، وكان أول من افتتح محل دولاراما.

كما تحدّث الأستاذ الحاج أبو حسام علوية لصدى أونلاين وهو الذي جاء عام 1989 في زيارة فأحبّ مونتريال وبقي فيها، ثم أتى بعائلته وأسّس لعمل. وقال الحاج صبحي علوية إنه جاء أيضًا سنة 1989 وإنه لم يندم على مجيئه أبدًا، وأن أولاده تعلموا في الجامعات وتوظفوا ولم يبتعدوا عن الدين، وشكرا المجّمع والقيّمين على هذه الخطوة التكريمية "الرائعة" متمنيين خطوات تكريمية للمجاهدين الذين يضحون بأنفسهم في لبنان.

وقالت الحاجة أم عامر منعم التي أتت إلى مونتريال في 14-8- 1992 إنها لم تشتغل لكنها ربّت عائلة، فيما قال زوجها أبو عامر بهجت منعم أن الحياة تغيرت في كندا كما تغيّر العالم كله، وأنهم تعايشوا مع الكنديين ويصرّون على الذهاب سنويًا إلى لبنان مع أحفادهم من أجل إبقاء التواصل العائلي مع لبنان، لكن الوضع الأمني في لبنان غير مستقر. وشكر الزوجان القيّمين على هذه الخطوة التكريمية وأن هذه الخطوة ليست الوحيدة المهمة، بل إن المجمّع والمتعاونون معه لديهم أدوار كثيرة مهمة، بالجملة.

وعبّر الحاج عبدالله صفا وزوجته الحاجة أم كامل صفا عن راحتهم لوجودهم في كندا منذ العام 1999 وعدم ندمهم عن الهجرة على الرغم من أن الوضع في لبنان كان جيدًا في ذلك الوقت. وتحدثوا عن افتتاحهم "باتيسيري صفا"، وعن تمسّك أولادهم بالدين والإيمان. وشكرا الشيخ علي سبيتي والقيّمين على الحفل على هذه اللفتة الكريمة التي تحدث لأول مرة، وخصوصًا أن الجالية تكبر كثيرًا.

أول الأشياء في جاليتنا

في ختام الحفل، تم عرض شريط فيديو تحدّث فيه عن الإنجازات الأولى للجالية في مونتريال قائلًا إن جاليتنا ترجع بتاريخ وجودها في مونتريال لعشرات السنين، وتحديدًا الستينيات من القرن الماضي، ومن المعروف أن أول من وصل للمدينة من جاليتنا هو الحاج علي دبوق عام 1966 وهو اليوم يعيش مع عائلته في أوتاوا.

وجاء في سرد أوائل الأشياء التي تاسست في الجالية ما يلي:

"أول ملحمة حلال كانت للمرحوم الحاج حسين صبرا الذي افتتحها سنة 1982.. وأول مدرسة للغة العربية سنة 1983 بإدارة المرحوم جميل مصطفى والناظر محمد حمادة والدكتور حسين مرعي. وأول عالم دين وصل إلى مونتريال كان سماحة المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله سنة 1983. وأول شيخ مقيم في مونتريال الراحل الشيخ محسن سبيتي الذي وصل ممثلًا للمجلس الشيعي الأعلى سنة 1986، وأول من قرأ مجلس عزاء هو الشيخ حسن شحادة الذي جاء من ديتروت سنة 1980، وشارك في المجلس حوالي 450 شخصًا من كل المذاهب والطوائف. وأول مركز أنشئ للجالية كان المركز الإسلامي العربي سنة 1976، وكان المرحوم منيف الزين أول رئيس لهذا المركز. وأول كشاف تأسّس بالمدينة سنة 1990 كان كشافة ومرشدات المسلم. وأول مطعم هو مطعم الباشا الذي تأسّس سنة 1977 كمطعم عربي. وأول مؤسسة صناعية بالجالية كانت معمل تطريز تحت اسم Gentlemen Shirt عام 1968 لمحمد رضا أبو جعفر. كما أن أول مطعم كندي كان تحت اسم Tony de sud لصاحبه سعيد سبيتي حوالي العام 1980. وأول فرن لبناني كان فرن فرحات تأسّس سنة 1976 على يد السيد أمين فرحات "أبو نعيم". وأول فريق رياضي كان بإشراف السيدين محمد وعلي يحي سنة 1985. وأول من توفي بالجالية هو المرحوم محمد حويلة سنة 1974 ونُقل جثمانه إلى لبنان. وأول من دفن من الجالية في مونتريال كانت المرحومة الطفلة منى رضا وعمرها كان 7 سنين، وهي ابنة أبو علي رضا سنة 1985 ودفنت في مقبرة على شارع ديسورس والتي اشترى فيها الحاج أمين عاصي عددًا من المقابر لدفن المسلمين الموتى. وأول صحيفة تنشر مواضيعًا دينية متنوعة صدرت باسم "المنهل" وتأسّست سنة 1984، فيما تأسّست صحيفة صدى المشرق كصحيفة سياسية جاليوية سنة 1997. وأول احتفال لدعم المقاومة الإسلامية في لبنان سنة 1986. وأول مدرسة يومية عصرية كانت مدرسة ابن سينا التي أسسها سماحة الشيخ محمد نديم الطائي الذي أسس أيضًا أول مقبرة سنة 1993 في منطقة لافال تحت اسم مقبرة حمزة . وأقيم أول احتفال بذكرى ولادة الرسول سنة 1978 أقيم في جامعة مونتريال أقامه تجمع أبناء جاليتنا" .

وتمت الإشارة بالفيديو إلى أن "تكريم الجالية هو الأساس لما نحن عليه الآن، ومنه كانت انطلاقة الجالية التي تعتز بانتمائها لدينها ولا تنسى وطنها الأم وتحترم وطنها الثاني كندا، وتساهم بازدهاره وتطوره، وكل ما أوتيت من قوة، "لذلك منا كل التقدير للجيل المؤسّس ولكبارنا ولتاج رؤوسنا الحاضر منهم والغائب.. هذه هي بداية تواصل وردّ بعض الجميل للجيل المؤسّس على امل التعاون من أجل أن يكون لجاليتنا المكان الذي تستحقه وتطمح إليه". 

تكريم ناشطين من الكبار 

خلال الحفل قدم امام المجمع الاسلامي سماحة الشيخ علي السبيتي وسماحة الشيخ محمد نديم الطائي والى جانبهما رئيسة الهيئة الادارية في المجمع الاسلامي الحاجة دينا رمال صعب والحاج حسين زهري لوحات تقديرية للناشطين الكبار الذين كانت لهم بصمات في تاريخ تاسيس الجالية وهم :

-         السيد أمين فرحات

-         الحاج حسين السارجي ( ابو علي ) وزوجته الحاجة نورما جبران السارجي

-         الحاج ابراهيم مصطفى وزوجته الحاجة منيفة الاخرس مصطفى

-         الحاج الدكتور حسين مرعي

-         الحاجة ام هادي السبيتي حرم المرحوم سماحة الشيخ محسن السبيتي

-         الحاج رائف رضا وزوجته الحاجة سناء رضا

-         الحاج بهيج سلامة  

 

توزيع زيت الزيتون هدية رمزية للحاضرين

في ختام الحفل تم توزيع هدية رمزية لكل عائلة حضرت حفل التكريم وهي عبارة عن قنينة زيت الزيتون البكر، الذي احضر من الجنوب اللبناني .

هي حكايات تبقى في قلوبنا، نحن الذين نقرأها وندرك قيمتها ومعنى اختيار وطن بديل من أجل حياة أفضل فيما يبقى الوطن الأم حاضرًا في القلب وفي النفس. هي خطوة تكريمية رائعة جعلتنا نتعرّف عن كثب على تلك التجارب التأسيسية لوطننا هنا التي جعلت الجيل الجديد يشعر بالانتماء، وهي حكايات تبقى مثل تمرينات لنا على الإحساس بالاغتراب الحقيقي الذي عانوه، اغتراب يقوده الدوران الأزلي حول الوطن الذي نغادره ولا يغادرنا.

 

 

 

الكلمات الدالة

معرض الصور