Sadaonline

ما مشكلة الولايات المتحدة مع المراحيض؟

كيف لإمبراطورية بلغت ذروة القوة التقنية، فشطرت الذرة وغزت الفضاء وبنت حاملات طائرات بحجم مدن عائمة، أن تقف عاجزة أمام الوظيفة البيولوجية الأكثر إلحاحاً

د. علي ضاهر

في عالمٍ مزدحمٍ بالأزمات المصيرية، من تغيّر المناخ وصراع الذكاء الاصطناعي إلى قرع طبول الحروب، تبدو بعض الدول مشغولة بتفاصيل مجهرية لا تستحق الذكر للوهلة الأولى. لكن، وكما يقال دائماً: الشيطان يكمن في التفاصيل!
لنأخذ الولايات المتحدة الأمريكية ومشاكلها مع "بيوت الخلاء"، أو بصيغة أبسط: المراحيض. قد يبدو الموضوع تافهًا، أو أقرب إلى نكتةٍ ثقيلة، لكنه في الواقع ميزان دقيق او مؤشر يكشف ما تعجز عنه الأقمار الصناعية وتقارير البنتاغون؛ إذ انه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لنظامٍ يتقن أعقد لغات الكون، أن يتعثّر عند أبسط حاجات الجسد البشري؟ وكيف لإمبراطورية بلغت ذروة القوة التقنية، فشطرت الذرة وغزت الفضاء وبنت حاملات طائرات بحجم مدن عائمة، أن تقف عاجزة أمام الوظيفة البيولوجية الأكثر إلحاحاً: التخلص من فضلاته دون فضائح تقنية؟
بدأت القصة من قلب البحر، حيث يفترض أن التكنولوجيا الأمريكية تعمل بدقة جراحية. ففوق متن حاملة الطائرات "يو إس إس جورج بوش"، تعطل أكثر من 400 مرحاض دفعة واحدة، ليجد آلاف البحارة أنفسهم في عرض المحيط يستخدمون أوعية بلاستيكية في مشهد لا يليق بجيش نووي. ولم يتوقف الأمر هنا، إذ يبدو أن مراحيض "يو إس إس جيرالد فورد"، أغلى حاملة طائرات في التاريخ، حرنت هي الأخرى، فأصابها "الحسد" من شقيقتها، فتعطلت، ليكتشف المهندسون أن أنابيب الصرف الصحي في "الفورد" تنسدّ وكأنها شرايين رجل يقتات على الوجبات السريعة. فجاء الحل: عبارة عن "غسيل حمضي" بتكلفة تقارب 400 ألف دولار للمرة الواحدة. أية عبقرية هندسية هذه التي تجعل مرحاضاً عنيداً يحتاج ميزانية دولة نامية ليعود للعمل؟ إنها لحظة فارقة حين تنزع الحضارة بزّتها العسكرية المتطورة وتضطر "للقرفصاء" فوق كيس بلاستيكي؛ وكأن تلك المراحيض أبت إلا أن تفضح حقيقة أن أعتى القوى تُدار أحياناً بعقلية "مقاول فاسد" لا يهتم بديمومة التفاصيل بقدر اهتمامه بتضخيم الفواتير.
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، انتقلت العدوى من البحر إلى الفضاء. ففي مهمة "أرتيميس"، وجد رواد الفضاء أنفسهم أمام مرحاض فضائي قرر الإضراب عن العمل؛ تعطلت مروحة الشفط، وتجمدت الصمامات، فانتشرت الروائح والضجيج داخل كبسولة ضيقة تدور حول الأرض. "ناسا" التي تحسب مسارات الكواكب بالمليمتر، أخفقت في ضبط مسار السوائل في المواسير، مما أجبر الرواد على العودة لاستخدام الأكياس، وكأنهم في رحلة تخييم بدائية لا في مهمة كلفّت المليارات. 
هذه الأعطال المتكررة في أكثر المنصات تطورًا وكلفةً في العالم تدفعنا إلى أسئلة أشد إزعاجًا من مجرد مشاكل مراحيض تتمرّد على العمل. هل نحن أمام مصادفات تقنية عابرة، أم أمام خلل بنيوي يضرب جذور النظام الأمريكي نفسه؟ وهل تحوّلت هذه "المراحيض" إلى ثغرة تفضح فسادًا مستترًا ومستشريًا في منظومة تُقدَّم للعالم بوصفها الأقوى والأقدر في التاريخ؟ أم أننا أمام نموذجٍ بارعٍ في بناء "أعظم" الآلات لخدمة الهيمنة، لكنه يغرق عند أول اختبار يتعلق بأبسط حاجات البشر؟ وكيف لإمبراطورية تدّعي حكم العالم بخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تعجز عن تدبير ممر آمن لفضلات جندي أو رائد فضاء؟ ربما لأن هذا النظام صُمّم للسيطرة لا للخدمة، وللتوسع لا للاستقرار، وكأن احتياجات الإنسان البسيطة قررت الانتقام من غطرسة آلةٍ نسيت أن البشر، مهما ارتقوا، تظلّ تحكمهم قوانين الطبيعة لا ميزانيات البنتاغون.
في النهاية، لا تسقط الإمبراطوريات دائمًا بالحروب أو الأزمات الاقتصادية أو الثورات. أحيانًا، يكفي أنبوبٌ واحد لا يعمل كما يجب. أنبوبٌ صغير، عنيد، يرفض التعاون، ويصرّ على تذكير الجميع بأن السيطرة الدائمة مجرد وهم. وربما سيكتب التاريخ يومًا ما ما لم يكن في الحسبان: امتلكوا القوة والعلم والتكنولوجيا، لكنهم في اللحظة الحاسمة خسروا المعركة في المكان الذي لم يلتفتوا إليه أصلًا. خسروا أمام أبسط تفاصيل الحياة، خسروا امام طبيعة البشر! إذ تبيّن أن المرحاض كان أذكى من الجميع، فتكفّل بفضح علل نظامهم المختبئة خلف اللمعان والضجيج.