وليم خربوطلي*
في السياسة، قد يغفر الناخبون لحكوماتهم أخطاءها، ويتسامحون مع إخفاقاتها، بل وقد يمنحونها فرصة ثانية رغم تراجع أدائها. لكن ثمة خطاً أحمر يصعب على السياسي تجاوزه دون أن يدفع ثمناً باهظاً: أن يفقد المواطن ثقته بصدقية ما يقوله المسؤولون المنتخبون.
فالمواطن قد يتقبل قراراً سياسياً خاطئاً، وقد يتفهم فشل مشروع حكومي، لكنه يجد صعوبة أكبر في تقبل شعوره بأن الحقيقة لم تُكشف له كاملة، أو بأن المعلومات قُدمت إليه وفق حسابات سياسية وانتخابية.
هذه القاعدة ليست جديدة في الحياة السياسية الكيبيكية. فقد شهدنا أحد أبرز تجلياتها خلال الانتخابات البلدية في مونتريال عام 2017، عندما خسر رئيس البلدية آنذاك، دوني كودير، منصبه أمام فاليري بلانت، في انتخابات طغت على أيامها الأخيرة قضية سباقات السيارات الكهربائية «فورمولا إي»، وما رافقها من تساؤلات حول الشفافية وحجب المعلومات عن المواطنين.
واليوم، بعد تسع سنوات، تعيد الهزيمة التاريخية التي مُني بها حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك (CAQ)، بقيادة كريستين فريشيت، طرح سؤال مشابه: هل خسر الحزب الانتخابات بسبب حصيلته الحكومية وحدها، أم أن طريقة تعاطيه مع قضية التدخل الأميركي المحتمل في الانتخابات ساهمت في تحويل تراجع شعبيته إلى انهيار انتخابي شامل؟
برأيي، لم تكن قضية التدخل الأميركي السبب الوحيد في سقوط الحزب، لكنها ربما ساهمت في القضاء على ما تبقى له من رصيد الثقة لدى الناخبين.
من المرتبة الثانية إلى الخروج من البرلمان
عندما بدأت الحملة الانتخابية، لم يكن وضع حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك مثالياً، ولكنه لم يكن ميؤوساً منه أيضاً.
فبعد ثماني سنوات في السلطة، ورغم الإرث السياسي الثقيل الذي تركته حكومة فرانسوا لوغو، استطاعت كريستين فريشيت أن تعيد بعض الزخم إلى الحزب، حتى إن استطلاعات للرأي وضعته في المرتبة الثانية، فيما أظهر استطلاع آخر تقدمه على منافسيه في إحدى مراحل الحملة.
ففي نهاية أغسطس، منح استطلاع لمؤسسة ليجيه الحزب نسبة تأييد بلغت 24%، مقابل 29% للحزب الكيبيكي. وفي بداية سبتمبر، كانت النسبة لا تزال عند 23%.
لكن هذا الزخم لم يستمر طويلاً.
فبحسب استطلاعات المؤسسة نفسها، تراجع التأييد إلى 21% في منتصف سبتمبر، ثم إلى 20% في استطلاع انتهى في الحادي والعشرين من الشهر، قبل أن ينخفض إلى 16% في أواخر سبتمبر، ويصل إلى 14% مطلع أكتوبر.
أما نتيجة انتخابات الخامس من أكتوبر 2026، فكانت أكثر قسوة: نحو 13.3% من الأصوات، دون الفوز بأي مقعد في الجمعية الوطنية، بعدما كان الحزب قد حصل على نحو 41% من الأصوات في انتخابات 2022.
إنه انهيار لا يمكن تفسيره بمجرد تبدل المزاج الانتخابي خلال بضعة أسابيع.
صحيح أن الحزب كان يعاني أصلاً من تراكمات سياسية وإدارية، أبرزها فضيحة النظام المعلوماتي لمؤسسة التأمين على السيارات في كيبيك (SAAQclic)، ومشروع نورثفولت، والجدل المتكرر حول مشروع الرابط الثالث بين كيبيك وليفي، فضلاً عن تراجع الثقة بإدارة المال العام.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: لماذا تسارع انخفاض التأييد خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة، بعدما كان الحزب لا يزال يحتفظ بقاعدة انتخابية معتبرة؟
وهل من الممكن أن تكون قضية التدخل الأميركي قد ساهمت في انتقال الناخبين من مرحلة عدم الرضا عن أداء الحكومة إلى مرحلة التشكيك بصدقيتها؟
قضية التدخل الأميركي: من حماية الديمقراطية إلى أزمة الشفافية
في الخامس والعشرين من سبتمبر، كشفت تقارير صحفية عن معلومات تتعلق بمقترحات أميركية للتأثير في المشهد السياسي الكيبيكي، من بينها وثائق صادرة عن مجموعة التفكير الأميركية (Defense Analyses and Research Corporation)، التي طرحت فكرة تقديم دعم سري للحزب الكيبيكي بهدف إضعاف الحكومة الكندية.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين أساسيين: وجود وثائق أميركية تقترح التدخل في الحياة السياسية الكندية، وبين إثبات وجود تنسيق فعلي بين قيادة الحزب الكيبيكي والإدارة الأميركية.
فالأمر الثاني لم تثبته المعلومات المنشورة، ولا يجوز اعتبار مجرد طرح فكرة التدخل دليلاً على تنفيذها.
لكن المسألة التي تستحق الاهتمام في سياق تحليل تراجع شعبية حزب CAQ ليست صحة الاتهامات الموجهة إلى الحزب الكيبيكي فحسب، بل طريقة تعامل الحزب الحاكم مع المعلومات المتوافرة.
فقد تبين لاحقاً أن أعضاء في فريق فريشيت تواصلوا مع صحفيين بشأن الوثائق المذكورة منذ الثاني عشر من سبتمبر، أي قبل أسبوع من التاريخ الذي قالت فيه رئيسة الحكومة إنها أُبلغت فيه شخصياً بالأمر.
كما أفادت التقارير بأن الحزب لم يبلغ أجهزة الاستخبارات الكندية بالمسألة إلا في الثالث والعشرين من سبتمبر.
وعندما انكشفت هذه التفاصيل، أعلنت فريشيت أنها لم تكن على علم بتحركات فريقها، وأنها ستعمل على كشف حقيقة ما جرى.
وهنا انتقل الجدل السياسي من احتمال وجود تدخل أميركي إلى مسألة أخرى ربما كانت أكثر إضراراً بصورة الحزب الحاكم: هل كانت المعلومات تُدار وفق مقتضيات حماية العملية الديمقراطية، أم وفق حسابات الحملة الانتخابية؟
فإن كانت رئيسة الحكومة تعلم، فلماذا لم تبادر إلى معالجة المسألة وإبلاغ المعنيين بها؟ وإن كانت لا تعلم فعلاً، فلماذا كان بعض أعضاء فريقها يتواصلون مع الصحفيين في موضوع بهذه الخطورة قبل إبلاغها؟
لا يعني طرح هذه الأسئلة الجزم بأنها تعمدت الكذب أو إخفاء المعلومات. ولكن في السياسة، لا يتوقف الضرر عند إثبات الكذب، بل قد يبدأ عندما تظهر فجوة بين التصريحات الرسمية والوقائع التي تُكشف لاحقاً.
وهذا تحديداً ما يجعل المسألة قضية ثقة قبل أن تكون مجرد سجال انتخابي.
اللقاء الأميركي الذي لم يحصل: روايتان متناقضتان
ولم تتوقف قضية الاتصالات الأميركية عند حدود الوثائق المتعلقة بمحاولات التدخل المحتمل.
ففي الثالث من أكتوبر 2026، أي قبل يومين من الانتخابات، نشرت صحيفة The Montreal Gazette تقريراً نقلت فيه عن السفارة الأميركية في أوتاوا أن الحزب الكيبيكي كان قد طلب لقاءً مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية، وأن اجتماعاً كان مرتقباً في واشنطن مطلع مارس، قبل أن يُلغى على خلفية التطورات العسكرية المرتبطة بالحرب مع إيران.
لكن بول سان بيار بلاموندون نفى بصورة قاطعة أن يكون حزبه قد سعى إلى تحديد موعد مع الإدارة الأميركية، مع إقراره بأنه كان يخطط لزيارة الولايات المتحدة وأن فريقه أبلغ القنصلية الأميركية بهذه النية.
واعتبر بلاموندون أن ما نُشر يشكل محاولة سياسية لربطه بإدارة دونالد ترامب، مؤكداً أنه لم تحصل لقاءات أو مباحثات رسمية بهذا الخصوص.
غير أن القضية أخذت بعداً إضافياً عندما كشفت الصحيفة عن رسالة نصية مؤرخة في الثالث من مارس، أرسلها القنصل الأميركي آنذاك، روبرت ساندرز، إلى مسؤول في كيبيك، يؤكد فيها أن بلاموندون لم يسافر إلى واشنطن في ذلك الأسبوع، وأن موعد إعادة الزيارة لم يكن معروفاً.
واعتبرت الصحيفة أن هذه المراسلة تعزز روايتها بشأن الاجتماع الذي كان مرتقباً وأُلغي لاحقاً.
لكن الرسالة لا تحسم وحدها الخلاف حول ما إذا كان الحزب الكيبيكي قد طلب فعلاً اجتماعاً رسمياً مع وزارة الخارجية الأميركية، أم اكتفى بإبلاغ القنصلية برغبته في تنظيم زيارة. كما أن وزارة الخارجية الأميركية امتنعت عن تأكيد طلب الاجتماع عندما استفسرت منها وكالة الصحافة الكندية.
وهنا تبرز مسألة جوهرية: ليس كل اتصال بين حزب سياسي ومسؤولين دبلوماسيين أجانب تدخلاً سياسياً، ولا يشكل التخطيط للقاء دبلوماسي، بحد ذاته، دليلاً على التنسيق مع حكومة أجنبية للتأثير في الانتخابات.
لكن تضارب الروايات يثير تساؤلات مشروعة، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها العلاقات الكندية الأميركية، والتصريحات والمواقف التي صدرت عن إدارة ترامب تجاه كندا وسيادتها.
فإذا كانت السفارة الأميركية تؤكد وجود مساعٍ لعقد لقاء رسمي، فيما ينفي الحزب الكيبيكي ذلك، فمن حق المواطنين معرفة حقيقة ما جرى.
وهنا تصبح الشفافية مسؤولية مشتركة لا تقتصر على الحزب الحاكم، بل تشمل أيضاً أحزاب المعارضة، ولا سيما الحزب الذي يستعد لتولي السلطة.
لكن وجود هذه التساؤلات بشأن الحزب الكيبيكي لا يعفي حكومة فريشيت من مسؤوليتها عن توضيح كيفية تعاملها مع المعلومات المتعلقة بالتدخل الأجنبي المحتمل.
فالشفافية لا تتجزأ، وصدقية السياسي لا تُقاس بقدرته على مساءلة خصومه فحسب، بل أيضاً باستعداده للإجابة عن الأسئلة المحرجة التي تُوجَّه إليه.
عندما يتكرر درس دوني كودير
لفهم الأثر السياسي المحتمل لهذه القضية، من المفيد العودة إلى انتخابات مونتريال البلدية عام 2017.
يومها، كان دوني كودير يسعى إلى تجديد ولايته رئيساً للبلدية، بعدما ارتبط اسمه بمشاريع كبرى، من بينها استضافة سباقات السيارات الكهربائية «فورمولا إي».
لكن المشروع تحوّل إلى مصدر جدل سياسي وإعلامي بعدما طُرحت أسئلة حول كلفته الحقيقية، وعدد التذاكر المباعة، وحجم التذاكر المجانية، ومدى الشفافية في إدارة الأموال العامة.
وخلال الحملة الانتخابية، امتنع كودير مراراً عن تقديم الأرقام المطلوبة، مبرراً ذلك بانتظار صدور البيانات المالية للجهة المنظمة.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبين أن عدداً كبيراً من التذاكر وُزّع مجاناً، وأن الأرقام التي كانت تُقدم للجمهور لا تتيح التمييز بوضوح بين التذاكر التي اشتراها المواطنون وتلك التي وُزعت على الشركاء والرعاة.
وفي الثاني من نوفمبر 2017، أي قبل ثلاثة أيام من الاقتراع، أقرّ كودير بأن التأخر في الإفصاح عن أرقام التذاكر كان خطأ يتحمل مسؤوليته.
وبعد أيام، خسر الانتخابات أمام فاليري بلانت.
ولم تنتهِ القضية عند هذا الحد، إذ كشفت تقارير صحفية لاحقة أن قرار عدم نشر بعض المعلومات المتعلقة بالتذاكر اتُّخذ بموافقة مكتب رئيس البلدية، رغم أن كودير كان قد أحال الصحفيين مراراً إلى الجهة المنظمة.
هل يمكن القول إن قضية الفورمولا إي وحدها أسقطت كودير؟ بالطبع لا.
فقد كانت هناك عوامل أخرى، من بينها تراجع الرضا عن الإدارة القائمة، وتصاعد شعبية منافسته، والرغبة في تغيير النهج البلدي.
لكن القضية ساهمت في وضع مسألة الشفافية والمصداقية في قلب النقاش الانتخابي.
وهنا تكمن أوجه الشبه مع ما جرى لحزب CAQ.
ففي الحالتين، لم تكن المشكلة السياسية مقتصرة على القضية الأصلية، بل امتدت إلى طريقة التواصل مع المواطنين، وتوقيت كشف المعلومات، ومدى انسجام التصريحات الرسمية مع الوقائع التي ظهرت لاحقاً.
والفارق بين الحالتين أن قضية كودير تعلقت بإدارة مشروع بلدي وتمويله، فيما مست قضية فريشيت احتمال تدخل أجنبي في العملية الديمقراطية، وهو موضوع يتجاوز بطبيعته المنافسة الحزبية العادية.
ولعل القاسم المشترك بين التجربتين هو أن القضية التي كان يمكن أن تبقى محصورة في نقاش إداري أو سياسي تحولت إلى اختبار لصدقية القيادة نفسها.
أزمة الثقة لا تبدأ بالفضيحة الأخيرة
ثمة خطأ تحليلي يجب تجنبه، وهو الاعتقاد بأن الناخب يغيّر موقفه السياسي دائماً نتيجة حادثة واحدة.
فالواقع أن الثقة السياسية تتراكم وتتآكل عبر الزمن.
قد يتسامح المواطن مع أول خطأ، ثم يجد مبرراً للثاني، ويمنح الحكومة فرصة لتصحيح الثالث. لكن عندما تتكرر الإخفاقات، تتغير طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة.
في البداية، يسأل الناخب: هل أحسنت الحكومة اتخاذ القرار؟
ثم يصبح السؤال: هل تستطيع هذه الحكومة إدارة شؤون الدولة بكفاءة؟
أما عندما تبلغ أزمة الثقة مرحلة متقدمة، فيتحول السؤال إلى ما هو أخطر: هل يمكنني تصديق ما تقوله هذه الحكومة؟
وهذا، برأيي، هو المفتاح لفهم جزء مهم من الانهيار الانتخابي لحزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك.
لقد بدأت شعبية الحزب بالتراجع قبل ظهور قضية التدخل الأميركي، وبالتالي لا يمكن تحميل هذه القضية وحدها مسؤولية الهزيمة.
لكن توقيتها، والتناقضات التي أحاطت بطريقة إدارتها، ربما أعطيا الناخبين المترددين سبباً إضافياً للتخلي عن الحزب، لا سيما أولئك الذين كانوا لا يزالون يأملون بأن تشكل كريستين فريشيت قطيعة مع أسلوب الحكم الذي ارتبط بسنوات فرانسوا لوغو الأخيرة.
ولعل المفارقة تكمن في أن قضية كان يُفترض أن تسلط الضوء على المخاطر المحيطة بالحزب الكيبيكي انتهت إلى إثارة تساؤلات بشأن طريقة عمل الفريق الحاكم نفسه.
ومع ذلك، فإن التزامن بين القضية والانخفاض في استطلاعات الرأي لا يكفي لإثبات علاقة سببية مباشرة. فإثبات ذلك يتطلب دراسات انتخابية تفصيلية حول دوافع الناخبين الذين غيّروا مواقفهم في الأيام الأخيرة.
لكن غياب الدليل القاطع على العلاقة السببية لا يلغي مشروعية طرح الفرضية وتحليلها في ضوء التسلسل الزمني للأحداث.
هل أصبحت إدارة الحقيقة أكثر أهمية من الحقيقة نفسها؟
تطرح هذه التجربة إشكالية تتجاوز انتخابات كيبيك، وتتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمواطن في الديمقراطيات الحديثة.
ففي عصر التواصل الفوري ووسائل الإعلام الرقمية، لم يعد السياسي قادراً على التحكم بالمعلومات كما كان يفعل قبل عقود.
وقد يؤدي تأخر الإفصاح عن معلومة إلى منحها أهمية سياسية أكبر بكثير من مضمونها الأصلي.
والأسوأ أن محاولة إدارة توقيت الكشف عن المعلومات قد تدفع الرأي العام إلى التساؤل عما إذا كانت هناك حقائق أخرى لم تُكشف بعد.
وهنا يبرز الفرق بين إدارة الأزمة وإدارة الانطباع عن الأزمة.
فالأولى تستوجب البحث عن الحقيقة، وإطلاع المؤسسات المختصة عليها، ثم تقديم المعلومات الضرورية للمواطنين بوضوح ومسؤولية.
أما الثانية، فقد تضع الاعتبارات الانتخابية والإعلامية في مقدمة الأولويات، بما يجعل التصريحات الرسمية عرضة للتشكيك عند ظهور معلومات جديدة.
ولا يعني ذلك أن كل تأخير في الإعلان عن معلومة يشكل إخفاءً متعمداً، أو أن كل تناقض في التصريحات يثبت الكذب.
بل يعني أن المسؤول السياسي يتحمل، بحكم موقعه، مسؤولية الحفاظ على اتساق خطابه ووضوحه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسائل تمس الأمن القومي ونزاهة الانتخابات.
ومن هذا المنطلق، فإن التساؤلات التي طُرحت حول اتصالات الحزب الكيبيكي بالجهات الأميركية لا تقل مشروعية عن التساؤلات التي طُرحت حول طريقة إدارة حكومة فريشيت للمعلومات المتعلقة بالتدخل الأجنبي.
فلا يمكن الدفاع عن حق المواطنين في معرفة الحقيقة عندما يتعلق الأمر بالخصم السياسي، ثم تجاهل هذا الحق عندما تصبح الأسئلة محرجة للحزب الذي نؤيده.
الدرس الديمقراطي: الثقة لا تُفرض، بل تُكتسب
قد يعتقد بعض السياسيين أن النجاح في إدارة السلطة يتطلب التحكم بتوقيت نشر المعلومات، وتوجيه النقاش العام، واختيار اللحظة المناسبة لكشف الوقائع.
لكن الديمقراطية لا تقوم فقط على حق السياسي في الدفاع عن مواقفه، بل تقوم أيضاً على حق المواطن في الحصول على المعلومات التي تتيح له الحكم على أداء من يمارسون السلطة باسمه.
وعندما يتعلق الأمر باحتمال تدخل أجنبي في الانتخابات، فإن واجب حماية المؤسسات الديمقراطية ينبغي أن يتقدم على المصالح الانتخابية لأي حزب.
وهنا تظهر أهمية المقارنة بين تجربتي دوني كودير وكريستين فريشيت.
ففي الحالتين، يمكن قراءة الجدل من زاوية أوسع من موضوعه المباشر: هل أصبح أسلوب إدارة المعلومة جزءاً من المشكلة السياسية نفسها؟
إن الناخب قد يغفر الخطأ الإداري، وقد يتفهم القرار السياسي غير الموفق، وقد يقبل حتى بتراجع الحكومة عن بعض وعودها عندما تفرض الظروف ذلك.
لكنه يصبح أكثر تشدداً عندما يشعر بأن المعلومات التي يحتاج إليها لتكوين رأيه لا تصل إليه بالوضوح والسرعة المطلوبين.
ولهذا، لا أعتقد أن السؤال الحقيقي الذي تطرحه انتخابات كيبيك لعام 2026 هو فقط لماذا خسر حزب CAQ السلطة، بل كيف وصل حزب حاز ثقة أكثر من 40% من الناخبين قبل أربع سنوات إلى مرحلة لم يعد قادراً فيها على الاحتفاظ بمقعد واحد في البرلمان.
ربما نجد جزءاً من الجواب في حصيلته الحكومية، وجزءاً آخر في صعود منافسيه، وجزءاً ثالثاً في إرهاق الناخبين بعد ثماني سنوات من الحكم.
لكنني أرى أن فرضية تآكل الثقة، وما قد تكون قضية التدخل الأميركي قد أضافته إليها في الأيام الأخيرة، تستحق مكاناً أساسياً في تفسير هذه النتيجة.
وليس الهدف من هذا التحليل تبرئة الحزب الكيبيكي أو إدانة حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك، بل التأكيد على أن معيار الشفافية يجب أن يكون واحداً للجميع، سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة.
فالسلطة لا تسقط دائماً يوم يرتكب الحاكم خطأه الأكبر، بل قد تسقط يوم يفقد المواطن استعداده لتصديق التفسير الذي يقدمه الحاكم لذلك الخطأ.
وهذا هو الدرس الذي يمكن استخلاصه من تجربة دوني كودير عام 2017، والذي قد يساعدنا على فهم ما حدث لكريستين فريشيت وحزبها عام 2026.
أما الدرس الأهم، فهو أن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى سياسيين يقولون الحقيقة، بل إلى مؤسسات وثقافة سياسية تجعل إخفاءها أصعب، ومساءلة المسؤولين عنها أمراً طبيعياً، مهما كانت انتماءاتهم الحزبية.
فالحكومات تُنتخب بالأصوات، لكنها لا تستطيع أن تحكم طويلاً دون ثقة.
*محام، وسيط ومحكم
54 مشاهدة
13 أكتوبر, 2026
25 مشاهدة
13 أكتوبر, 2026
207 مشاهدة
13 أكتوبر, 2026