د. علي ضاهر
كانت جدتي تردد على مسامعي بيت شعر، قد يكون مكسورا من الناحية العروضية، لكنه كان صحيحا في وصف أحوال الناس. كان البيت، حسب نسخة جدتي، يقول: "يمشي الفقير وكل شيء ضدَه، حتى الكلاب إذا رأته تنبح". هي لم تكن تعرف ناظم البيت، ولا تهتم بمعرفة اسمه أصلا، ولا إن كان موزونا على البحر الكامل أو الناقص أو حتى على بحر الفقراء! كانت ترى أن الأبيات الجميلة تُقاس بصدقها. وأن بعض الشعراء يكتبون دواوين فلا يبقى منها شيء، فيما ينجو بيت واحد لأنه يصف الناس كما هم، لا كما يحبون أن يظهروا. كما وكانت تعرف، بحكم التجربة، أن الفقر ليس نقصا في الأخلاق ولا في السلوك، وأن الناس قد يغفرون للغني أخطاءه، لكنهم لا يغفرون للفقير حتى صوابه.
كبرت، وبحثت عن البيت، فاكتشفت أن نصه أطول مما كانت تحفظه جدتي. واكتشفت أيضًا أنها، بطريقتها الفطرية، كانت أبرع من كثير من النقاد، إذ اختصرت قصيدة كاملة في بيت واحد. الأبيات المتداولة في صيغتها الأصلية، فتقول:
يَمْشي الفقيرُ وكلُّ شيءٍ ضِدَّهُ
والنَّاسُ تُغلقُ دونَهُ أَبوابها
وتراهُ مَمقوتًا وليسَ بمذنبٍ
ويرَى العَداوةَ لا يرَى أَسْبابَها
حتى الكِلابُ إِذا رأَتْهُ مُقْبِلًا
نَبَحَتْ عليْهِ وكشَّرتْ أَنيابَها
لا يحتاج المرء إلى عناء ليتأكد من صدق هذه الأبيات. ففي هذا العالم العجيب، لا يُسأل الغني كيف جمع ثروته، ولا لماذا أخطأ، ولا كيف نجا من أخطائه. يكفي أن يدخل مجلسا حتى تتحول آراؤه إلى حكمة، ونكاته إلى فكر، وصمته إلى فلسفة. أما الفقير، فإن قال الحقيقة، طُلب منه الدليل. وإن جاء بالدليل، طُلب منه شاهد، وإن أثبت صحة كلامه، اعتُبرت لهجته غير مناسبة! فالثروة ليست مالا فحسب، إنها شهادة حسن سلوك تُمنح تلقائيا. أما الفقر، فهو تهمة دائمة لا تحتاج إلى إثبات!
تذكرت جدتي وانا أراقب مواقف بعض الساسة مما يجري في الشرق الأوسط. فلاحظت حماسة غريبة تستيقظ فور اقتراب الخطر من دولة غنية، بينما تُصاب بالنعاس عندما يتعلق الأمر بدولة فقيرة. حين يُخدش جدار منشأة نفطية في بلد غني، تُستنفر الدبلوماسية الدولية، وتُسحب بيانات الاستنكار من ثلاجات التواطؤ ليضج العالم بنداءات الغضب. أما حين تُمحى قرى بأكملها وتتطاير أجساد الأطفال في بلد فقير، يبتلع العالم لسانه، فإن تكلم، تنهمر الدعوات الباردة إلى ضبط النفس والتروي!
ولنا في المواقف الأخيرة المتعلقة بالحرب على اليمن خير مثال. فهناك، دماء البشر تُصنف وفق القيمة السوقية لغنى البلد، والألم يخضع لمؤشرات بورصة المصالح: يرتفع سعره عندما يصيب بلدا غنيا، وينهار عندما يحل ببلد فقير. إذ فجأة، تشتعل مشاعر تضامن المرتزقة، وتُشحذ عبارات الشبيحة المستنكرة، وتصدر البيانات المدينة من قبل المستفيدين عندما تتعرض السعودية لضرر ولو كان بسيطاً، بينما قلة تسأل، والأغلبية لا ترى تعرض اليمن لأقسى الضربات. أما المشهد الأكثر إثارة للسخرية فيتمثل في ماراثون التضامن. فسلطات دول بالكاد تجد وقتا لتضميد جراحها، سارعت إلى إعلان الوقوف إلى جانب الأغنياء. مشهد يشبه غريقا يتشبث بخشبة مكسورة، لكنه يصر على الاطمئنان إلى أن مياه البحر لم تزعج مالك اليخت الراسي بعيداً. في هذا السياق، جاءت مواقف سلطات لبنان وبعض نخبه مليئة بالتزلف، فحماستها عند الحديث عن استهداف السعودية لم نرَ نقطة منها عندما يتعلق الأمر بما يتعرض له جنوب لبنان. وأما المشهد الأكثر غرابة فجاء من سلطات سوريا، التي تتعرض للإهانة والاعتداءات اليومية، والتي سارعت، هي الأخرى، إلى إعلان التضامن والاستعداد للمساعدة. لا اعتراض على التضامن في ذاته. التضامن لو كان مبدأ ثابتا لكان موضع ترحيب واحترام. لكن حين يصبح انتقائيا و"مسح جوخ"، يفقد معناه الأخلاقي ويتحول إلى نفاق واسترزاق سياسي.
جدتي لم تعرف اسم الشاعر، لكنها كانت تعرف أن الأبيات ليست مجرد شعر، بل وصف دقيق لعلاقات الدول والبشر بعضهم ببعض. فدول العالم، إذا رأت فقيرا مقبلا، نبحت عليه، وإذا رأت غنيا مارا، مالت إليه وحرّكت أذناب مجاملاتها السياسية. في القصيدة، كانت الكلاب تنبح في وجه الفقير، ثم تحرك أذنابها للغني. أما في السياسة الحديثة، فقد تطور المشهد: صار النباح بيانا أو تصريحا رسميا، وارتدت الأذناب ربطات العنق، وأتقنت الحديث بلغة الدبلوماسية! ولعلّ جدتي، لو عاشت لترى هذا المشهد، لما احتاجت إلى قراءة الصحف أو متابعة نشرات الأخبار. كانت ستكتفي ببيتها الشعري، ثم تهز رأسها وتقول لي: لم تتغيّر الكلاب يا ابني. كل ما في الأمر أنها تعلمت البروتوكول!
كانت جدتي تردد على مسامعي بيت شعر، قد يكون مكسورا من الناحية العروضية، لكنه كان صحيحا في وصف أحوال الناس. كان البيت، حسب نسخة جدتي، يقول: "يمشي الفقير وكل شيء ضدَه، حتى الكلاب إذا رأته تنبح". هي لم تكن تعرف ناظم البيت، ولا تهتم بمعرفة اسمه أصلا، ولا إن كان موزونا على البحر الكامل أو الناقص أو حتى على بحر الفقراء! كانت ترى أن الأبيات الجميلة تُقاس بصدقها. وأن بعض الشعراء يكتبون دواوين فلا يبقى منها شيء، فيما ينجو بيت واحد لأنه يصف الناس كما هم، لا كما يحبون أن يظهروا. كما وكانت تعرف، بحكم التجربة، أن الفقر ليس نقصا في الأخلاق ولا في السلوك، وأن الناس قد يغفرون للغني أخطاءه، لكنهم لا يغفرون للفقير حتى صوابه.
كبرت، وبحثت عن البيت، فاكتشفت أن نصه أطول مما كانت تحفظه جدتي. واكتشفت أيضًا أنها، بطريقتها الفطرية، كانت أبرع من كثير من النقاد، إذ اختصرت قصيدة كاملة في بيت واحد. الأبيات المتداولة في صيغتها الأصلية، فتقول:
يَمْشي الفقيرُ وكلُّ شيءٍ ضِدَّهُ
والنَّاسُ تُغلقُ دونَهُ أَبوابها
وتراهُ مَمقوتًا وليسَ بمذنبٍ
ويرَى العَداوةَ لا يرَى أَسْبابَها
حتى الكِلابُ إِذا رأَتْهُ مُقْبِلًا
نَبَحَتْ عليْهِ وكشَّرتْ أَنيابَها
لا يحتاج المرء إلى عناء ليتأكد من صدق هذه الأبيات. ففي هذا العالم العجيب، لا يُسأل الغني كيف جمع ثروته، ولا لماذا أخطأ، ولا كيف نجا من أخطائه. يكفي أن يدخل مجلسا حتى تتحول آراؤه إلى حكمة، ونكاته إلى فكر، وصمته إلى فلسفة. أما الفقير، فإن قال الحقيقة، طُلب منه الدليل. وإن جاء بالدليل، طُلب منه شاهد، وإن أثبت صحة كلامه، اعتُبرت لهجته غير مناسبة! فالثروة ليست مالا فحسب، إنها شهادة حسن سلوك تُمنح تلقائيا. أما الفقر، فهو تهمة دائمة لا تحتاج إلى إثبات!
تذكرت جدتي وانا أراقب مواقف بعض الساسة مما يجري في الشرق الأوسط. فلاحظت حماسة غريبة تستيقظ فور اقتراب الخطر من دولة غنية، بينما تُصاب بالنعاس عندما يتعلق الأمر بدولة فقيرة. حين يُخدش جدار منشأة نفطية في بلد غني، تُستنفر الدبلوماسية الدولية، وتُسحب بيانات الاستنكار من ثلاجات التواطؤ ليضج العالم بنداءات الغضب. أما حين تُمحى قرى بأكملها وتتطاير أجساد الأطفال في بلد فقير، يبتلع العالم لسانه، فإن تكلم، تنهمر الدعوات الباردة إلى ضبط النفس والتروي!
ولنا في المواقف الأخيرة المتعلقة بالحرب على اليمن خير مثال. فهناك، دماء البشر تُصنف وفق القيمة السوقية لغنى البلد، والألم يخضع لمؤشرات بورصة المصالح: يرتفع سعره عندما يصيب بلدا غنيا، وينهار عندما يحل ببلد فقير. إذ فجأة، تشتعل مشاعر تضامن المرتزقة، وتُشحذ عبارات الشبيحة المستنكرة، وتصدر البيانات المدينة من قبل المستفيدين عندما تتعرض السعودية لضرر ولو كان بسيطاً، بينما قلة تسأل، والأغلبية لا ترى تعرض اليمن لأقسى الضربات. أما المشهد الأكثر إثارة للسخرية فيتمثل في ماراثون التضامن. فسلطات دول بالكاد تجد وقتا لتضميد جراحها، سارعت إلى إعلان الوقوف إلى جانب الأغنياء. مشهد يشبه غريقا يتشبث بخشبة مكسورة، لكنه يصر على الاطمئنان إلى أن مياه البحر لم تزعج مالك اليخت الراسي بعيداً. في هذا السياق، جاءت مواقف سلطات لبنان وبعض نخبه مليئة بالتزلف، فحماستها عند الحديث عن استهداف السعودية لم نرَ نقطة منها عندما يتعلق الأمر بما يتعرض له جنوب لبنان. وأما المشهد الأكثر غرابة فجاء من سلطات سوريا، التي تتعرض للإهانة والاعتداءات اليومية، والتي سارعت، هي الأخرى، إلى إعلان التضامن والاستعداد للمساعدة. لا اعتراض على التضامن في ذاته. التضامن لو كان مبدأ ثابتا لكان موضع ترحيب واحترام. لكن حين يصبح انتقائيا و"مسح جوخ"، يفقد معناه الأخلاقي ويتحول إلى نفاق واسترزاق سياسي.
جدتي لم تعرف اسم الشاعر، لكنها كانت تعرف أن الأبيات ليست مجرد شعر، بل وصف دقيق لعلاقات الدول والبشر بعضهم ببعض. فدول العالم، إذا رأت فقيرا مقبلا، نبحت عليه، وإذا رأت غنيا مارا، مالت إليه وحرّكت أذناب مجاملاتها السياسية. في القصيدة، كانت الكلاب تنبح في وجه الفقير، ثم تحرك أذنابها للغني. أما في السياسة الحديثة، فقد تطور المشهد: صار النباح بيانا أو تصريحا رسميا، وارتدت الأذناب ربطات العنق، وأتقنت الحديث بلغة الدبلوماسية! ولعلّ جدتي، لو عاشت لترى هذا المشهد، لما احتاجت إلى قراءة الصحف أو متابعة نشرات الأخبار. كانت ستكتفي ببيتها الشعري، ثم تهز رأسها وتقول لي: لم تتغيّر الكلاب يا ابني. كل ما في الأمر أنها تعلمت البروتوكول!
56 مشاهدة
16 أكتوبر, 2026
125 مشاهدة
13 أكتوبر, 2026
92 مشاهدة
13 أكتوبر, 2026