د. علي ضاهر - مونتريال
بمناسبة انقضاء عامٍ وحلول آخر، أتمنى للجميع السعادة والصحة وراحة البال. وبهذه المناسبة، وبعد اطّلاعي على اختيار الصحافة الكندية لمارك كارني "شخصية العام 2025" في استفتاءٍ رسمي شاركت فيه كبرى غرف الأخبار، قررتُ إجراء استفتاءٍ منزليّ متواضع وعشوائيّ، شارك فيه بعض الأصدقاء والمعارف. أسفر هذا الاستفتاء الشعبيّ المحدود عن اختيار دونالد ترامب "شخصية العام 2025" عالميًا، متقدّمًا، ومن دون أي منافسة تُذكر، على طيفٍ واسع من السياسيين من أمثاله وأقرانه. بل إنّ بعض من استُمزج رأيه أبدى حماسةً شديدة، لا لتتويج ترامب شخصية العام فحسب، بل لجعله "شخصية العصر". هؤلاء قالوا انهم ينطلقون من فرضيةٍ بسيطة: شخصية ترامب لن تطبع عامًا واحدًا، ولن يقتصر تأثيرها على فترة رئاسية واحدة بل ستمتدّ لسنواتٍ طويلة، وربما لعقود. فترامب، كشخص ونموذج وقيم، إن وُجدت، هو العنوان الأبرز لعالمٍ يقوده يمينٌ عنصريّ متطرّف، منغلق على ذاته، لا يرى في الكون سوى مرآته، ولا يعترف بالآخر إلا بوصفه عبئًا أو عدوًا أو فائضًا عن الحاجة.
لذا، يمكننا القول، وبكلّ ثقة، إننا دخلنا عصر "الترامبية" بامتياز. عصر "اشتغل فيه الوضوح"، على حدّ تعبير زياد الرحباني. عصر ذاب فيه الثلج وبان المرج. عصر يُقال فيه للأعور: أعور بعينك، وللأعرج: الله لا يشفيك ولا يعافيك ولا يقيمك. عصر يُدفع فيه من يقف "على الشوار" ويُقال له: روح، الله لا يردك. ففي عصر الترامبية لم تعد هناك حاجة لستر الأوساخ أو إخفاء العِلل؛ صار اللعب على المكشوف فضيلة، والتباهي بالنواقص موضة، وخلع الأقنعة، ولو كانت الوجوه تحتها كالحة، سلوكًا محمودًا. أمّا إظهار الميول الشيطانية والأعمال القذرة والنفوس العليلة، فأمرٌ عادي، بل مشروع. حتى إذا قلت لأحدهم: ارحمني، أجابك بتشفي: وهل بقي مكان للرحمة في عصرٍ فيه ترامب ومن لفّ لفّه؟ اما إذا اردفت: الا ترى ما فعلوه بغزة وأهلها وما يفعلونه في لبنان وشعبه وما يحضرونه لفنزويلا وايران، هذا دون ذكر كوبا المحاصرة منذ قرون! رد قائلا: يستأهلوا، الله لا يردهم!
إنه، إذن، عصرُ الترامبية؛ عصرٌ لا يحتاج إلى تعريف الى السترة وسترة. فوضى تتنقّل بين القارات وتهزّ أركان العالم كأنها تختبر صلابته. مراسيمُ ترامب المزاجية وقراراتُه التي تُكتب على عجلٍ وتُمحى على عجلٍ أكبر، لا تفعل سوى دفع نظامٍ إمبرياليٍّ مترهّل نحو نهايته المحتومة؛ نظامٌ يتداعى يومًا بعد يوم، عاجزًا عن ضبط مصائر الشعوب أو ابتلاع خيراتها بحروبه الناعمة القديمة، فيتحول الى العنف فيغزو ويقتل وينهب ويبتز بقوة السلاح. ويقوم بكل هذه الموبقات انتقاما عبر إشعال حروبٍ شرسة، وتحطيم ما تبقّى من كياناتٍ حقوقية واقتصادية وتجارية، وتحويل العلاقات الدولية إلى مزادٍ علنيّ، من يدفع أكثر يحصل على الصداقة والحماية، والا فالويل والثبور. عصر يصرخ فيه الجميع: أنا أوّلًا، أنا وحدي، والباقي خس، ولتذهب البشرية كلّها إلى الجحيم.
هكذا غدت الكرة الأرضية نسخةً موسّعة من "حارة كلّ من إيدو إلو". حارة يسودها العبث ويغيب فيها القانون ويخطئ الجميع بحق الجميع، ويأخذ كلٌّ حقه بطريقته وقوته. حارة السيادة فيها للأقوى الذي يأكل الأضعف ويتصرّف على هواه. أو، بالأحرى، كأننا نعيش في "دكّانة أبو عنتر" مع تلك الشخصية بصوتها العالي و"تشبيحاتها" وبهوراتها الدائمة؛ حيث القرارات تُطبخ على عجل، والنتائج دائمًا كارثية. ففي الدكّان الذي يُديره أبو عنتر، لا تسعيرة ثابتة: السعر يتغيّر حسب مزاج صاحب المحل. لا ميزان عدل: القبضة أقوى من القانون. لا نقاش: الصوت الأعلى هو الحُجّة. والزبون دائمًا على خطأ، إلا إذا كان أقوى من صاحب الدكّان.
باختصار، فإنّ عصر الترامبية ليس خلافًا سياسيًا، ولا مدرسة فكرية، ولا حتى زلّة تاريخية عابرة؛ إنّه عودة منظَّمة إلى شريعة الغاب، تُدار فيه الكرة الأرضية بعقلية "دكّانة أبو عنتر"، حيث تُلغى القواعد متى أزعجت صاحب الدكّان، ويُعاد تسعير المبادئ كل مساء بحسب مزاجه. في هذا العصر، لا مكان للضعفاء، ولا قيمة للقانون، ولا معنى للأخلاق. هو عصرٌ يُقال فيه للعالم، بكل فظاظة: من لم يعجبه السعر، فليغادر الدكّان، الباب واسع، والعضلات جاهزة. فهكذا، وبمنتهى الجدية التي لا تخلو من وقاحة، يمكن اختصار عصر الترامبية بجملة واحدة: من يملك العضلات يملك الحق، ومن لا يملكها "فليَلْطِ جنب الحيط ويقول يا ربّي السترة". أمّا من يملك العضلات ثم يتركها ترتجف تحت عباءة العجز، فذلك صاحب المصيبة الأعظم والفضيحة الأشدّ دوياً. تماماً كحال المنظومة العربية الراهنة التي درّبت لسانها على فنّ الصياغة اللغوية الأنيقة، ووجّهت ما تبقّى من عضلاتها نحو إنتاج بيانات شجبٍ مصقولة كأنها خرجت من صالون مماحكات لغوية فاخرة، بينما هي في الحقيقة محاولة يائسة لستر ما هُدِر من كرامتها، وما انكشف من خوائها، وما تكرّس من عجزها المزمن.
بمناسبة انقضاء عامٍ وحلول آخر، أتمنى للجميع السعادة والصحة وراحة البال. وبهذه المناسبة، وبعد اطّلاعي على اختيار الصحافة الكندية لمارك كارني "شخصية العام 2025" في استفتاءٍ رسمي شاركت فيه كبرى غرف الأخبار، قررتُ إجراء استفتاءٍ منزليّ متواضع وعشوائيّ، شارك فيه بعض الأصدقاء والمعارف. أسفر هذا الاستفتاء الشعبيّ المحدود عن اختيار دونالد ترامب "شخصية العام 2025" عالميًا، متقدّمًا، ومن دون أي منافسة تُذكر، على طيفٍ واسع من السياسيين من أمثاله وأقرانه. بل إنّ بعض من استُمزج رأيه أبدى حماسةً شديدة، لا لتتويج ترامب شخصية العام فحسب، بل لجعله "شخصية العصر". هؤلاء قالوا انهم ينطلقون من فرضيةٍ بسيطة: شخصية ترامب لن تطبع عامًا واحدًا، ولن يقتصر تأثيرها على فترة رئاسية واحدة بل ستمتدّ لسنواتٍ طويلة، وربما لعقود. فترامب، كشخص ونموذج وقيم، إن وُجدت، هو العنوان الأبرز لعالمٍ يقوده يمينٌ عنصريّ متطرّف، منغلق على ذاته، لا يرى في الكون سوى مرآته، ولا يعترف بالآخر إلا بوصفه عبئًا أو عدوًا أو فائضًا عن الحاجة.
لذا، يمكننا القول، وبكلّ ثقة، إننا دخلنا عصر "الترامبية" بامتياز. عصر "اشتغل فيه الوضوح"، على حدّ تعبير زياد الرحباني. عصر ذاب فيه الثلج وبان المرج. عصر يُقال فيه للأعور: أعور بعينك، وللأعرج: الله لا يشفيك ولا يعافيك ولا يقيمك. عصر يُدفع فيه من يقف "على الشوار" ويُقال له: روح، الله لا يردك. ففي عصر الترامبية لم تعد هناك حاجة لستر الأوساخ أو إخفاء العِلل؛ صار اللعب على المكشوف فضيلة، والتباهي بالنواقص موضة، وخلع الأقنعة، ولو كانت الوجوه تحتها كالحة، سلوكًا محمودًا. أمّا إظهار الميول الشيطانية والأعمال القذرة والنفوس العليلة، فأمرٌ عادي، بل مشروع. حتى إذا قلت لأحدهم: ارحمني، أجابك بتشفي: وهل بقي مكان للرحمة في عصرٍ فيه ترامب ومن لفّ لفّه؟ اما إذا اردفت: الا ترى ما فعلوه بغزة وأهلها وما يفعلونه في لبنان وشعبه وما يحضرونه لفنزويلا وايران، هذا دون ذكر كوبا المحاصرة منذ قرون! رد قائلا: يستأهلوا، الله لا يردهم!
إنه، إذن، عصرُ الترامبية؛ عصرٌ لا يحتاج إلى تعريف الى السترة وسترة. فوضى تتنقّل بين القارات وتهزّ أركان العالم كأنها تختبر صلابته. مراسيمُ ترامب المزاجية وقراراتُه التي تُكتب على عجلٍ وتُمحى على عجلٍ أكبر، لا تفعل سوى دفع نظامٍ إمبرياليٍّ مترهّل نحو نهايته المحتومة؛ نظامٌ يتداعى يومًا بعد يوم، عاجزًا عن ضبط مصائر الشعوب أو ابتلاع خيراتها بحروبه الناعمة القديمة، فيتحول الى العنف فيغزو ويقتل وينهب ويبتز بقوة السلاح. ويقوم بكل هذه الموبقات انتقاما عبر إشعال حروبٍ شرسة، وتحطيم ما تبقّى من كياناتٍ حقوقية واقتصادية وتجارية، وتحويل العلاقات الدولية إلى مزادٍ علنيّ، من يدفع أكثر يحصل على الصداقة والحماية، والا فالويل والثبور. عصر يصرخ فيه الجميع: أنا أوّلًا، أنا وحدي، والباقي خس، ولتذهب البشرية كلّها إلى الجحيم.
هكذا غدت الكرة الأرضية نسخةً موسّعة من "حارة كلّ من إيدو إلو". حارة يسودها العبث ويغيب فيها القانون ويخطئ الجميع بحق الجميع، ويأخذ كلٌّ حقه بطريقته وقوته. حارة السيادة فيها للأقوى الذي يأكل الأضعف ويتصرّف على هواه. أو، بالأحرى، كأننا نعيش في "دكّانة أبو عنتر" مع تلك الشخصية بصوتها العالي و"تشبيحاتها" وبهوراتها الدائمة؛ حيث القرارات تُطبخ على عجل، والنتائج دائمًا كارثية. ففي الدكّان الذي يُديره أبو عنتر، لا تسعيرة ثابتة: السعر يتغيّر حسب مزاج صاحب المحل. لا ميزان عدل: القبضة أقوى من القانون. لا نقاش: الصوت الأعلى هو الحُجّة. والزبون دائمًا على خطأ، إلا إذا كان أقوى من صاحب الدكّان.
باختصار، فإنّ عصر الترامبية ليس خلافًا سياسيًا، ولا مدرسة فكرية، ولا حتى زلّة تاريخية عابرة؛ إنّه عودة منظَّمة إلى شريعة الغاب، تُدار فيه الكرة الأرضية بعقلية "دكّانة أبو عنتر"، حيث تُلغى القواعد متى أزعجت صاحب الدكّان، ويُعاد تسعير المبادئ كل مساء بحسب مزاجه. في هذا العصر، لا مكان للضعفاء، ولا قيمة للقانون، ولا معنى للأخلاق. هو عصرٌ يُقال فيه للعالم، بكل فظاظة: من لم يعجبه السعر، فليغادر الدكّان، الباب واسع، والعضلات جاهزة. فهكذا، وبمنتهى الجدية التي لا تخلو من وقاحة، يمكن اختصار عصر الترامبية بجملة واحدة: من يملك العضلات يملك الحق، ومن لا يملكها "فليَلْطِ جنب الحيط ويقول يا ربّي السترة". أمّا من يملك العضلات ثم يتركها ترتجف تحت عباءة العجز، فذلك صاحب المصيبة الأعظم والفضيحة الأشدّ دوياً. تماماً كحال المنظومة العربية الراهنة التي درّبت لسانها على فنّ الصياغة اللغوية الأنيقة، ووجّهت ما تبقّى من عضلاتها نحو إنتاج بيانات شجبٍ مصقولة كأنها خرجت من صالون مماحكات لغوية فاخرة، بينما هي في الحقيقة محاولة يائسة لستر ما هُدِر من كرامتها، وما انكشف من خوائها، وما تكرّس من عجزها المزمن.
184 مشاهدة
03 يناير, 2026
75 مشاهدة
03 يناير, 2026
135 مشاهدة
29 ديسمبر, 2025