Sadaonline

أنقذوا جبل عامل الأشم… أرضنا المحروسة بالتاريخ والذاكرة

ما يحدث في الجنوب ليس تدميرًا للحجر وحده؛ إنه جرح في ذاكرة المكان والإنسان.

د. وفاء مروة — مونتريال

أنقذوا جبل عامل الأشم… أنقذوا تلك الأرض التي لم تكن يومًا مجرّد مساحة جغرافية على خارطة لبنان، بل كانت وطنًا صغيرًا في قلب الوطن، وذاكرةً تختزن حكايات الأجداد، وأرضًا حملت على جبينها آثار قرون طويلة من التاريخ. جبل عامل… الاسم الذي ارتبط بتاريخ الجنوب وذاكرته، أرضٌ تعاقبت عليها الأزمنة والحروب، وبقي الإنسان العاملي متمسكًا بأرضه، يحرس ذاكرته ويورّثها لأبنائه.

أنقذوا جبل عامل، لأن فيه تاريخًا لا يجوز أن يُدفن تحت الركام. في هذه الأرض تقف قلاع ومعالم تاريخية شهدت على قرون من التحولات، من تبنين إلى الشقيف وشمع ودير كيفا وغيرها من قرى جبل عامل. وهذه المعالم ليست حجارة صامتة؛ إنها صفحات مفتوحة من تاريخ الجنوب، وشواهد على حضارات وأجيال تعاقبت على هذه الأرض، فبقيت شاهدةً على الإنسان الذي عاش فيها، وبنى، وزرع، وتعلّم، وحلم.

أنقذوا قرى جبل عامل، لأن القرية ليست بيوتًا متجاورة فقط؛ القرية ذاكرة أهلها، وحقولهم، ومقابر أجدادهم، ومدارس أطفالهم، وطرقاتهم القديمة، وشجرة الزيتون التي يعرفها صاحب الأرض كما يعرف ملامح أبنائه. حين تُدمّر قرية، لا يُهدم الحجر وحده، بل يُصاب جزء من الذاكرة. وحين تُقتلع شجرة زيتون، تُقتلع معها حكاية عمرها عشرات السنين. وحين يُهدم بيت، لا ينهار سقف وجدران فقط، بل تسقط معه صور العائلة، ودفء الطفولة، وذكريات الأمهات والآباء.

ما يحدث في الجنوب ليس تدميرًا للحجر وحده؛ إنه جرح في ذاكرة المكان والإنسان. ولهذا نقول اليوم، من القلب: أنقذوا جبل عامل الأشم. أنقذوا أرضنا المحروسة بتاريخها، وأنقذوا قرانا قبل أن تتحول الذاكرة فيها إلى صور قديمة. أنقذوا مدارسها وبيوتها وحقولها ومعالمها الأثرية، أنقذوا تراثًا لا يخص أبناء الجنوب وحدهم، بل هو جزء من التراث اللبناني والذاكرة الإنسانية.

ونحن، أبناء الاغتراب، الذين حملنا الجنوب معنا إلى أبعد المدن، لا نملك أن ننسى. قد تفصلنا آلاف الكيلومترات عن ترابنا، لكن المسافة لا تستطيع أن تفصل الإنسان عن أرضه. في مونتريال، وفي أبيدجان، وفي أفريقيا، وفي كل مدينة حملت أبناء جبل عامل، ما زالت رائحة التراب حاضرة في الذاكرة، وما زال اسم القرية يُقال كما لو أنها قريبة من القلب. نحن لا نريد لجبل عامل أن يبقى مجرد حكاية نرويها لأبنائنا؛ نريده حيًّا، آمنًا، عامرًا بأهله، ونريد لأطفال الجنوب أن يعودوا إلى مدارسهم، وأن يزرعوا الزيتون بدل أن يبحثوا عن آثار بيوتهم، وأن يكتبوا أسماء قراهم على دفاترهم لا على أنقاضها.

فالأوطان لا تُحمى بالذاكرة وحدها، بل بحماية الإنسان والأرض والتراث، وبإعادة بناء ما تهدّم، وصون ما بقي، ومنع محو التاريخ. جبل عامل ليس مجرد جنوب؛ إنه ذاكرة وطن، وأرض الأجداد، وحكاية الصمود، والزيتونة التي بقيت واقفة رغم العواصف، والجبل الذي علّم أبناءه أن الأرض ليست شيئًا نملكه فحسب، بل أمانة نحملها لمن سيأتي بعدنا.

فأنقذوا جبل عامل الأشم… أنقذوا الأرض قبل أن يصبح الحنين إليها هو الوطن الوحيد.