Sadaonline

من "بساط الريح" إلى "الأكسجين الرقمي" : قراءة في كتاب "أنا رقمي إذن أنا موجود" للكاتب حسام عبد القادر مقبل

يُعدّ الكتاب رصدًا سوسيولوجيًّا وتقنيًّا بأسلوب أدبيّ للتحوُّلات التي طرأت على الذّات البشريّة في عصر الرَّقمنة

     

بقلم: حبيبة أديب

في كتاب "أنا رقمي إذن أنا موجود" للكاتب حسام عبد القادر مقبل، نجد أنفسنا أمام مرآة تعكس تحوُّلاتنا الكبرى من كائنات ورقيّة إلى ذوات رقميّة. انطلاقًا من “بساطِ الرِّيح” الذي كان يسكن خيالنا السِّينمائي القديم، وصولًا إلى الـ “GPS” الذي يصفه الكاتب بـ”الأكسجين الرَّقمي”، يضعنا هذا العمل أمام تساؤل وجوديّ حارق: ماذا كنّا؟ وماذا أصبحنا؟

أولاً: العرض الموضوعي للمحتوى
يُعدّ الكتاب رصدًا سوسيولوجيًّا وتقنيًّا بأسلوب أدبيّ للتحوُّلات التي طرأت على الذّات البشريّة في عصر الرَّقمنة. ينطلق الكاتب من محاكاة ساخرة وذكيّة لمقولة ديكارت الشَّهيرة، ليضعنا أمام حقيقة “الكينونة الرَّقميّة”.
تتنوع موضوعات الكتاب بين رصد أثر منصّات التّواصل الاجتماعي، وتطوّر أدوات المعرفة من الورقي إلى الإلكتروني، وصولًا إلى استشراف مستقبل “الصّحفيّ الرّوبوت” وأثر الذّكاء الاصطناعي على المهن الإبداعيّة.
ويتحدّث الكاتب أيضًا بذكاء عن كيفيّة إعادة منصّات التّواصل صياغة مفاهيمنا الاجتماعيّة؛ فلم يعد “الفيسبوك” مجرّد وسيلة اتصال، بل صار “الصّاحب والصّديق لمن يجلس وحيدًا”. ولكن، مقابل هذا التّقارب الافتراضي، هناك جفاء إنسانيّ تسلّل إلى تقاليدنا؛ حيث استُبدلت حميميّة “كيس الفاكهة” في الزّيارات العائليّة بملصقات رقميّة ومجاملات باردة يحكمها منطق “الإعجاب” والتّعليق العابر، فيما تحوّلت النّقاشات إلى “حوار طُرشان” يسوده العناد والصّراع لإثبات الرأي.

ثانيًا: المنهج والأسلوب
• البنية الحكائيّة (Narrative): لا يعتمد الكتاب على السّرد الجاف، بل يمزج بين الذّكريات الشّخصيّة وبين الواقع التّقنيّ القاسي، ممّا يخلق ألفة بين القارئ والمادّة العلميّة.
• البنية الموسوعيّة: ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام متكاملة (كلام في السّوشيال ميديا، قراءات رقميّة، تجارب رقميّة، وحوار)، ممّا يمنحه تماسكًا يجمع بين التّنظير والتّجربة الحيّة.
• الاشتباك مع الواقع: يُسلّط الضوء على ظواهر دقيقة ترصد تآكل العادات التّقليديّة لصالح السلوكيّات الرقميّة الوافدة، كما خُصِّص فصل مهمّ لدور وسائل التّواصل في مواجهة القضايا الاجتماعية الشائكة كالتّحرّش الجنسي.
• أنسنة الآلة: يلفت الانتباه استخدامه الموفق للاستعارات، حيث حوّل الأداة التّقنيّة إلى ضرورة بيولوجيّة لا يمكن الاستغناء عنها.

ثالثًا: تحليل الأسلوب (اللّغة، النّبرة، الإيقاع)
اللّغة: يستخدم الكاتب لغة “بيضاء” تمتاز بالجزالة والوضوح، وهي لغة صحفيّة أدبيّة رصينة تبتعد عن التّعقيد التّقني. كما يعتمد أسلوبًا حكائيًّا (Narrative) بعناوين مشوّقة وتشبيهات مستمدّة من البيئة المصريّة مثل “حبل الغسيل” و”مولانا جوجل وعمّنا أندرويد”. وهو ما يؤكّد المقولة الشّهيرة المنسوبة إلى ابن خلدون: “الإنسان ابن بيئته”، حيث أكّد في المقدّمة أنّ البيئة الطّبيعيّة والاجتماعيّة تؤثّر تأثيرًا مباشرًا في طباع البشر وأخلاقهم وقدراتهم الفكريّة.
النّبرة: تتراوح بين الاسترجاع الحنيني (Nostalgia) للماضي، والنّبرة الاستقصائيّة التي تظهر بوضوح في القسم الرّابع “حوار”، من خلال نقاشاته مع الخبراء، والقلق الوجوديّ من تسارع التّغيير الذي لا يمكن ملاحقته، حيث ينتقل الأسلوب من السّرد إلى المساءلة المباشرة حول أمن المعلومات.
الإيقاع: المقالات قصيرة ومركّزة، تشبه في إيقاعها “المنشورات الرّقميّة” السّريعة (تيك أواي) لكن بعمق فكريّ، ممّا يجعل الكتاب سهل الالتهام دون أن يغفل الرّبط الذكيّ بين التّكنولوجيا والقيم الاجتماعيّة (مثل فصل “خطوبة أونلاين” و”الهدايا الرّقميّة”).

رابعًا: الجديد في الكتاب وأوجه الاختلاف
التّوثيق لظاهرة كورونا: يقدّم الكتاب قراءة فريدة لتحوّل وسائل التّواصل أثناء الجائحة إلى “منقذ” من الاكتئاب والخلافات الأسريّة، مع رصد ظاهرة تصادم الآراء في النّقاشات الإلكترونيّة.
الاختلاف عن غيره: معظم الكتب في هذا المجال إمّا تقنيّة بحتة، أو هجوميّة ضدّ التّكنولوجيا؛ أمّا هذا الكتاب فيقف في منطقة “التّأمّل الواعي”، إذ يُقرّ بالواقع الرّقمي كقدر محتوم، لكنه يدعو إلى مساءلته نقديًّا.

خامساً: الأكسجين الرقمي وتحدي الخصوصية
لعل أجمل استعارات الكتاب هي وصفه لـ "جي بي إس" بـ "الأكسجين الرقمي". هذا الأكسجين الذي رغم ضرورته البيولوجية المصطنعة، يحمل في طياته سموماً تتمثل في انتهاك الخصوصية؛ فتعكس مدى ارتهان حياتنا اليومية لهذه الأدوات التي تلازمنا في أدقّ تفاصيل يومنا. ومع هذا الارتباط، يفتح الكاتب ملف الخصوصية المخترقة، متسائلاً بجرأة عن مدى تحكم المنصات في حالتنا المزاجية، وقدرتها على جمع بياناتنا الدقيقة وتحويلها إلى مادة للدراسات السياسية وأداة لتوجيه الرأي العام.

سادساً: التقييم النقدي (نقاط القوة)
تكمن قوّة العمل في قدرته على الرّبط بين التّراث الشّعبي والخيال العلمي والواقع الرّقميّ المعاصر، وفي صدقه في عرض التّجارب الشّخصيّة (مثل معاناته مع البريد الإلكتروني اليومي)، وهو ما نفتقده في كثير من الكتب التي تنتجها الخوارزميّات اليوم.
ورغم شمول الموضوعات بما قد يشتّت القارئ قليلًا، فإنّ الخيوط تترابط لتقدّم “مرآة رقميّة” تعكس حقيقتنا.
أبرز الاقتباسات التي تحمل عمقاً فكرياً ونقدياً وتعكس أسلوب الكاتب وأفكاره:

1. في فلسفة الكينونة الرقمية

"ستكون حياتنا الرقمية تطورت وتغيرت في وقت إعداد هذا الكتاب للنشر... فسرعة التغيير هائلة، وأحياناً لا نستطيع ملاحقتها."

"أنا رقمي إذن أنا موجود... وهو أيضاً دعوة للتأمل، ماذا كنا؟ وماذا أصبحنا؟ وماذا سيحدث في المستقبل القريب والبعيد؟"

2. في نقد التحولات الاجتماعية
"استطاعت وسائل التواصل الاجتماعي 'السوشيال ميديا' أن تنقل مجتمعنا نقلات هائلة على المستوى الإنساني، فأصبح الفيس بوك هو الصاحب والصديق لمن يجلس وحيداً."
"فالزهور أو 'كيس الفاكهة' الذي نصحبه عند الزيارة أصبح موجوداً إلكترونياً... والتعامل مع البوست أصبح له تقاليده والمجاملات التي تصحب هذه التقاليد."
"انقسم الناس لعدة أقسام في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي: فهناك من اهتم بالمتابعة فقط دون المشاركة، وهناك من شارك ودخل في صراعات ومعارك ونقاشات حامية الوطيس لإثبات رأيه."

3. في وداع العصر الورقي واستشراف الروبوت
"إن القراءة اختلفت باختلاف التكنولوجيا، فبعد أن كانت القراءة تتم بالشكل التقليدي من خلال كتاب مطبوع أو صحيفة، تحولت الآن إلى قراءة رقمية."
"أما الروبوتات فستحل محل متوسطي الموهبة أو الموهوبين ممن لم يطوروا أنفسهم... وهذا لن يحدث بين عشية وضحاها، ولكن الروبوت يدق ناقوس الخطر."
"وداعاً للصحافة الإلكترونية... الصحفي الروبوت سوف يحرر التكنولوجيا الهائل، فإذا كان الفيس بوك وجوجل سوف يعملان على تجهيز الأخبار وإعدادها بمساعدة الروبوت، فبالتأكيد أن الصحافة الورقية نفسها لن تكون بالشكل الحالي."

4. في تحديات الخصوصية (الأكسجين الرقمي)
"جي بي إس.. الأكسجين الرقمي: لم يكن يستطيع الاستغناء عنها، رغم الخلاف الدائم بينهما... كانت تضله في كثير من الأحيان، وكثيراً ما كان العناد هو لغة الحوار بينهما."
"هل يقوم الفيس بوك بالتحكم في السعادة أو الحزن للإنسان، أو تغيير الحالة المزاجية للأشخاص؟ ... كيف أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة قوية للدراسات السياسية ووسيلة لقياس الرأي العام؟"

5. في التوثيق التاريخي (الذاكرة السكندرية)
"كنا نختلف عن الآخرين لأننا محبين للثقافة ونكتب عنها، ولسنا مجرد "بيزنس" نريد أن نكسب منه بعض المال، وقد كان هذا عيباً مثلما هو ميزة في نفس الوقت."
"وشبكة الإنترنت ما زالت اختراعاً جديداً، وأجهزة الكمبيوتر التي كنا نعمل عليها لو كتبت مواصفاتها سيتعجب قارئ هذه الكلمات لضآلتها."

خاتمة: وفاء للذاكرة السكندرية
لم ينسَ الكاتب جذوره، فوثّق بوفاء تجربة «أمواج سكندرية» ودار “الصّديقين”، مؤكّدًا أنّ الدّافع كان دومًا حبّ الثّقافة لا منطق “البيزنس”.
إن هذا الكتاب ليس مجرد قراءة تقنية، بل هو وثيقة إنسانية تضعنا أمام مرآة هويتنا الجديدة؛ وهو عمل يوثق ببراعة تحولنا من «الإنسان الورقي» إلى «الإنسان الرقمي»، ليظل في جوهره حافزاً للتّأمُّل، وهو تأكيدٌ على أنّنا، رغم تسارع التّغيير الرّقميّ الهائل، لا نزال نملك القدرة على التّحليل، مُبرزًا أنّ وجودنا اليوم يُقاس بالأثر الذي نتركه في الفضاء السّيبرانيّ. ولعلّه دعوةٌ واعيةٌ لاستعادة إنسانيّتنا من بين رُكام البيانات.

حبيبة أديب: أديبة لبنانيّة-كنديّة، صدر لها كتاب "عصفور الشوق"، وتعمل حاليّاً على إنجاز مؤلَّفها الأدبيّ الثّاني باللغة العربيّة.